المنشار الصهيوني والمنشور العربي

 

 

 

بقلم :خيري منصور

 

قبل أكثر من عشرة أعوام كتب صحافي فرنسي يقول: إن الدولة العبرية، تكسب من الانكفاء العرقي، مثلما تكسب من العولمة، وتكسب من الحرب الباردة قدر ما تكسب من غيابها، وباختصار هي منشار يصعد ويهبط في الجذع، خصوصاً إذا كان ناشفاً يتيح له أن يتغلغل فيه!

 

رحلة "الاستجمام" بالدم التي انتهت على شاطئ البحر في طابا، طوبتها تل أبيب على الفور لمصلحتها، فهي لا تعبأ بيهود يموتون، لأنها أساساً تصطنع أسباب موتهم لإدامة مشروعها، وتبرير عدوانها.

 

لم يحدث من قبل أن كانت دولة تشبه "البقة"، هذه الحشرة النهِمة التي كانت بطلة لمسرحية كتبها الروسي ماياكوفسكي، فالبقة لا دم لها ولا محتوى إلا ما تسطو عليه من دم الضحية، لهذا قد لا يؤلمها جرح أو حتى مقتل، لأن الدم ليس دمها والعصب أيضاً منزوع ومسروق من الضحية!

 

سارعت تل أبيب فور سماعها بالنبأ إلى إدراج الفاعل في ذلك السياق الإرهابي التي تشن الولايات المتحدة حملاتها العسكرية المتعاقبة عليه، فالدولة العبرية امتطت منذ ذلك الضحى النيويوركي الأسود، وأحالت مصيبة الحليف إلى فائدة، تبعاً لاستراتيجية البقة التي لا تتبدل وإن تبدلت أحياناً أساليب اللدغ والامتصاص!

 

إنه رهان صهيوني بامتياز، ذلك الذي دفع شارون إلى إضافة نفسه، وجرائمه إلى الحملات الأمريكية، فهو أولاً يتقوى بها، وثانياً يوهم نفسه بالحصول على شرعية لاقتراف ما يقترف.. وبلا روادع أو حدود!

 

المنشار الصهيوني، الآكل صاعداً وهابطاً وأفقياً أيضاً، تغذى من كل المتناقضات، وحول الأسباب الوجيهة لإدانته وتجريمه إلى أسباب للإشفاق عليه، والتحالف معه!

 

حلب بريطانيا الانتداب، وما إن أصاب الأسد البريطاني الهرم، وبدأت أسنانه تتساقط وكذلك فروته، حتى أمسك بالضرع الأمريكي الممتلئ، ووافر الحليب، والبارود والدولار.. لقد ابتزّ هذا المنشار المشحوذ أوروبا عقوداً طويلة، بذريعة الهولوكوست، وبسوط "اللاسامية"، الذي يلاحق البشر في كل مكان بحيث يتحولون إلى متهمين بلا استثناء إلى أن يبرهنوا على براءتهم، والبراءة هنا، هي قبول كل ما تمارسه الصهيونية، ومباركته، وتصويره على أنه مجرد دفاع عن النفس، فحتى الحروب والاحتلالات قُرئت ضمن هذا المنظور المقلوب الأشبه بالإسطرلاب البدائي، فهي دفاع استباقي عن النفس أيضاً!

 

نذكر أن المنظمة الصهيونية المضادة لاندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، ارتكبت مجازر بحق اليهود، كي تغذي الحقد العنصري وتقيم الجدار المبكر الذهني والنفسي بين البشر واليهود، وهذا هو بالضبط مفهوم الجيتو كما تقدمه الأدبيات الصهيونية العازلة! ولم يكن اليهودي "عامير" هو أول يهودي يقتل يهودياً، عندما اغتال اسحق رابين، فالصهيونية قتلت (أبراهام ليون) رغم يهوديته، وأصدرت الفتاوى بحرق يهود آخرين، لم يمتثلوا للمشروع الصهيوني، وكانت لهم رؤى مضادة له.

 

لهذا ليس غريباً أن تضيف تل أبيب هذا الدم في طابا إلى حسابها الخاص في بنك استثمار الموت، لأنها بحاجة بين وقت وآخر إلى مجازر من هذا الطراز، كي تحقق توازناً وهمياً بين ما تفعل بالفلسطينيين وما تزعم أنه يُفعل معها!

 

وقد يبدو القول إن الصهيونية وكيانها الاستيطاني تستفيد من كل النقائض، أقرب إلى "أسْطرة" هذا الكيان، ونزعه من التاريخ ليحلّ بين مجرات مجهولة.. لكن الحقيقة ليست كذلك لأن من يملك هذا النفوذ على صعيد كوني، ومن يلهب الميديا بالسياط، ويرضعها بالمال، ومن يغوي مثقفين وفنانين باحتكار الجوائز والأضواء، يستطيع بالفعل أن يتحول إلى منشار، خصوصاً إذا كانت الجذوع التي يتغلغل فيها يابسة، وشبه ميتة، وعاجزة عن المقاومة في حدها الأدنى!

 

وباستثناء هذا الجذع الفلسطيني الذي رضعت جذوره من تراب مفعم بالقداسة والدم، فإن الجذوع كلها تبدو هشّة، ولا تقوى على صد المنشار حتى لو كان بيد طفل!

 

إن كل ما تمارسه الصهيونية الآن، حتى لو اعتبره بعضهم خارقاً للمألوف الدولي، هو ليس "أسْطرة" للتاريخ بأية حال.

 

كل ما في الأمر، أن هناك من حشد كل إمكاناته لغاية محددة.. كما أن هناك بالمقابل من بدد إمكاناته، وتجزأ حتى تذرر، وتحول أخيراً إلى هذا  الجذع الهشّ، فيما تحول الآخر إلى منشار!