عبقرية الفشل ... (في) بؤرة الضوء !!!

الانقضاض على شرعية واستقلالية القرار الفلسطيني ... أين الضمير ؟

 

 

بقلم :د. أحمد محيسن

 

لست من الذين يدعون للتشاؤم ولست متشائما، ولكنني متألماً وحزينا على ما آلت إليه الأمة من حال يدعو للتشاؤم والحزن ... في زمن أصبحت فيه الضمائر البشرية كسلعة تباع وتُشترى. ألا يفقد الإنسان معنى إنسانيته بدون ضمير؟ ويكون بذلك كالرجال الذين فقدوا رجولتهم، وكالنساء اللواتي فقدن أنوثتهن، وكالربّان من دون سفينته، وكالفارس الذي لا يملك فرساً أصيلة، وكالمحارب المجرد من السيف المهند، كيف لا وإن كان الأمر يتعلق بتراب الوطن …؟! لقد تغيرت القيم والمفاهيم التي كنا نعرفها وورثناها كابراً عن كابر على مر العصور وتعايشنا معها، ففي يومنا هذا أصبح أمراً طبيعيا أن نبيع ضمائرنا ونصبح أبواقا. لقد تعلمنا منذ نعومة أظفارنا أن الضمير الإنساني هو غاية في الأهمية والحساسية وهو معنى شديد السمو، ولكن لا يمكن أن يخضع هذا المفهوم السامي هذه الأيام ـ وفي معظم الأحيان ـ لمقاييس هذا العصر المنحط الذي كتب علينا معاصرته. أن نعيش بدون ضمير يعني أن نُسخر ونوظف كل ما نملك لأهوائنا التي تأتي من لا شئ، أي من الفراغ … أن نعيش  بلا ضمير يعني أن نعبث في مشاعر من نحب، متأكدين وواثقين من دوام ملكيتنا لهم، باسم  الحرص والواجب والمحبة والأخوة … أن نعيش دون ضمير يعني أن يبقى المحور الذي تدور حوله أمور حياتنا هي ذاتنا فقط، وأن نمارس القرصنة على أحبابنا باسم المحبة تارة، وباسم الذات تارة أخرى … إن الضمير الحي هو المعنى الجميل السامي للحياة التي أوجدها الله عز وجل لنا، إن الضمير الحيّ

هو كل المعاني السامية والتصرفات الحسنة الطيبة والأخلاق العالية الرفيعة مجتمعة كلها دون نقصان، وبدونها يبقى اسم الكلمة فارغاً من مضمونه وجوهره ولا يبقى يحمل أية صفة أو معنى، سوى أن تكون حب الذات والنرجسية وحدها هي المعنى اليتيم لهذه الحياة … هل نعيش في هذه الأيام عصراً عجيبا غريب الأطوار… ؟ عصر ذهبت فيه المبادئ والأخلاق والقيم والضمائر الحية في إجازة  بلا عودة … فحتى في عصر الجاهلية الأولى، كانت القيم التي تحترم عند العباد، والتي نفتقدها الآن في عصرنا هذا، عصر التكنولوجيا المتقدمة والمتطورة في زمن السرعة والإنترنت والأقمار الاصطناعية والفضائيات والجوال المحمول والغير محمول، وفي زمن أصبح فيه العالم أصغر من قرية، حيث لم يكن أحدا يتوقع  في يوم من الأيام، ( أن يكون الدكتور فيصل القاسم من فضائية تدعى الجزيرة جالساً في الأستوديو التلفزيوني في دولة  قطر ـ والتي لم تكن معروفة حتى عند بعض العامة من الشعب العربي ـ  ويراه ويسمعه العالم كله فورا باتجاهه المعاكس، في بث متلفز حيّ ومباشر،) نعم إنها حقيقة وتدعونا إلى أن نواكب هذه الثورة التكنولوجية المعلوماتية بثورة أخلاق حميدة وإحياء للضمائر التي جفت ينابيعها الخيرة. لقد كان الجاهليون حسب وصفنا لهم  في منازعاتهم وخلافاتهم والاعتداء على بعضهم البعض يلتزمون رغم جهالتهم حسب ما ندعي بالقواعد الحميدة مثل الشهامة والمروءة، وأصول الفروسية وأوقاتها، لأنهم كانوا أصحاب مشاعر وأخلاق ومبادئ وقيم وشعارات تنسجم مع عقيدة صلبة كان متعارف عليها عندهم وفي زمانهم، وأجمع عليها كل من عايشها مؤمنين وملتزمين بها، ولهذا فإنهم قوم يستحقون منا على الأقل الاحترام والتقدير لأنهم كانوا يحتكمون للقواعد والأصول المتعارف عليها عندهم. أيهما أرحم بالله عليكم … ذاك الجاهلي حسب ادعاءاتنا والذي رحل عنا منذ آلاف السنين بجهله وحسب ما ندّعي، أم الجاهلي المعاصر الماكث بجهله بيننا ويجثم فوق صدورنا، ويمطرك بالنظريات والشعارات والأيديولوجيات، ويلقي عليك محاضرات في كل المجالات التي سمعت بها والتي لم تسمع بعد. الذي يمارَسُ في الحقيقة هو بيع للضمير البشري بأبخس الأثمان ليرضي هذا أو ذاك، ويسجل موقفاً هنا أو هناك من أجل أن يصل لمركز سلطوي، ويتأرجح بين نشوى حب الذات المطلق والنرجسية الفاقعة اللون، المتمثلة بالتربص بالعباد لقنصهم من حيث لا يدرون ولا يتوقعون ...!!! يجب أن  تنتهي هذه الجاهلية العمياء القاتلة، التي تجري في مفاصل تصرفاتنا، والجهالة التي تنبض في عروق حياتنا فوراً، والتي تؤدي بالتأكيد إلى ـ تشنج و تنابذ وتوحش واقتتال ووهن وإحباط وتردي لأحوالنا وأوضاعنا … وإلا فالطوفان قادم … "وما ربك بظلام للعبيد" صدق الله العظيم.

