في أيّ سوق نصرف وعيد إياد علاوي ودموع برهم صالح؟
بقلم :صبحي
حديدي
في بغداد تنتفخ أوداج
رئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي، فيتوعّد مدينة الفلوجة ويهدّد هكذا: إمّا
تسليم أبو مصعب الزرقاوي، وإمّا...!
في طوكيو، علي النقيض
الدراميّ والبعيد الجغرافي، يعتلي نائبه برهم صالح منبر مؤتمر المانحين لكي يستدرّ
الدموع: دَرْهِموا العراق، وإلا...!
ومع ذلك فإنّ هذَين
الأقصيَين ليسا الأبلغ في اختصار مأساة العراق تحت الاحتلال، ولا نقول العراقيين
لأنّ ما يعانيه الآدميّ يومياً ليس بحاجة إلي بلاغة قصوي. خذوا، علي سبيل استبدال
وعيد العلاوي ودموع صالح، حذلقة المحامي جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق
وممثّل البيت الأبيض لشؤون جدولة الديون العراقية، وهو يرقص علي حبلَين: أداء
المهمة النبيلة ، حسب وصف بوش، في إيجاد حلول لجدولة أو محو ديون في ذمّة العراق
تقارب 200 مليار دولار من جهة؛ وممارسة مهمّة أخري (يصعب وصفها بـ النبيلة !) نقيضة
تماماً، هي تحصيل ديون الحكومة الكويتية وتأمين مصالح مجموعة كارلايل (حصّة بيكر
في أسهمها تبلغ 180 مليون دولار) من جهة ثانية! ناومي كلاين، في تحقيقها الممتاز
الذي نشرته مجلة The Nation
الأمريكية وأعادت القدس العربي تلخيصه يوم أمس، أماطت اللثام عن تفاصيل مثيرة
ودامغة حول هذا التضارب في المصالح، الصارخ الفاقع ولكن ليس التضارب العجيب أو
الغريب في سياقات العراق الراهن.
فضيلة هذا البديل عن
الويل والثبور عند العلاوي والشفقة والإحسان عند صالح، أنّ مهمّة بيكر ذات الشقّين
المتباعدَين المتلاقيين تعيد تعليمنا وتنشيط ذاكرتنا حول أخلاقية أمريكية فريدة في
جانب أوّل، كما تعيدنا في جانب آخر إلي شخصية لم تكن البتة غريبة عن العراق، إذْ
العكس هو الصحيح: هذا رجل يقف في المرتبة الثانية، بعد جورج بوش الأب، بين كبار رجالات
أمريكا الذين هندسوا ونفّذوا مختلف عمليات حرب الخليج الثانية، من معارك
الدبلوماسية إلي درع الصحراء و عاصفة الصحراء والهدنة، فضلاً عن معظم ما كان
حينذاك يتّصل بشؤون وشجون العراق والكويت والسعودية ومعظم الخليج والشرق الأوسط
ومؤتمر مدريد، وصولاً إلي قرار الناخب الأمريكي إحالة بوش الأب إلي التقاعد القسري
رغم أكاليل الغار التي كانت تثقل رأسه...
فضيلة ثانية أننا نقف
علي، ولكن دون أن نكتشف، المزيد من تفاصيل انغماس وزراء الخارجية الأمريكية
السابقين في البزنس و المهامّ النبيلة في آن معاً، الطور الذي يحدث عادة أن تسبقه
أو تعقبه فترات تنظير وتفلسف وتأمّل وتأليف (للإشارة فقط: وزيرة الخارجية السابقة
مادلين أولبرايت علي صلة بالشطر الثاني من مهمة بيكر، أي استرداد الديون الكويتية!).
