المعادلات التاريخية
بقلم :حياة
الحويك عطية
الكتاب الجديد الذي
نشره الباحث الفرنسي المعروف جيل كيبيل متناولا قضايا المنطقة، يطرح اكثر من تحليل
واكثر من قراءة للوضع العربي والاسلامي الراهن. لكنه طرح مشبع بدسم السم الذي يبرع
هذا الرجل الذي يعود الى اصول مصرية، بدسه ضد العرب.
ولعل من الصفحات
الملفتة للنظر فيه تلك التي يلجا فيها كيبيل الى اقامة معادلات ايحائية، تحقق
عملية الاحالة السيكولوجية لدى متلقي وسائل الاعلام العربية. فهو يقول مثلا ان
تقديم صورة بن لادن والظواهري في شكل المهاجرين الى افغانستان لأجل الاسلام تحيل
في اللاوعي العربي الى هجرة الرسول الى المدينة المنورة. كما ان الحديث عن سقوط
بغداد يحيل الى سقوط بغداد في يد هولاكو، ويعطي بذلك صورة معينة للاميركيين.
ذلك في حين ان الكاتب
لا يتورع بدوره عن استعمال تعبير (denazification) لعملية احتلال العراق
وتغيير نظامه. والتعبير المذكور هو الفعل الذي اشتقه الحلفاء لتغيير المانيا بعد
الحرب العالمية الثانية ويعني نزع النازية منها. ما يشكل معادلا للتعبير الذي
ابتكرته عبقرية الجلبي «استئصال البعث»، غير ان مصطلح الباحث الفرنسي يُؤمِّن ما
لايؤمنه مصطلح الجلبي بالنسبة للسيكولوجية الاوروبية، فكلمة نزع البعث لا تحيل الى
شيء في الذاكرة الجمعية الاوروبية، اما كلمة نزع النازية، فتحرك كل كوامن هذه
الذاكرة المشحونة بمرارة الحرب العالمية الثانية، وبالتالي يتجاوز الامر مجرد
القبول بنزع الصفة الى اعتبار حصول ذلك ضرورة انسانية ودحرا للجريمة والشر بالمعنى
الحقيقي.
من جهة اخرى يحيل هذا
التعبير المتعلق بالنازية مباشرة الى قضية اليهود واسطورة المحرقة مما لا يلبث ان
يعززه كلام كيبيل عن الهدف الذي كان الاميركيون يريدون تحقيقه من حربهم على العراق
وهو اضافة الى تغيير النظام، وتحجيم دور العربية السعودية، ضمان امن«اسرائيل».
بذا يقدم هذا الهدف
الاخير للمتلقي الغربي لا كهدف اجرامي وحلقة في سلسلة العدوان الاسرائيلي على
العالم العربي وانما كضرورة مبررة لحماية دولة مهددة.
الغريب ان الباحث
يحاول ان يتستر رغم كل ذلك على مواقفه المنحازة لكنه عندما تسأله صحافية عن موقف
المنظمات والجهات الاسلامية من قضية الرهائن الفرنسيين في العراق يجيب بفظاظة ان
على فرنسا الا تؤخذ بهذه المواقف، وانها غير ملزمة بردها. وعندما يتكرر السؤال حول
الموقف الذي اتخذه مسلمو فرنسا يجيب فورا: انه نفس الموقف الذي اتخذه يهود فرنسا
عندما دعاهم شارون الى الهجرة، ويروح كيبيل يستفيض في شرح ولاء يهود فرنسا دون ان
يعرض بكلمة للمسلمين موضوع السؤال.
وفي النهاية يتحدث عن
اصدقائه الفلسطينيين الذين استضافوه في عمان.
كم نحن مضيافون!!.