 

 

إن اللّه سبحانه وتعالى بسط  نعمهُ ظاهرة وباطنة على جميع مخلوقاته من عادلين وظالمين في هذه  الدنيا الفانية والزائلة، فعلينا أن نكون عقلاء وحكماء ونتحلى بالصبر والعطاء  في سبيل اللّه بأن نعمل صالحاً وننهى عن المنكر والفحشاء والبغي.

 

يجب أن تكون مشاعرنا مؤسسة على القوانين العقلية الحكيمة التي تقودنا بالنهاية إلى الحقيقة، ولتكون أفعالنا دائما نابعة من ضمائرنا الحية ورغبة منا خالصة لله في فعل الخير وحبه، وتجنب الشر، ولنصبر لنكون  اكثر استعدادا، وقدرة على استثمار أوقاتنا وجهودنا، لنبلغ صورة أفضل لذاتنا، ولا ننقاد وننجر إلى ممارسه السلوك السيئة الهابطة والرذيلة.

 

كيف يكون ازدواج الأدوار المتناقضة للإنسان ؟! وأين التخصص في الأداء دائما ؟! لكي نحسن الدقة في العطاء ونبقى نسبح في مدارات تعالج قضايانا ونصنع أفكارا متينة واضحة تخدم امتنا.

أن الضمير الحيّ هو الوازع والدافع لسيطرة الفرد على انفعالاته في وجه المصاعب والمحن، والتصرف بشجاعة دون أن ينثني أبدا أمام الباطل وفي كل المواقع، ويكون جهاده مع النفس حينئذ كبيراً، ويتعامل من أعماق نفسه ويمتنع عن قول السوء، وإثارة الفتن، ويسيطر على انفعالاته، ويبتعد عن  الأنانية والظلم والتفرقة والنميمة والنفاق والتكبر والحسد واختيار الأفعال المحرمة والتربص بالعباد، والمبالغة في الانتقام من البشر، وهذا هو النقاء والطهر.

 

إن مناهج الأخلاق الإسلامية، بكل قواعدها وأسسها ومرتكزاتها، التي تربينا عليها وعرفناها ، قد بينت لنا ما يجب الالتزام به أو الامتناع عنه، وهذه هي  المعايير التي بينها الله لنا ونرتكز إليها في صناعة التقويم الذاتي لنا، وهذا شيء مهم وضروري .

 

ماذا نقول لابن الوطن الفلسطيني الصامد المكابد، الذي يعاني من ظلم الاحتلال، ونحن نرى من يريد فرض واقع مرٍ على هذا الشعب المعطاء عبر سياسات مترهلة مستهلكة عرجاء ومليئة بالأخطاء والثغرات، ونقبل ببعض الفتات مما هو بالأصل لنا، ويعتبر ذلك من باب كرم الضيافة ومحاسن الأخلاق؟

 

ألا يحق  لأبناء هذا الشعب البطل أن يكون محتاطا لكل الأمور التي يمكن أن تتكون وتستجد حوله، ولا يبقى يصدق كل التمنيات الطيبة التي تقدم له من هنا وهناك؟

 

ماذا نقول لابن الوطن الفلسطيني الصامد، والاحتلال يقتل ويدمر، ويعيث في الأرض فساداً، ويهدد بإبعاد قيادته أو اغتيالها مع كل عملية فدائية ضد الاحتلال، وإشاعة الأخبار السيئة والمغرضة من أطراف صهيونية حول صحة الرئيس أبو عمار، وهم يوقنون ويعون ويدركون أن الشعب الفلسطيني يدرك ويعي تماماً وفي مقدمته رمز البلاد ـ وكما قال الأخ الرئيس أبو عمار ـ على أن الوطن فلسطين وعبر التاريخ هو منبع وصانع الرموز وعلى الانتماء  أولاً  للقضية  وحب الوطن  فلسطين ؟!!

 

فإن بقيت معاناة الشعب الفلسطيني مستمرة، واستمرَ الصهاينة بظلمهم ماضون يحتلون الأرض، ويعتدون على الأمة، ولا يقرون  بقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، ذات السيادة الكاملة، ويطلقون سراح كل الأسرى والمعتقلين، ويعيدون من شردوا من ديارهم،  فلن يكون هناك حلاً نهائياً مقبولاً من أبناء فلسطين لهذا الصراع مع المحتل .

