من وحي انتفاضة الأقصى المبارك ، التي
تدخل عامها الخامس
بقلم :
الدكتور محمد بسام يوسف
(7)
توازن
استراتيجيّ حقيقيّ !..
رَحِمَ
الله أبطال هذه الأمة ، من مثل الشيخ (عزّ الدّين القسّام) والشيخ (عبد القادر
الحسيني) .. رحمهم الله مرّتين : مرةً لأنهم ماتوا ، وثانية لأنهم لم يعيشوا إلى
يومنا هذا !.. ليشهدوا أنوار هذا الخِزي المتراكم !.. وجنّات فقدان المروءة
والنخوة !.. وسمسرة الدم المسفوك على الطاولات المستديرة ، وفي بورصة الكرامات
المهدورة ، على أعتاب أجبن خلْق الله ، من نسل بني (قُرَيْظَة) وحَرْباوات
(خَيْبَر) !.. فثلاثون سنةً أو يزيد ، من الدأب والحماسة الهائلة ، والعمل الذي
يصل الليل بالليل ، والنهار بالنهار !.. والقوم لم يصلوا إلى حالة (التوازن
الاستراتيجيّ) !.. الذي سيوصلهم إلى الساعة الحاسمة ، والنصر المؤزّر !.. وبعضهم
مات وابتلعته الأرض غير المتوازنة ، ولم يصل بعدُ إلى تلك الأسطورة المسمّاة :
(التوازن الاستراتيجيّ) !.. ومادام التوازن عندهم طائرات ودبّابات ومدافع وصواريخ
عابرة ، وأسلحة نووية وجرثومية وكيماوية .. فلن يصلوا إليه ، بغضّ النظر عن
وطنيّتهم .. أو قوميّتهم .. أو صِدقهم .. أو جدّيتهم !..
لو كان
(جَريرٌ) بيننا ، لما تردّد في نظم قصيدته (التوازنية) ، التي مطلعها :
زَعَمَ
التوازنُ أنْ سيهزم (شاروناً)
أبشِـر بِطُولِ احتلالٍ يـا (شُوَيْرِنُ)
أما تحرير
(الجنوب اللبناني) ، قبل الوصول إلى تلك الخرافة التوازنية !.. على أيدي بضع مئاتٍ
من مشاريع الشهادة ، الذين لا يملكون إلا الإيمان بالله ، والنخوة العربية
الإسلامية ، والكبرياء ، وبعض البنادق وصواريخ (الكاتيوشا) ، فهذا هو السخف ،
والسذاجة ، والتهوّر اللا محسوب !.. أليس هؤلاء السذّج هم الذين ارتكبوا (خطيئة)
التحرير ، قبل أن تقوم (الساعة) ، وينفخَ إسرافيلُ -عليه السلام- نفخته الأولى
؟!..
أيا (طلال
أبو رحمة) : لله درّك .. فقد مزّقتَ بفِعلتك ، كلّ فواتير الخرافة التوازنية ..
التي دفعناها وندفعها ، من جيوبنا وعرقنا
ودمائنا ، منذ ثلث قرنٍ أو أكثر !.. فكشفتَ زيف النظريات الأسطورية ، التي وُضِعَت
لتكون ملهاةً لنا ، وتبقى بموجبها أرضنا وكرامتنا ، تحت نير الاحتلال والاستعباد
!.. فقومنا لا يحرّكون ساكناً إلا ببلوغ تلك الخرافة: (التوازن الاستراتيجيّ) !..
والخرافة لن تتحقّق !.. والنتيجة بقاء الأرض والكرامة ، في حالة ذلٍّ وأسْرٍ
مستديم !.. فبوركتَ يا (طلال) ، الذي كشفَ اللعبة والاحتيال ، فكانت (الكاميرا)
التي تحملها ، هي كلّ ما نحتاجه من أسلحة (التوازن الاستراتيجيّ) !.. وكان المشهد
الصاعق ، وحُسْنُ الأداء والإخراج ، وبعض الإيمان والشجاعة والمروءة والنخوة
والحسّ الإنساني .. هي كلّ حاجتنا ، لكشف زيف (التمثيلية) اليهودية ، بأنهم من
أبناء آدم الطبيعيين ، أو من البشر الحقيقيين !.. ولكشف زيف الخرافات والأساطير
والنظريات الوهمية ، الخاصة بخدعة (التوازن الاستراتيجيّ) !..
ها هي ذي
براكين الغضب تمتدّ إلى كلّ بقعةٍ ، تنتصب عليها مئذنة وقُبّة ومحراب !.. وفجأةً
نكتشف أننا وصلنا في لحظاتٍ ، وبحسن تدبيرٍ ، إلى حالةٍ تَفوَّقنا فيها ، على قوّة
العدوّ المجرم وأنصاره وحلفائه، وتخطّينا حالة (التوازن) بقفزاتٍ وخطوات ، وأصبح
العدوّ هو الذي يلهث وراءنا ليتوازن معنا !.. فهل كان العرب والمسلمون لا يعلمون ،
أنّ عدّة (التوازن الاستراتيجيّ) هي : طفل شهيد أغرّ ، من مثل (محمد رامي الدرّة) ، وأبٌ
مكلومٌ ، لم يستطع أن يحميَ ابنه الطفل الشهيد ، ورجلٌ شهمٌ شجاعٌ من مثل الصحفي
(طلال أبو رحمة) ، أعزل إلا من ( الكاميرا ) التي يحملها على كتفه ؟!..
