ملابسات ارتفاع أسعار النفط ونتائجها

 

 

 

 

بقلم :علي حسين باكير

 

بلغ سعر برميل النفط أرقاما قياسية تاريخيّة غير مسبوقة محطّما بذلك كافّة الحواجز والعوائق منطلقا كالصاروخ في ارتفاعه حيث وصل سعر البرميل اليوم الي 53 دولارا، وما يثير الاستغراب حتي الآن في الموضوع ليس ارتفاع الأسعار بقدر ما هو موقف الدول الغربية الصناعيّة من هذا الارتفاع، اذ غالبا ما كانت هذه الدول وفي مقدّمتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة تقوم بالضّغط علي منظّمة أوبك اذا ارتفع سعر البرميل عدّة دولارات لتدفعها الي ضخ المزيد من كمّيا ت البترول في الأسواق لتخفيض الأسعار، وقد يتساءل الكثيرون لماذا ليس هناك من هجوم ضار وضغوط كبيرة علي منظّمة أوبك اليوم من قبل الدول الصناعية ازاء هذا الارتفاع الهائل للأسعار؟ من خلال المعطيات نستطيع ان نقول انّ هذا الارتفاع الهائل في أسعار النفط خارج في حقيقة الأمر عن سيطرة المنظّمة أو الدول المنتجة للنفط ، ففي السابق كان يتم التّحكّم بأسعار النفط عبر زيادة أو تخفيض كمّيات انتاجه لتتناسب مع متطلّبات السوق، وعليه كان دائما من مصلحة أمريكا الضغط علي المنظّمة لتبقي معدّلات انتاجها مرتفعة كي تكون الأسعار رخيصة، أمّا اليوم فالأسعار لم تعد ترتبط بارادة المنظّمة وهذا ما يفسّر عدم وجود هجوم من قبل الدول الصناعيّة علي المنظّمة، وعلي الرغم من ذلك فمنظّمة أوبك قامت برفع سقف انتاجها الي طاقته القصوي في محاولة منها لتخفيض الأسعار ولكن دون جدوي، حتّي انّ المملكة العربية السعودية والتي تبلغ طاقتها الانتاجيّة القصوي نظريا حوالي 11 مليون برميل يوميّا لم تستطع عبر زيادة انتاجها مليونين برميل يوميّا من تخفيض الأسعار، ونعتقد أصلا انّ الاعلان عن الزيادة هو مجرّد تصريحات نفسيّة لايهام السوق بانّه لا خوف من حصول قصور في العرض وبالتالي يجب خفض الأسعار، الاّ انّ مثل هذه المناورات أصبحت مكشوفة وبالتالي فانّ الأسعار وعلي الرغم من اغراق السوق بالنفط استمرّت في الارتفاع وذلك يعود الي أسباب عديدة منها:

أولا: احتلال العراق، الأمر الذي ادّي الي حرمان السوق النفطيّة من منتج أساسي للنفط ممّا انعكس سلبا علي الأسعار أضافة الي الهجمات التي تتم علي انابيب النفط ممّا يحول دون نقلها وتصديرها.

ثانيا: شعور السوق الدوليّة بأنّ ممرّات النفط ومنابعه لم تعد آمنة نتيجة للحرب علي الارهاب سواء في الخليج العربي أو شمالي أفريقيا ولا سيما نيجيريا التي تعتبر أكبر مصدّر للنفط الخام في أفريقيا أو فنزويلا في أمريكا اللاتينيّة، اذ أنّ هذه المناطق أصبحت مناطق توتّر وبالتالي هناك خوف علي امدادات النفط ووصولها الي الأسواق.

ثالثا: انخفاض المخزون الاستراتيجي للنفط في الولايات المتّحدة، اذ صرّحت وزارة الطاقة الأمريكيّة انّ احتياطي النفط أصبح فوق الحد الأدني المطلوب بقليل، وزاد من هذه المخاوف الكوارث التي ضربت الولايات المتّحدة الامريكيّة ومنها اعصار ايفان الذي ضرب ساحل الخليج الأمريكي في شهر أيلول وأدّي الي خفض انتاج النفط الخام الامريكي واحتياطيّات البنزين الي أقل مستوي له منذ عام 1950.

