هل تستحق الانتخابات الامريكية والعراقية كل الدماء التي سالت في سامراء؟

 

 

 

بقلم :د. ظافر العاني

 

سنستعيد في أكتوبر كل المدن العراقية تحت سيطرتنا، وسنقتحم كل بؤر التوتر .

هذا التصريح، وتصريحات اخري مشابهة له، ترددت علي لسان العديد من المسؤولين العراقيين خلال الاسبوعين المنصرمين، وهي تأتي لتتماثل مع تصريحات لمسؤولين في الادارة الامريكية الذين يبدو انهم قد اصبحوا في وضع بالغ الحراجة مع اشتداد حمي المنافسة علي الانتخابات الرئاسية، وتصاعد نبرة الانتقادات علي إدارة الملف العراقي الذي يتصدر قائمة الاهتمامات.

هذه الانتقادات لم تعد تستثني حتي التساؤلات حول مشروعية الحرب وجدواها والخسائر المتصاعدة في صفوف القوات الامريكية، وتضاعف عدد العمليات العسكرية لفصائل المقاومة. ولذلك فان المسؤولين الامريكان يبدون مندفعين هذه الايام أكثر من أي وقت مضي لإحكام قبضتهم علي العراق. ولابأس لديهم من الإفراط في استخدام القوة العسكرية بهدف كسر شوكة المناهضين للإحتلال قبل ان يتوجه الناخبون الامريكان صوب صناديق الاقتراع، بهدف الإيحاء بان العراق اصبح اكثر استقرارا وان تضحيات الجنود لم تضع سدي.

هذه الرغبة لقيت صداها في نفوس المسؤولين العراقيين الذين يجدون انفسهم هم الاخرون في ورطة مماثلة، فالانتخابات التي اعدوا انفسهم لها بطريقة مثالية تضمن لهم الاستمرار بنفس التشكيلة، قد اصبحت مهددة بالضياع بسبب الانطباع الذي خلفته احداث العنف لدي الرأي العام الدولي والامم المتحدة ودول اخري عديدة تري كلها بان الاجواء الامنية والظروف السياسية والترتيبات الادارية لا تسمح بانتخابات آمنة ونزيهة في العراق كما كان مخططا لها في كانون الثاني (يناير) العام القادم. وجراء ذلك راجت افكار متناقضة ومتضاربة عراقية وامريكية حول امكانية اجراء الانتخابات في معظم وليس كل مدن العراق، وذلك باستثناء المناطق التي تسيطر عليها المقاومة.

هذه التصريحات أثارت من الاستياء أكثر مما كان يتوقع قائلوها، وتوالت الاقتراحات التي تنادي بمعالجة المشكلة سواء أكان من خلال مؤتمر دولي، أو اعطاء الامم المتحدة صلاحيات اوسع في العراق، أو بتأجيل الانتخابات حتي اشعار آخر، أو عبر استخدام القوة العسكرية لاخضاع المدن العراقية المتمردة علي الاحتلال والحكومة العراقية المؤقتة معا.

والواضح أن سياق الاحداث يشير الي ان الاختيار قد وقع علي اعطاء الاولوية للقوة العسكرية كأسلوب مثالي للخروج من هذا المأزق ريثما تتكامل الاستعدادات لمؤتمر دولي يعقد في القاهرة، خصوصا وأن استخدام الاسلوب العسكري الفظ يأتي متزامنا مع مطالبات دولية وعربية بان تكون المقاومة العراقية طرفا في المؤتمر الامر الذي يعني اعترافا عمليا بمدي تأثيرها في المشهد السياسي العراقي وهو ما لم يرق للحكومتين الامريكية والعراقية اللتين تعتقدان بان الموافقة علي هذا الشرط سيقوي شوكة المقاومة ويمنحها غطاء شرعيا وسياسيا خارجيا ما تزال تفتقر اليه، وهو ما يعد بالنسبة لهما خطا أحمر ينبغي مواجهته بكسر شوكتها، فكان اختيار مدينة سامراء لتكون الانموذج الذي سيطبق في باقي المدن العراقية الاخري.

ولكي تحقق هذه الوسيلة دورها ليس في اخضاع المدينة فقط وانما في ردع الاخريات، تم إستخدام القوة العسكرية علي نحو غير مألوف ومبالغ به في حدته وقسوته الي الحد الذي سقط جراء القصف الجوي في ليلة واحدة 105 قتلي ومئات الجرحي في هذه المدينة الصغيرة التي لم يستطع سكانها لايام عديدة التمكن من دفن قتلاهم بسبب الطوق العسكري الذي يجثم علي انفاس سكانها.

ولم يتردد المسؤولون الامريكان والعراقيون علي حد سواء من القول صراحة لا ضمنا بان تفكيرهم الان ينصرف الي وضع جدول بالمدن المتمردة الاخري لتكون الجولة القادمة فيها. والمدن المرشحة للعمليات العسكرية هي (الفلوجة، الرمادي، مدينة الصدر، بعقوبة، اللطيفية) بحيث ان اهالي هذه المدن بدأوا بمغادرتها حفاظا علي حياة عوائلهم من هجوم واسع متوقع .

