مجزرة الفلوجة الثانية

 

 

 

بقلم : عبد الباري عطوان

 

احسن وفد مدينة الفلوجة صنعا عندما اعلن تعليق المفاوضات مع حكومة الدكتور اياد علاوي الهزيلة احتجاجا علي التهديدات المستهجنة التي اطلقها قبل يومين وهدد فيها باجتياح المدينة.

فالتفاوض مع الدكتور علاوي كان خطوة خاطئة تماما، لان الرجل ليس صاحب قرار، وانما هو عبد مأمور، يأتمر بأمر قيادة قوات الاحتلال، ولذلك فان اي اتفاق معه سيكون دون اي قيمة حقيقية.

وهناك مثلان يؤكدان هذه الحقيقة، الاول حصل في مدينة سامراء، فبعد ان اتفق وجهاؤها مع الدكتور علاوي علي تسوية سلمية تسمح بعودة قوات الشرطة، وفرض الامن والنظام، فوجئوا بالطائرات الامريكية تغدر بهم وتقصف مدينتهم دون رحمة، وتقتل العشرات من ابنائها، بما في ذلك الاطفال.

اما المثل الثاني، فحدث في مدينة الفلوجة نفسها، فبعد ان كادت المفاوضات تتوج باتفاق يحقن دماء الابرياء، خرج الدكتور علاوي بشروط تعجيزية اثناء خطابه امام ما يسمي بالمجلس الوطني، من بينها تسليم ابو مصعب الزرقاوي.

الامر المؤكد ان السيد الامريكي اعطي اوامره للدكتور علاوي للتقدم بمثل هذا الشرط، لنسف المفاوضات، ومنع التوصل الي اتفاق، لافساح المجال امام القوات الامريكية لارتكاب مجزرة جديدة في المدينة الباسلة، التي استعصت علي الاحتلال وقواته وازلامه.

اهالي الفلوجة العزل من السلاح، لا يستطيعون مواجهة الطائرات والدبابات الامريكية، واي هجوم علي المدينة سيكون عنوانا للدمار والقتل وحفر مقابر جماعية جديدة، تماما علي غرار ما حدث في الهجوم الاول قبل ستة اشهر، حيث ازدحمت المستشفيات بجثث الشهداء ضحايا القصف، وآلاف الجرحي، واضطــر الاهالي الي دفن حوالي سبعمئة جثة في ملعب كرة قدم.

الدكتور علاوي لم ينطق بكلمة واحدة تعاطفا مع هؤلاء الشهداء، وكذلك الغالبية الساحقة من اعضاء مجلس الحكم المنحل، و الرئيس العراقي غازي الياور، او من قبل زعيمي الحزبين الكرديين الرئيسيين مسعود البارزاني وجلال الطالباني اللذين ظلوا علي مدي السنوات العشر الماضية يسكبون الدموع علي ضحاياهم، ويذكروننا بالمجازر التي ارتكبت في حقهم، وهي مجازر بشعة تستحق الادانة بأقوي الكلمات.

مجزرة الفلوجة الثانية باتت مسألة وقت، واهالي المدينة باتوا يحضرون مقبرة جماعية جديدة لشهدائهم، ولا نتوقع ان يذرف من جاءوا علي ظهور الدبابات الامريكية او من تواطأوا مع الاحتلال دمعة واحدة علي الضحايا الجدد، فهؤلاء ليسوا عراقيين لانهم يقاومون الاحتلال، ويتطلعون الي الاستقلال والسيادة الحقيقية، ويدافعون عن شرف العراق العظيم وتاريخه الحافل بالبطولات، ودحر الغزاة.

القوات الامريكية التي يستقوي بها الدكتور علاوي ستدخل مدينة الفلوجة حتما، فقد دخلتها في السابق، مثلما دخلت بغداد والبصرة والرمادي وسامراء والناصرية، ولكن السؤال هو عما اذا كانت ستستقر فيها، وتقضي علي المقاومة؟

الرئيس الامريكي جورج بوش اعلن قبل عام ونصف العام، بكل الغطرسة والغرور المعروفين عنه، انتهاء العمليات الحربية في العراق، وسط تصفيق المحيطين به، وقبل اسبوع اعلن حليفه توني بلير ان التحالف بدأ حربه الثانية في العراق. تري متي يعلنون حربهم الثالثة والرابعة والخامسة؟

التحالف الحالي في العراق يتسول الامم المتحدة لانقاذ مشروعه المهزوم في العراق، ويلجأ الي حلفائه في مصر من اجل ترتيب مؤتمر دولي لبحث كيفية الخروج من هذا المأزق العراقي، ومؤتمر دولي ثان لبحث مسألة الارهاب . الرئيس بوش لا يريد الاعتراف بهزيمته، وحليفه بلير يواجه ضغوطا متزايدة، شعبية وبرلمانية، للاعتذار عن خطيئة الذهاب الي الحرب وقتل عشرين الف عراقي بناء علي اكاذيب.

اهل الفلوجة لن يسلموا ابو مصعب الزرقاوي لانهم لا يعرفون اين هو، ومن هو، فاذا كانت امريكا التي تملك اقوي الجيوش في العالم واحدث اجهزة التجسس، وقالت لنا انها تستطيع ان تتعرف علي لون الملابس الداخلية للرئيس العراقي صدام حسين، وماركتها، عجزت عن تحديد مكانه او اعتقاله، فكيف لاهل الفلوجة البسطاء ان ينجحوا في ما فشلت فيه القوة الاعظم في العالم؟

ما هو معروف وثابت، ان هناك مقاومة ذكية ومنظمة وشجاعة في العراق، والدليل الابرز في هذا الخصوص عملية الامس الجريئة داخل المنطقة الخضراء، التي من المفترض ان تكون الاكثر امنا في العالم، وليس في العراق فقط، بسبب الحراسات المشددة حولها، من قبل القوات الامريكية، بحيث اصبحت ملاذا للدكتور علاوي والسفارة الامريكية العملاقة، والقيادة العسكرية للاحتلال. فالمقاومة نجحت في اختراق اكثر من خمسة حواجز امنية، ووصلت الي قلب المنطقة وقتلت ثمانية اشخاص من بينهم ثلاثة امريكيين.

فاذا كانت المنطقة الخضراء غير آمنة، ومقر القيادة الامريكية ممكن الوصول اليه، فكيف يدعي الرئيس بوش ان العراق بات افضل حالا، وان الانتخابات في موعدها؟

لا نعرف رد فعل الدكتور علاوي واعضاء حكومته علي هذا الاختراق الامني الخطير، ولكن ما يمكن ان نتوقعه، انهم والرئيس الياور والسفير الامريكي نيغروبونتي، وكل الذين يحتمون بهم من العراقيين وغير العراقيين، يرتعدون خوفا ورعبا، وفي حال يرثي لها.

تري كيف سيكون حال الرئيس العراقي السجين صدام حسين اذا ما وصلته اخبار ما يجري علي بعد خطوات منه؟ الامر المؤكد ان حاله سيكون افضل كثيرا من حال الدكتور علاوي ورئيسه المباشر جورج بوش، وكل الذين تآمروا علي غزو العراق.