وضمن مقاييس متعددة، بينها دون ريب تلك المنبثقة من حكمة قديمة حول قيام صانعي
التاريخ بتسجيل بعض ذلك التاريخ كما قرأوه قبل أن يزمعوا صناعته، يعدّ مجلد
المذكرات الضخم سياسة الدبلوماسية الوثيقة الأغني التي تملكها الإنسانية حول
الأطوار التي سبقت وأعقبت الولادة الأولي لطبعة النظام الدولي الجديد كما اقترحها
جورج بوش الأب مطلع التسعينيات. والدلالة الأهم لا تكمن في أنّ صاحبنا جيمس بيكر
الثالث، مؤلف هذا السفر الملحمي المسهب والسميك (687 صفحة)، قد أُجبر علي الهبوط
من هــــرم الدبلوماسية العليا ومغادرة سدّة اتخاذ القرار، حتي قبل أن يغادر سيّده
ورئيسه وصديقه بوش المكتب البيضاوي في البيت الأبيض.
وهي كذلك لا تكمن في
حقيقة استقباله في وسائل الإعلام الأمريكية علي نحو فاتر أقرب إلي التجاهل وتقليب
الشفاه شفقة وشماتة (لأن المجلّد الحافل حظي بتكريم من نوع آخر، في صحافة أخري
عربية تتوجه إلي جمهور من نوع خاصّ، كان يتوهّم الانتساب إلي ذلك النظام الدولي
الجديد، وهو بالتالي متعطش للوقوف علي رأي الكبار في كبريات أحداث الزمان). أما
حقائق الكتاب أو أكاذيبه فإنها تظلّ موضع أخذ وردّ طبيعيين في حالات كهذه، خصوصاً
وأنّ الزمن المعاصر لم يعد يحتمل إطالة عمر الأكذوبة أو تقصير عمر الحقيقة.
الدلالة الأهمّ في
الكتاب تدور حول سلسلة الأولويات التي تبيّن أنها كانت تسود أدمغة رجال مثل بوش
وبيكر وسكوكروفت (مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك)، وكيف تبدو اليوم مشحونة
بإشكاليات معقدة لم تكن واضحة طيلة عهد الإدارة تلك. ثمة جدول الأعمال الأمريكي
الداخلي المتعلق بالاقتصاد والأعمال والمجتمع، وثمة نقاط الاحتقان الدائمة حول
مواصلة العمّ سام لنزعته العتيقة في المرابطة وراء محيطه والإنعزال عن انسانية
منخرطة في هدم جدار برلين وإعادة اكتشاف السوق والليبرالية، وثمة تكوين وإعادة
تكوين لخرائط التوازنات الجديدة الجيو ـ استراتيجية والجيو ـ إقتصادية بين أمريكا
واليابان وأوروبا الغربية الشرق الباسفيكي. والذين راجعوا كتاب بيكر كانوا يحملقون
بدهشة كلما اكتشف الواحد منهم جديداً في هذه الأولويات لا يتماشي مع تخطيطه (هو
أولاً، ثمّ من يمثّل من عمالقة في الخفاء)، وكانت الدهشة تنقلب سريعاً إلي سخط
وامتعاض ورغبة مسعورة في تمزيق أوصال السِفْر وصاحب السفر.
وبين هؤلاء كان لنا
نحن العرب حظّ إدلاء البروفيسور فؤاد عجمي بدلوه، رغم أن مراجعته المطوّلة للكتاب
في أسبوعية New Republic
آنذاك لم تقدّم سوي إشارة واحدة علي المحتد العربي للبروفيسور: أنه استخدم المثل
العربي إياك أعني فاسمعي يا جارة ، أو أحكي مع كنّتي لكي يسمع جاري لكي نقتبسه
بدقة أكثر. ما خلا هذه الشطحة بدا البروفيسور كمَنْ يتميّز غيظاً لأنّ جيمس بيكر
وضع السلام العربي ـ الإسرائيلي علي رأس أولويات جهازه الدبلوماسي، وأهمل متابعة
عاصفة الصحراء حتي إسقاط صدام حسين، وتجاهل مأساة الأكراد و انتفاضة الشيعة في
جنوب العراق، وغضّ الطرف عن حرائق البلقان...!