بيد ان السؤال الذي يحتاج الي اجابة منطقية هو: هل ان الاسلوب العسكري بهذه الفظاظة سيعمل علي انهاء المقاومة للاحتلال الامريكي، وهل القتل هو الحل المثالي لتحقيق الأمن؟

ابتداء، ينبغي الاقرار بان المقاومة الوطنية المشروعة (كما نصت عليها المواثيق والقوانين الدولية) لن تنتهي بالقمع والقوة المجردة، وتجـارب الشعوب في ذلك اكثر من ان تحصي. فما دام الاحتلال موجودا فان مبررات المـقاومة ستظل كذلك هي الاخري، بل أن الوسائل العسكرية ستضيف الي المقاومة مبررات اضافية، وستمنح المقاومين الايديولوجيا الملهمة لكسب الانصار الي صفوفها، لان العنف غير المبرر سيقدم أمثلة حية مضافة لزيادة بغض الاحتلال وكراهيته.

ومن تابع صور القتلي والجرحي الذين تغص بهم مستشفي سامراء، أو الذين تم استخراجهم من تحت انقاض البيوت في سامراء يدرك كم ان العنف اعمي ولا يميز بين ضحاياه، فالصور التي تناقلتها الفضائيات كانت تؤكد بان الاطفال والنساء هم أكثر من يدفع الثمن وهؤلاء بالقطع ليس لهم علاقة بالزرقاوي أو الجيش السري الاسلامي أوأنصار السنة وغيرها من التنظيمات العسكرية الاخري.

ومن يعرف الخصائص السايكولوجية للعراقيين يستطيع ان يقـول باطمئنان علمي بان ذوي الضحايا وعشائرهم مسكونون الان بنزعة الثأر الشائعة لدي العراقيين، ولذلك لم يقبل معظمهم حفنة الدولارات التي قدمتها لهم قوات الاحتلال علي سبيل التعويض، ويعتقدون بان من العار ان لاينتقموا لذويهم بايديهم. الامر الذي سيجعل دائرة العنف تدور في حلقة مفرغة.

وبعد اقتحام سامراء فمن سيضمن للقوات الامريكية والحرس الوطني ان بقاءهما سيكون مدعاة للاستقرار. إذ هم الاخرون سيكونون عندئذ اهدافا ثابتة للمهاجمين يسهل اصطيادهم، وهذا من البديهيات في حرب العصابات وحروب المدن. ثم الي متي ستبقي هذه القوات موجودة في هذه المدن؟ فالمؤكد أنها في النهاية ستضطر الي الانسحاب لان هذا النوع من العمليات عادة ما يكون مؤقتا ولأهداف محددة، وعند ذاك من يستطيع أن يضمن بعد خروجها عدم اندلاع الحرائق ثانية. وعلي الاغلب فان القوات الامريكية عندما تجد ان خسائرها اصبحت كبيرة فانها ستغادر سامراء مثلما حدث في مرات سابقة وتعهد بها لقوات عراقية ستكون هدفا للمهاجمين الذين يصفونها بالعميلة ، الامر الذي يوفر الارضية لقتال عراقي ـ عراقي كما بشرنا بذلك تقرير المخابرات الامريكية الاخير الذي وضع سيناريوهات للوضع الامني في العراق وصفها بأنها محتملة .

والسؤال الحقيقي هو: هل تستحق الانتخابات الامريكية أو العراقية كل هذه الدماء التي تسيل في سامراء او تلك المقدر لها ان تسيل في مدن عراقية اخري الايام القادمة؟ واذا كان في ذلك مصلحة امريكية واضحة، فلا اظن ان من مصلحة الحكومة العراقية ان تبدأ عهدها بحمامات الدم، أو أن ترسخ الانطباع عنها بانها حكومة دمي .

وهنا فان العديد من اهالي هذه المدن وزعاماتها المحلية يتساءلون، إذا كانت قوات الاحتلال متمسكة بالحل العسكري المحض، لماذا إذن توهمنا الحكومة العراقية في كل مرة بامكانية حل المشكلات بالطرق السياسية، ولماذا كلما توصلنا او اقتربنا من التوصل الي حل منطقي، يتم اللجوء الي استخدام القوة العسكرية لفتح باب المواجهة من جديد. فالمعروف ان زعماء سامراء كانوا قد تفاوضوا مع المسؤولين الحكوميين وتوصلوا الي نقاط اتفاق مقبولة للطرفين، ولكن سرعان ما تم خرقها عبر الهجوم العسكري الاخير، والغالب ان المفاوضات التي يجريها بعض وجهاء الفلوجة مع الحكومة المؤقتة، وبرغم التطمينات، ستنتهي بهجوم عسكري مباغت، اذ يبدو ان العبرة اصبحت في استخدام القوة المجردة لأغراض القمع والردع لا لشيء آخر.

مدينة سامراء التي كانت عاصمة الخلافة العباسية، والتي أعد فيها الخليفة المعتصم بالله جيشا جرارا لغزو عمورية من اجل نجدة أمرأة عربية استصرخت نخوته ، هاهي اليوم تصرخ كلها علها تلامس.. نخوة المعتصم.