صاروخ القسام : إرادة جهاديّة تخترق جدار الانكسار
بقلم : عبد
الرحمن فرحانة
قامت استراتيجية
المقاومة الفلسطينية على قاعدة "ضعف القوة و قوة الضعف" ، و عملت على
وجه الخصوص و منذ بداية الانتفاضة الجارية على تكثيف "قوّتها البدائية تقنياً"
في سياق مفاعيل إرادة جهادية صلبة - برغم الحصار الطوقي - لاختراق جدار الانكسار
السميك بغية النفاذ لبؤر ضعف الكيان الصهيوني . مستهدفة بنفس استنزافي ضرب
استراتيجية الجيش الصهيوني في مفردتين أساسيتين هما :
1. تأمين حماية سكان الدولة .
2. إحباط محاولة جهود العدو لتشويش الحياة فيها .
ناهيك عن هدفٍ
استراتيجي أساسي تحقّقه المقاومة و هو إشغال المشروع الصهيوني بنفسه ، و تبديد
قسطٍ بالغ من جهده الاستراتيجي الذي يستهدف أصلاً التخطيط للتمدّد في الوسط
الجغرافي .
و في سياق هذه
الاستراتيجية التي تعمل في إطار معادلة اختلال ميزان القوى القائم ، جهدت المقاومة
على تطوير تكتيكاتها الجهادية حسب البيئة الراهنة ، فعملت على ضرب التجمّعات
الصهيونية ذات الكثافة السكانية العالية عبر الاستشهاديين ، و استهدفت مراكز
استراتيجية مثل ميناء أسدود ، و استخدمت الضفادع البشرية للتسلّل للمستوطنات
المتشاطئة مع البحر ، و فجّرت القوارب المفخّخة لضرب أهدافٍ بحريّة في عرض البحر ،
و كذلك السيارات المفخّخة ، و تكثيف الإغارات المتصاعدة و الكمائن المركّبة ، و
معارك المواجهة و ضرب الخطوط الخلفية للعدو ، و تفجير المواقع العسكرية الكبيرة
المحصنة عبر الأنفاق .
لكن أهم تكتيكين
جهاديين سبّبا قلقاً استراتيجياً للمجتمع الصهيوني و شكّلا تحدّياً حقيقياً
للمؤسسة العسكرية الصهيونية هما : ظاهرة الاستشهاديين و صواريخ القسام . و قد عجزت
الترسانة العسكرية بتفوّقها النوعي عن تحييد هذين النموذجين للمقاومة .
في الظاهرة الأولى
برغم الجهد العسكري الأمني ميدانياًً ، و السياسي بالضغط على دول الإقليم بالعصا
الأمريكية ، إلا أن المقاومة و بحسب البيان الإجمالي للناطق بلسان الجيش الصهيوني
الذي نشرته هآرتس في صفحة التقارير بتاريخ 1/10/2004م تمكّنت من تنفيذ 26 عملية
استشهادية في عام 2003م , و 60 عملية في عام 2002م و 35 عملية في عام 2001م ،
بالإضافة إلى 4 عمليات في نهاية عام 2000م ما بعد انطلاقة الانتفاضة الجارية في
أيلول ، بينما أحبطت 90 عملية في عام 2004م و على مدى شهر أيلول وحده أحبطت 9
عمليات ، أما ما تمّ تنفيذه خلال العام الجاري و حتى نهاية أيلول الماضي فيصل إلى
أكثر من 13 عملية استشهادية ، و يبدو أن العمليات الاستشهادية التي نفّذت على
الحواجز و في المستوطنات في قطاع غزة لم تدخل في هذا الإحصاء .
و إزاء هذه الإرادة
الجهادية الصلبة يعترف رئيس المخابرات الصهيوني "آفي ديختر" في مؤتمر
هرتسيليا الثالث أن "دولة (إسرائيل) لم توفّر لمواطنيها الحماية التي
يستحقونها" . و يؤكّد هذه الحقيقة نائب رئيس الأركان الصهيوني السابق اللواء "غابي
إشكنازي" حينما امتنع عن وصف المعركة مع الفلسطينيين "بالنصر العسكري"
، و قال : "الإنجاز في الحرب ضد (الإرهاب) هو نقله إلى مستوى محتمل ، لا نصر
حاسم في هذه الحرب" .
و في هذا السياق يقول
أكبر الخبراء الاستراتيجيين الجنرال "فان كريفيلد" في دورية "الأورشاليم"
في الأول من مارس عام 2002م في مقابلة أجراها معه الصحافي الصهيوني غيورا إيالون :
"إن لدينا قدرة هائلة ، لكننا لا نستطيع استخدام معظمها" ، و لهذا :
" إن صراعنا ضد الفلسطينيين هو صراع خاسر ، لقد كان خاسراً منذ اليوم الأول
من أيام الانتفاضة الأولى ، و سوف يؤدّي إلى القضاء علينا" . و هذا اعترافٌ
بليغ بتمكّن المقاومة من تحييد خاصية التفوّق النوعي للترسانة العسكرية الصهيونية
، و حرمان الجيش الصهيوني من تحويل فائض قوته لقدرة على الحسم ، و في معادلة القوى
القائمة على الأرض فهذا يترجم على أنه انتصار ضمني للمقاومة .
