جمعية الأطفال ضحايا الحرب: قصة اليورانيوم والدمار الشامل
بقلم :د .عبد
الحق العاني
لعل كل ما يكتب اليوم
حول الحرب والدمار الذي يقع في العراق لا يشكل إلا جزءا يسيرا من حقيقة الدمار
الذي وقع وسيقع خلال القرون المقبلة ، وسبب ذلك أن الدمار الذي أريد الحديث عنه
غير منظور والناس معذورة ألا تتحدث عن المخفي والمجهول ولكن واجب من يعرف أن ينبه.
وتبدأ القصة في أعقاب
الحرب العالمية الثانية حين بدأ تخصيب اليوارنيوم ينتشر في العالم الغربي إما
لتزويد المفاعلات النووية بالوقود أو لصناعة الأسلحة النووية والتي أنتج منها ما
يكفي لتدمير العالم عدة مرات. وقد خلقت الصناعة النووية هذه نفايات منها
اليورانيوم المنضب. وحيث أن هذه النفايات مشعة وتشكل خطرا على سكان أوربا "المتحضرة"
فقد كان عليهم أن يصرفوا الملايين من أجل خزن تلك النفايات في حافظات جيدة ثم دفنها في أعماق الأرض أو
المحيطات. إلا أن العقل الأوربي المتفتح والمتحضر سرعان ما بدأ البحث عن طريق رخيص
للتخلص من تلك النفايات فوجدها في الحروب التي ما فتئ الغرب يشنها ضد شعوب العالم.
وهكذا إلتقى الثلاثة – السياسي الذي يبحث عن كسب رخيص والعالم الذي يبحث عن حل
يرفع عنه مسئولية التخلص من النفايات والعسكري الذي يبحث عن أسلحة مدمرة رخيصة.
فاليورانيوم هو واحد
من أثقل المعادن المعروفة على وجه الأرض فهو على وجه التقريب يعادل ضعف وزن الرصاص
على سبيل المثال. وهو بهذا الثقل يشكل قوة خارقة ضد الدروع فكان أول إستعمال له في
الصواريخ الموجهة ضد المدرعات والمصفحات التي لا يخترقها العتاد العادي. وحين تصل
القذيفة إلى الدبابة فإنها تخترقها محدثة حرارة عالية تصل آلاف الدرجات المئوية
فيتأكسد اليورانيوم ثم يفجر داخل الدبابة بمن فيها. وهكذا وجد العسكريون ضالتهم في
سلاح مدمر رخيص ووجد العلماء فرصة للتخلص من المواد المشعة بالقائها في تخوم الأرض
بعيدا عن حدودهم. فإذا ما أخذنا في الحسبان أن نصف عمر اليورانيوم المنضب يفوق 5
بلايين سنة عرفنا أن نصف اليورانيوم الذي ألقي على العراق خلال الحربين الأخيرتين
سيزول بعد 5 بلايين سنة ويبقي نصفه ليفقد نصفه بعد 5 بلايين سنة أخرى ، ورغم أن
الحديث عن بلايين السنين يبدو عبثا إلا أن الهدف من هذا تقريب الحقيقة للقارئ وهي
أن هذه النفايات المشعة ستبقى إلى أن يشاء الله!
وإذا استثنينا
العسكريين من المساءلة الأخلاقية حول إستعمال المواد المشعة في الحروب فإن
المؤسسات العلمية لا يمكن أن تعذر عن المساهمة في هذه الجريمة أو الصمت عنها. فالعلماء
الذين تصدوا لهذه الجريمة يكادون يعدون على أصابع اليد وجلهم فصل من عمله أو حورب
في رزقه ، وأعرف بعضهم شخصيا ، أما الآخرين فإما مع الجريمة علنا أو صامتين عنها ،
والساكت عن الحق شيطان أخرس. ولعل أغرب الغريب أن أولئك الذين يدافعون عن إستعمال
اليورانيوم المنضب في خراب العراق وأفغانستان هم العلماء أنفسهم الذين يضعون
القواعد للجيش الأمريكي والبريطاني والتي تنص على عدم لمس اي سلاح ملوث
باليورانيوم المنضب وعلى وجوب نقل أي جزء ملوث به بواسطة أجهزة خاصة بعد إرتداء
اللباس الواقي و...و..و ، كل ذلك حسب تعليماتهم التي تعطى لجنودهم. فإذا كان
اليورانيوم المنضب لا يشكل أي خطر فلماذا هذه الترتيبات بالنسبة لجنودهم ، وإذا
كان اليورانيوم المنضب خطرا على الناس فهل أن أطفال العراق الذين يلعبون حوله ضمن
دائرة مسئولية الإنسان الأوربي المتحضر أم أنها خارجة عنه؟ وهذا السؤال لا يوجه
لعلماء الغرب وحدهم ولكنه يوجه لكل العراقيين والعرب الذين يجدون الأعذار
للأمريكيين ليجيبوا عليه إذا كان قد ظل فيهم بعض غيرة أو كرامة!