لماذا هبّ
القوم ، لعقد مؤتمراتهم ، وقِمَمهم ؟!.. ألأنهم شعروا باهتزاز عروشهم وكراسيّهم ،
وبزيف حلقاتهم المفرغة ، التي وضعونا فيها ، منذ أكثر من نصف قرن ؟!.. فهم مُذ
خُلِقوا ، خُلِقَت الفرقة والدسائس ومؤامرات تقطيع الأوصال !.. فلماذا يجتمعون
الآن ؟!.. ألِدَعمنا ؟!.. أم لقهرنا ؟!.. وقهر انتفاضتنا ، بل انتفاضاتنا ؟!.. وهل
يجتمع هؤلاء إلا علينا ؟!.. وهل يتوحّدون إلا لقمعنا ؟!.. أم تراهم يجتمعون ،
لتفعيل نظريات (التوازن الاستراتيجيّ) من جديد ؟!.. وهي في حالتنا الجديدة ، أن
يصل العدوّ الصهيونيّ والأميركيّ ، إلى حالة (التوازن الاستراتيجيّ) معنا !..
(8)
إمبراطورية
فلسطينية مستقلّة !..
يندهش
السّاسة من مشرق الأرض إلى مغربها ، لهذه الانتفاضة المباركة ، كيف تفجّرت بهذا
المخزون الهائل من الصمود ، وتحدّي غطرسة المحتلّين وعنجهيّتهم ، وهم مدجّجون بكلّ
الأسلحة الفتّاكة !.. ويندهش أصحاب الحسابات الماديّة الرقمية ، والعقول المبرمَجة
وفق أحدث تقنيات النظام العالميّ الأميركيّ .. يندهشون كيف استيقظت أمّة ، من
المحيط إلى المحيط ، بألفٍ ونصف الألف من الملايين الهادرة .. دفعةً واحدة !.. حتى بات هدير الاحتجاجات الغاضبة في
إندونيسية ، يُسمَع في موريتانية !.. ورائحة الأعلام اليهودية والأميركية المحروقة
في الباكستان ، يشمّها مسلمو السودان !.. وصوت طَرْقات الحجارة في فلسطين ، يُسمَع
في كلّ العواصم العربية والإسلامية ، من (طنجة) إلى (جاكرتا) !.. وهتاف : الله
أكبر ، يتردّد في جنبات الكرة الأرضية وزواياها !.. فالله الله يا قدس الأقداس ،
ويا أقصى المسلمين .. كلّ المسلمين ، يا لسحر فِعلك الصاعق ، الذي عجزت عنه كلّ
النظريات والتنظيرات !.. فهاهو ذا (شارون) الأحمق ، يقصّ الشريط الحريريّ ، لمرحلة
عودة الأمة إلى وعيها ، وغضبتها ، وألَقِها !.. وهاهي ذي (حطّين) الثانية قادمة
بإذن الله ، وسيُبعَث (صلاح الدّين) من جديد !.. كما بُعِثَت أمة الإسلام ، بفعل
دماء الأطفال ، وحجارة فلسطين .. كلّ فلسطين !.. وقبل كلّ ذلك بفضل الواحد القهّار
!..
لقد زعم
عرّابو (أوسلو) ، أنهم استطاعوا بناء إمبراطوريتهم الفلسطينية ، بفضل سلسلة
الاتفاقيات (العبقريّة) ، التي عوّضت عجز كلّ الجيوش العربية ، في حروبها مع
العدوّ الصهيوني اليهوديّ !.. وقُمِع الشعب الفلسطيني المسلم تحت شعار : (لا ..
للتشويش) على منجزات (أوسلو) ، وأهل (أوسلو) .. إلى أن ذهبت (السَّكْرة) وجاءت
(الفِكرة) !.. فاستيقظ الشعب الأعزل من الوهم والحلم ، ليجد نفسه ضمن جُزُرٍ
مقطّعة الأوصال ، محاصَرةٍ بقُطعان التلمود ، وبجبروت الراعي الرسمي (النـزيه) ،
لعملية السلام المزعوم !.. إلى درجة الترحّم على مراحل ما قبل (أوسلو) ، وما قبل
تلك السلطة المزعومة ، وإمبراطوريتها الهوائية !.. وإذا رائحة الاحتلال تَزكُم
الأنوف !.. ويُهدر عرّابو (أوسلو) من الكرامة الفلسطينية ، ما لم تستطع قوّة
الاحتلال هدره، قبل بناء تلك الإمبراطورية الوهمية !.. تلك (الإمبراطورية
الفلسطينية المستقلّة) ، التي لم يستغرق مَحْوها وإزالتها ، أكثر من ساعتين من
الزمن ، وأربع طائرات (أباتشي) أميركية الصنع !.. على أيدي أجبن خَلْق الله من
اليهود الصهاينة !..
يحصل ذلك
كله ، ورجال المقاومة والجهاد والاستشهاد مكبّلون بالأصفاد !.. أصفادٍ فلسطينيةٍ
سلطويةٍ .. مستقلّة !.. وتحت ضغط انتفاضة الأقصى المباركة ، تضطرّ السلطة للإفراج
عن الأبطال ، فيحتجّ أبناء القرود ، ويحتجّ الراعي (النـزيه) لمسرحية السلام ،
فتسارع جحافل إمبراطورية السلطة ، المهزومة بأربع طائرات (أباتشي) أميركية ..
تسارع إلى اعتقال مَن أفرجت عنهم !.. ثم يُسجَن زعيم السلطة بين جدران مكتبه ..
المستقلّ !.. لحثّه على (البصم) بالعشرة ، على طلبات مجرم الحرب (شارون) ، ومجرم
العصر (بوش)!..
يتبع إن شاء الله
* *
*