والبروفيسور كان شديد
الغضب في الواقع، إلي درجة كانت تدفع المرء إلي التعاطف مع هذا البائس بيكر، الذي
واصل جهله الفاضح بـ التواريخ الدفينة لقبائلية أوروبا ولكنه اجتهد كثيراً (أي
أكثر من اللزوم، حسب محاججة عجمي) لتعلّم المزيد عن منطقة رجيمة تدعي الشرق
الأوسط؛ والذي أعلن مع سيّده الرئيس أن أمريكا دفنت عقدة فييتنام في رمال الخليج،
ولكنه أعاد إحياءها في البلقان. فــــوق ذلك، وجّه البروفيسور العديد من أصابع
الاتــــهام إلي كامل الآلة السياسية ـ الاستراتيجية التي تولّت تحريك عجلات إدارة
بوش، بدءاً من بيكر وسكوكروفت وانتهاء بكولن باول ودنيس روس.
هذا، لشديد أسف عجمي،
هو الفريق الرثّ الذي حاول إسقاط ثلاث حكومات (ليبيا، العراق، حكومة إسحق شامير) فلم
ينجح سوي في مكان واحد: إسرائيل! وهذا هو الفريق الذي تخلّي عن الأكراد في جبالهم،
وحجب الدعم عن التيارات الديمقراطية والليبرالية الروسية المناهضة لغورباتشوف،
وأغمض العين عن عذابات شعوب البلقان، واكتفي بتوظيف كامل طاقات الآلة الدبلوماسية
لصناعة السلام في أزقة غزّة ونابلس والخليل... يا للعار!
وقبل مجلّد بيكر، كان
للإنسانية حظّ قراءة مجلّد ضخم آخر لوزير خارجية أمريكي آخر، أكثر شهرة وأرفع صلة
بالشرق الأوسط وبالهندسة الدبلوماسية، هو هنري كيسنجر. وفي 912 صفحة، تحت العنوان
البارد الغامض دبلوماسية ، أعاد كيسنجر إنتاج نفسه ونفض عن أفكاره غبار السنوات
القليلة التي مرّت عليه وهو يرتدي مسوح الناسك المتعفف عن الخوض في كبائر البشر (وهي
الصغائر في نظره!)، والذي يري ما هو أبعد بكثير من سقوط الجدران والأنظمة والحروب
الباردة والتوازنات المعلنة والمصاغة بركاكة. باختصار، ذاك الذي يري ويعفّ عند
المغنم كما يقول عنترة العبسي، أو يكشر عن ابتسامة مشفقة ساخرة وعلي لسانه عبارة
من شكسبير هذه المرّة: زمن حافل بالصخب والعنف، لايدلّ علي شيء!
وباستثناء موقفه
التشريحي المأثور من الاحتلال العراقي للكويت، ودعوة جورج بوش الأب إلي تنفيذ
ضربات جراحية تصيب العمق الحضاري والإجتماعي والإقتصادي للعراق (للبلد والشعب، قبل
النظام وآلته العسكرية والسياسية)؛ وتوبيخه لفريق رئيس الوزراء الرسرائيلي الأسبق
إسحق رابين لأنّ ماتعاقدوا عليه مع ياسر عرفات في أوسلو ثمّ في البيت الأبيض هو
أوالية متحركة ستفضي عاجلاً أم آجلاً الي دولة فلسطينية (هي التي يرفضها كيفما
جاءت، وأينما قامت، ويستوي لديه أن تتخلق من محض أوالية أو تنقلب الي بلدية)؛
وسخريته من بعض الفتية الهواة في البيت الأبيض، ممن يخلطون البزنس بالأخلاق،
والتجارة بحقوق الإنسان (مثال الصين)، ولا يميزون في حروب التبادل بين العصبوية
الأورو ـ أمريكية وشرعة التقاسم الكوني لسوق شاسعة بقدر ماهي ضيّقة (مواثيق الـ
غات وأخواتها)... باستثناء ذلك كلّه فإن بروفيسور التاريخ انصرف عن تأمّل التاريخ
وحتي عن المشاركة في صناعته، وانخرط في استثمار التاريخ أو توظيف وتسخير مَنْ
يعتبرون أنفسهم وكلاء التاريخ.