صاروخ القسام :
نظراً للحاجز الطوقي
الذي تعيشه المقاومة و خاصة في قطاع غزة ، و بسبب مناخ الممانعة المشبّع بتحدّي
الإرادات الذي أفرزته الانتفاضة الجارية ، فكّرت النواة التقنية الناشئة للمقاومة
بابتداع سلاحٍ عابر للحواجز الجغرافية و تجسّدت النتيجة بصاروخ القسام . و رغم أن
هذا الصاروخ يتراوح مداه فقط ما بين 8 - 12 كيلومتراً ، و يحمل عبوة متفجرة
وزنها ما بين 4 - 6 كيلوغراماً ، إلا أنه
شكّل تحدّياً جدّياً للمؤسسة العسكرية الصهيونية من جهتين ، الأولى : بسبب قدرة
الصاروخ على تهديد المناخ الأمني للمستوطنات المتاخمة لقطاع غزة ، مما أدّى إلى
هجرةٍ من هذه المستوطنات ، ناهيك عن الضغط الشديد الذي يشكّله هذا الفعل على
المستويات السياسية و الأمنية و العسكرية الصهيونية . و الثانية : تعود لعجز
المؤسسة العسكرية عن تحييد هذا الصاروخ و التصدّي له . و في هذا السياق تؤكّد
وزارة الحرب الصهيونية عدم قدرتها على اعتراضه و ذلك لأن "القسّام اختراعٌ
ليس له أساس تقني" و لأنها لا تملك وسيلة لاعتراضه إلا بصواريخ قيد التطوير
من طراز "ناوتلس" يمكنها تدمير الصواريخ باستخدام الليزر ، و لكن لن
يبدأ استخدام هذا السلاح قبل عام 2009م .
و في تصويرٍ بليغ
للمأزق الذي تعيشه المؤسسة العسكرية الصهيونية تصف الـ (بي بي سي) صاروخ القسّام
بأنه "نقلة استراتيجية تنخر في القوة العسكرية (الإسرائيلية) الفائقة" .
و يأتي حرج هذه المؤسسة بسبب :
1. عجزها عن القضاء على أماكن تصنيع الصاروخ و عدم
قدرتها على ملاحقة وسائل نقله ، إذ أن كلّ عمليات القصف التي استهدفت الورش
الصناعية في غزة لم تصب صاروخاً واحداً .
2. إخفاقها في اصطياده في الجوّ ، و فشلها في
إنتاج شبكة إنذارٍ مبكّر دقيقة لتحذير المستوطنين ، و ذلك بسبب بدائية الصاروخ
تكنولوجياً .
3. العجز النسبي في مجال ملاحقة عمليات الإطلاق ،
نظراً لأن الصاروخ يمكن إطلاقه من على قاعدة مبسّطة و خلال ربع ساعة من الزمن فقط
، و يطلقه المجاهدون عن بعد ، تجنّباً لانكشافهم أثناء عملية الإطلاق .
الصاروخ القسّامي
أصاب هيبة المؤسسة العسكرية بالعطب ، لأنه تحدٍ مقاوم في إطار تكنولوجيّ مبسّط لا
يمكن تفكيك شفرة قوته البدائية . فضلاً عما يضفيه البعد السيكلوجي في الحرب غير
المتكافئة ، إذ أن هذه الصواريخ القسّامية رغم بدائيّتها سقطت على بعد 20 متراً من
شارون شخصياً أثناء زيارته لمستعمرة "سديروت" ، و أجبرت طائرة موفاز
وزير الحرب على الهبوط الاضطراري خلال زيارته لنفس المستعمرة . و هي نقطة من
التهديد و المجابهة و الإهانة لم تقترب منها الجيوش العربية طوال عمر الصراع .