رابعا: ارتفاع كمّيات الاستهلاك العالمي وبالتالي ازدياد الطلب علي النفط ومشتقّاته خاصة في مناطق شرقي آسيا ولاسيما الصين، أضف الي ذلك اقتراب حلول فصل الشتاء وهو ما من شأنه أن يزيد من الاستهلاك والطلب علي المشتقّات النفطيّة في حين انّ الانتاج النفطي وصل الي حدّه الأقصي منذ مدّة وليس هناك من مجال لزيادته الاّ من خلال التصريحات النفسيّة.

خامسا: أعمال المقاومة العراقيّة والتي أدرجت الأهداف النفطيّة ضمن لائحة الأهداف التي سيتم استهدافها في حال عدم انسحاب قوّات الاحتلال وذلك لحرمان المحتل من مستخرجات النفط العراقيّة التي قد يستخدمها لنفسه بسبب سعرها المنخفض مقارنة بسعر الدول الأخري أو لاستهلاكها في أغراض خاصّة به.

سادسا: انخفاض المخزون النفطي العالمي وفي مناطق عدّة من العالم امّا نتيجة لاستنزافه او لكونه دون التوقّعات المفترضة كما هو الأمر بالنسبة للمخزون النفطي في قزوين.

ولا شكّ انّ لارتفاع أسعار النفط العديد من النتائج علي صعيد الدول المنتجة والمصدّرة أو علي صعيد الدول الصناعيّة المستهلكة له.

ففيما يخص الدول المنتجة والمصدّرة للنفط، فقد أدّي ارتفاع الأسعار الي تضاعف عائداتها النفطيّة وتحقيق فائض في ميزانيّاتها، اذ تشير مصادر مطّلعة الي انّ ايرادات دول الخليج علي سبيل المثال قد تضاعفت عمّا كانت عليه قبل سنتين لتصل الي 300 مليار دولار، فالكويت علي سبيل المثال وبحسب تقارير عديدة قد تحقّق فائضا في موازنتها يبلغ الـ9 مليار دولار بينما بلغ الفائض عام 2003/2004 حوالي 4،8 مليار دولار وهو ما سيساعد الدول المنتجة علي تسديد قسم من ديونها الخارجيّة واستثمار القسم الآخر في مشاريع داخليّة وخارجيّة لتأمين مدخول عال واعادة استخدامه من جديد.

أمّا فيما يتعلّق بالدول الصناعيّة والمستهلكة للنفط، فانّ ارتفاع أسعار النفط بهذا المستوي يعتبر كارثيّا لها لأنّ النفط يعتبر سلعة أساسيّة ورئيسيّة واستراتيجيّة في كون هذه الدول دولا صناعيّة، ومن اهم أسس الربح في الصناعة أن تكون المواد الأوّلية المستخدمة ومنها الطاقة رخيصة وان يكون سعر البيع للمنتج عاليا لتحقيق أرباح كبيرة وهو الأسلوب الذي تتّبعه الدول الصناعيّة وهو ما يؤمّن لها أرباحا طائلة، وارتفاع أسعار المواد الأوّلية التي تريد استخدانها كالنفط يعني انّ ربحها سيقلّ بالضرورة وسينعكس ذلك علي الصناعة والتصدير وسيؤدّي الي تضخّم كبير في اقتصاديّاتها وستقع ميزانيّات هذه الدول في عجز هائل، لكن هناك من يقول أنّ الدول الصناعيّة لن تتأثّر بارتفاع الأسعار النفطيّة وذلك لأنّها سترفع من أسعار سلعها المنتجة والتي تصدّرها الي الخارج وبذلك تكون قد استردّت ما دفعته فيما يخص النفط، لكن هذا التحليل قد يصحّ علي فترة زمنيّة قصيرة او علي سعر متوسطي لبرميل النفط يبلغ الـ 30 دولارا، ولكن عندما تطول الفترة الزمنيّة التي يواصل فيها سعر البرميل ارتفاعه فانّ الدول الصناعيّة لن تصمد أمام هذا الارتفاع خاصّة اذا طالت الفترة أو اذا بلغ سعر البرميل أسعارا قياسيّة أخري، لذلك نقول ماذا اذا بلغ سعر البرميل علي سبيل المثال الـ 70 دولار وما هو موقف الدول الصناعيّة آنذاك؟ تساؤلات نترك للفترة القادمة امكانيّة الاجابة عليها.