المؤسسة العملاقة
التي ستحمل اسم كيسنجر و شركاه Kiinger Aociates سوف تقدّم الاستشارات
السياسية والنصح الاستراتيجي إلي ساسة العالم وأعضاء مجالس ادارات المؤسسات
العملاقة، من عيار أرامكو و فيرست سيتي بانك و موبيل و كاتربيلار و كوكاكولا و
فيـات و فولفـو ، مقابـل أتعـاب تتراوح بين 150.000 و 400.000 دولار للمؤســسـة ــ
والجلسة ــ الواحدة. أما خزّان التفكير الذي اعتمد عليه كيسنجر، فقد ضمّ صفوة
جديرة يإسالة لعاب الكهول، مثل الشبان، في مجالس إدارة مختلف الشركات: برنت
سكوكروفت، لورانس إيغلبرغر، مارتن إنديك، جين كيركباتريك، و... جيمس بيكر!
خذوا (وتأملوا راهنية
وديمومة وصلاحية!) الوصفة التي اقترحها كيسنجر من أجل علاج هذا الكون العليل: أوّلاً،
العالم الراهن يقتضي، أكثر من أي وقت مضي، امتلاك المعني الأشدّ وضوحا وبروداً
ونفياً للعواطف بصدد مضمون وجدوي مفهوم المصلحة الوطنية (والكونية، لأنّ المصلحة
الوطنية الأمريكية هي مصلحة البشرية، شاءت تلك البشرية أم أبت). وثانياً، ينبغي
وضع أكبر قدر من علامات الاستفهام والريبة، أبد الدهر ودونما تردد أو تلكؤ، علي
أيّ ترتيبات متصلة بالأمن الجماعي، سيما تلك التي ترتكز جوهرياً علي ذلك الإجماع
الصوفي الغامض حول أخلاقية انتفاء القوّة (وبالتالي أخلاقية اللجوء اليها) في
مختلف ميادين العلاقات الدولية.
وثالثاً، لا مناص من
ترجيح (ثمّ صياغة وتطوير) التحالفات الصريحة القائمة علي المصلحة المشتركة، وغضّ
النظر عن التحالفات المقابلة التي تحوّل مقولات السلام و الحرية إلي شعارات وشعائر
زلقة ومطاطة وجوفاء. أعراف القرية الإنسانية الكونية ليست قابلة للصرف في سوق
مزدحمة شرسة لا ترحم. أعيدوها الي افلاطون والأفلاطونيين، وفي الاعادة إفادة
وتجنيب لشر القتال! ورابعاً، وتأسيساً علي ذلك، لا بدّ من إقرار واعتماد الحقيقة
القاسية التالية: التنازع، وليس السلام، هو الأقنوم الطبيعي الذي ينظم العلاقات
بين الشعوب والقوي والأفراد. وأخيراً: لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل
توجد مصالح دائمة فقط . كان اللورد بالمرستون (وزير خارجية بريطانيا خلال ثلاثينات
القرن الماضي) علي حقّ حين اجترح هذه العبارة الذهبية. إنه علي حقّ اليوم أيضاً،
أكثر من أي وقت مضي...
وهكذا، وبعد هذا
الاستئناس بما قاله اثنان من أعمدة السياسة الخارجية الأمريكية حول السياسة، وما
فعلاه قبلئذ أو بعدئذ في تحويل الدبلوماسية إلي بزنس ، في أيّ سوق ــ مزدحمة شرسة
لا ترحم، كما يصف كيسنجر ــ نصرف وعيد إياد علاوي ودموع برهم صالح؟