و في إطار مواجهة خطر
الصواريخ القسّامية اتبع الجيش الصهيوني وسيلتين مدمجتين ، الأولى الاجتياح
الجغرافي للمجال المتاخم للمستوطنات المهدّدة بعمق 9كم تقريباً كما في الحملة
الحالية من أجل إبعاد قاعدة الإطلاق الصاروخية عن الهدف ، و هي في جوهرها تأتي في
سياق نظرية الحزام الأمني ، و يتجنّب جنرالات الجيش الصهيوني وصفها بهذا المسمّى
حتى لا ترتبط بالحزام الأمني اللبناني الذي فشل في تحقيق الغرض منه . إضافة إلى
الوسيلة الأخرى و هي التسبّب "بثمن مدني" باهظ للمقاومة يدفعه المواطنون
الذين تطلق الصواريخ من مناطقهم . و كلتا الوسيلتين فشلتا في إسكات "القسّام"
، لأنه و برغم قسوة "حملة الندم" الانتقامية التي دفعها الجيش الصهيوني
باتجاه جباليا و المناطق الشمالية من قطاع غزة إلا أن القاعدة الصاروخية ما زالت
مستمرة بالإطلاق دون توقّف . و فيما يخصّ الوسيلة الأخرى فقد فشلت أيضاً و يتجسّد
هذا الفشل ميدانياً بالصمود الفلسطيني و الالتفاف حول المقاومة ، و تعبّر عن صورة
هذا المشهد الصامد ما تقوله (أم سعيد البسيوني) من منطقة جباليا - نقلاً عن موقع
عرب 48 على شبكة الإنترنت - إذ تقول : "ما يزعمه المحتلون بأننا نترك منازلنا
خوفاً منهم و من عمليّتهم العسكرية هو كذب ، لأنها ليست المرة الأولى التي نتعرّض
لهكذا عدوان ، فهذه ربما المرة السادسة أو أكثر التي تجتاح فيها "إسرائيل"
المنطقة الشمالية .. في الاجتياح الماضي قوات الجيش احتلت المنطقة لمدة شهرٍ و نصف
و قتلت و خرّبت و لم نترك منازلنا .. لماذا سنتركها هذه المرة أيضاً ؟! ، لن تحلم (إسرائيل)
بذلك" .
القلق الصهيوني لا
يتوقّف عند حدّ الخطر القائم بل يتعدّاه إلى مديات أخرى . و في هذا السياق يقول
الكاتب و الخبير الأمني الصهيوني "زئيف شيف" بمقالة له في هآرتس بعنوان "صواريخ
القسام – انعطافة استراتيجية" إن نجاح حماس "في زيادة مدى الصواريخ إلى
أكثر من 9 كيلومترات – فيكفينا في هذه الحالة "تنقيط" القسّام نحو مطار
بن غوريون حتى تتوقّف أغلبية شركات الطيران عن إرسال طائراتها إليه" .
و يضيف في نفس
المقالة أن حماس "إذا نجحت في إنشاء شبكة صاروخية في الضفة ، فستحوّل مشكلة
القسّام من مشكلة عسكريّة صرفة إلى مشكلة استراتيجية" . و بالفعل فقد تمكّنت
كتائب القسّام بحسب مصادر أمنية صهيونية من إنتاج 60 صاروخاً في مصنع في نابلس
بالضفة الغربية ، و قد ضبط منها عشرة صواريخ شُحنت إلى جنين داخل شاحنة خضار ، مما
أدّى إلى تفكيك هذه البنية - في حينها - قبل اجتياح الضفة الغربية فيما يسمّى
بعملية "الدرع الواقي" . و في ذات السياق الزمني نجحت محاولة من مدينة
طولكرم إذ رشق المقاومون مدينة نتانيا الساحلية بمجموعة من الصواريخ ، مما أدّى
إلى إصابة محطة الكهرباء الرئيسة و انقطاع التيار الكهربائي بالمدينة في تلك
الليلة .
و التطوّر اللافت هو
إعلان الشرطة الصهيونية مساء يوم الثلاثاء الماضي 5 أكتوبر عن سقوط صاروخ من طراز
قسّام في منطقة خالية بالقرب من مستعمرة "نتيف هعسراه" القريبة من مدينة
عسقلان الساحلية الاستراتيجية التي تضمّ بداخلها محطّة توليد الطاقة الرئيسة
التابعة لشركة الكهرباء الصهيونية ، و منشأة "كتسا" ، التي تخزّن فيها
مئات الأطنان من الوقود و الغاز . و من الممكن قراءة الخبر على أنه إشارة من كتائب
القسّام على قدرتها للوصول إلى عسقلان ، و لعلّ الحسابات السياسية هي التي تمنع
انطلاق الصاروخ راهناً ، و ربما هي محاولات تجريبية تأتي في سياق التطوير ، و كلتا
الحالتين مؤشّر خطرٌ بوتيرة أعلى .
صراع الإرادات بين
قوى الاحتلال و المقاومة ما زال قائماً و يزداد بوتائر عالية منذ انطلاقة انتفاضة
الأقصى ، و كلّ مؤشّرات الميدان تُبرز تقدّم المقاومة برغم الجبروت العسكري
الصهيوني و قسوته . و هي ليست كلمات حالمة تنطلق من شرفة الأمل ، إنما هي حقيقة
يمكن لأيّ مراقب متحرّر من مناخ الانكسار أن يلمسها و يستشعرها . لكن الانكسار
العربي هو الذي يترك هذا الإنجاز محلّقاً في فضاء الأفق السياسي و يعجز عن تحويله
لحصادٍ سياسي مثمِر .