 

إن الصامد الفلسطيني الذي فجر الانتفاضة المباركة في فلسطين، لا يقبل بأقل من المتمسك بكامل حقوقه الوطنية، التي أقرتها هذه الشرعية الدولية، وسيبقى صامداً مقاوماً لينتزع حريته وكل حقوقه، ويضمن حق عودة من هجر من وطنه وسلبت أرضه، ولن يقبل السير نحو نهائيات الوضع الغير عادل مهما طال أمد المعاناة .

لن يقبل الفلسطينيون بأن تكون أهداف هذا الشعب المكافح المعطاء بصورة مشوهة ومقزمة،  ويرفع للاحتلال سقف الذل والتفريط، من أجل تحقيق أهداف من قد تدفعهم مصالحهم وذاتيتهم  ومراكزهم النرجسية، إلى القبول بتنازلات غير مبررة ولا مقبولة، وهذه هي المحرمات الوطنية التي تخلق فتنة، سعى إليها السفاح شارون بكل أحقاده وجرائمه المستمرة، فالصبر والتضحية والتصميم والشجاعة منتصرة على الظلم إن شاء الله .

إن في ظل كل هذه الظروف الصعبة التي تجري حولنا، عاد الشعب الفلسطيني وأكد على الصمود في وجه الاحتلال، وأن لا تنازل عن جوهر الثوابت الوطنية الفلسطينية، في العودة والإستقلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف .

نحن نركز على تحمل مسؤولية القرارات التاريخية التي تصدر من الفصائل الوطنية والإسلامية والمجلس التشريعي والشخصيات الفلسطينية في ظل هذه الظروف القاهرة، حيث يتعرض شعبنا بكل فئاته وانتفاضته المباركة للاغتيال ومحاولات التصفية، ونعني أهم هذه القرارات هو عدم الوقوع في الانجرار والانزلاق في اتجاه صراعات داخلية تدمينا وتطيل زمن معاناة شعبنا التي لم يشهد التاريخ ليومنا هذا معاناة لشعب مثلها، وعلى وحدتنا الوطنية أن تتجلى في أحسن صورها خاصة في مثل هذه الظروف القاهرة، وتتوحد وتتضافر كل الجهود للمحافظة على هذه المبادئ وترسيخها وتماسكها، وذلك من أجل العمل على مواجهة المجازر والجرائم المتواصلة التي يمارسها الاحتلال الاسرائيلي كل لحظه بحق أبناء هذا الشعب المرابط الجبار، وهنا تقع مسؤولية كبرى على قائد الشعب ورمزه أبو عمار ومن معه من رجال مخلصين، بأن تترجم هذه المبادئ والمنطلقات التي كبر هذا الشعب معها على الأرض، فيساءل ويحاسب الذين وجبت محاسبتهم ومساءلتهم ، لأن فلسطين أرض الرباط ، لا بدّ وان يكون دائما وأبدا  زمنها هو زمن العطاء والتصدي وزمن البواسل والبطولات والمناضلين، وليس زمن التراجع والمتراجعين، وليس زمن الذاتيين الذئاب والثعالب والمتساقطين.

 

والشعب الفلسطيني، ثقة بلأخ الرئيس أبو عمار ومن معه من اخوة موجهين ومتابعين ومشرفين، رجال مخلصين صدوقين صادقين ما عاهدوا الله عليه، من كل الفصائل الفلسطينية، بأن يبقوا  قاده أمينين، متمسكين بالبرنامج الكفاحي دون تفريط .

 

وكما قال الشاعر بلال عبد الله من فرقه شموع الحرية  في قصيدة ألقاها في مهرجان جماهيري حاشد في مدينة برلين بداية عام 2003 بمناسبة إحياء ذكرى الانطلاقة، وحضرته الأخت أم القسام زوجة الأخ المناضل مروان البرغوثي  .... ومن مقره في رام الله  تحدى جيش المحتلين ... أين الضمير ؟

 

لا يمكن أن يقبل الشعب الفلسطيني أبداً بتجاوز الثوابت الوطنية التي يؤكد عليها دائما الأخ الرئيس أبو عمار، وكذلك باختراق للمواقف الشعبية والرسمية التي تتعلق بالقضية المفصلية للشعب الفلسطيني قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في التعويض والعودة إلى ديارهم التي هجروا منها قسراً .

 

إن الفلسطينيين يؤمنون بأنهم يملكون السلاح الأقوى، سلاح الإيمان والإرادة الصلبة، سلاح الصمود والتحدي والتصدي لهذا الاحتلال، فلن تكسر إرادتهم ولن تثنى عزائمهم أبداً، فأبناء فلسطين بإذن الله نور لمن اهتدى ناراً على من اعتدى، فقد اعتقد الاحتلال أن الفلسطينيون شوكة إن داسوا عليها تنكسر، ولكن أبناء فلسطين أثبتوا للمحتل أنهم قنبلة في وجهه، إن داسوا عليها تنفجر .