لقد كان أول إستعمال
واسع لليورانيوم المنضب في الحرب في غزو العراق عام 1991 حيث أفادت المعلومات
المسربة من بعض الدوائر العلمية إلى أن مجموع ما إستعمل تجاوز 300 طن منه. أما في
غزو العراق عام 2003 فقد تجاوز المستعمل 2000 طن. وحتى نقرب مفهوم الضرر الممكن
فإننا نقول أن ذرة واحدة ملوثة إذا استقرت في رئة الإنسان تكفي لقتله فما بالك
بألفي طن منه!
وهناك فرق آخر بين
الحربين فحيث أن خراب عام 1991 إشتمل على إستعمال اليورانيوم المنضب في جبهات
القتال وضد الدروع والآليات فإن غزو عام 2003 نقل إستعمال اليورانيوم إلى داخل
المدن وضد المدنيين. فقد تطور السلاح الأوربي المتحضر من سلاح ضد الدروع إلى سلاح
رخيص ضد الناس فأنتجت القنابل من سعة الطن والعشرة أطنان التي تدمر الملاجئ
والمنشآت المدنية بأرخص الأثمان وتترك إشعاعا خالدا خلفها. وهكذا كانت القنابل
التي ألقيت على البيتين خلف مطعم الساعة في بغداد وهكذا كانت القنابل التي ألقيت
على بدالة المأمون فأخترقت ستة طوابق حتى وصلت قبو البناية كما يقول العالم الكندي
تيد ويمن الذي زار الموقع في تشرين الثاني عام 2003 حيث وجد الموقع ما زال مشعا. أما
البيتان خلف مطعم الساعة فقد قامت القوات الغازية بنقل كل تربتهما وجاءت بتربة
جديدة. وقد تكون الآثار البينة قد أزيلت بعملية نقل التربة إلا أن التلوث لم يزل
ذلك لأن الغبار المشبع بالإشعاع يستنشقه أهل المنصور ومن حولهم في بغداد بما في
ذلك المسئولين الجدد.
إن كون موضوع
اليورانيوم موضوع علمي معقد لا بد أن يصرف إهتمام الناس عنه بحجة عدم الفهم أو
تعقيد الأمر في أدنى حال. ولكن لا بد من بعض التوضيح لتقريب صورة الخطر والضرر. إن
من الصحيح القول أن اليورانيوم المنضب في وضعه السلبي لا يشكل خطرا كبيرا على
الصحة بسبب أن الإشعاع الواطئ الذي يخرج منه ليس من أخطر أنواع الإشعاعات ، لكن
الذي يغفل في هذا المعرض هو ماذا يحدث حين يحترق اليوارنيوم حيث يكمن الخطر والضرر.
فعندما يحترق اليورانيوم فإن الناتج عنه هو أوكسيد اليورانيوم الذي يكون على شكل
ذرات متناهية في الصغر تنفذ من أي مكان. وهذه الذرات المشعة يمكن أن تدخل الجسم عن
طريق الجهاز التنفسي أو الهضمي أو عن طريق أي جرح. وحسب ما تؤكده تعليمات الجيشين
البريطاني والأمريكي لجنودها فإنه يجب على كل جندي أن يحذر من دخول هذه الذرات
للجسم بأي من هذه السبل. وتستمر التعليمات للجنود لتحذر أن دخول هذه الذرات قد
يؤدي إلى عجز في الكبد أو الكلية وأمراض في الجهاز التنفسي وطفح جلدي وغيره كثير. وقد
إكتشف الأطباء الذين عالجوا بعض الجنود الأمريكيين والإنكليز الذين خدموا في عدوان
1991 حالات مرضية لم تكن متوقعة أو معروفة ، فبعض هؤلاء الجنود أصيب بعجز كلوي
وبعضهم أصيب بتلف في الكبد وبعضهم أظهر أعراض تعب وإنهاك دائم لا تفسير له ، لكن
الأخطر من كل ذلك أن بعضهم أنجب أطفالا مشوهين بتشوهات لم تكن معروفة مثل فقدان
العينين والأيدي وهي تذكر بما حدث لأطفال الأمهات اللاتي تناولن دواء الثالودمايد
في ستينات القرن الماضي. أي أن تأثير اليورانيوم إمتد بيشمل الجينات في الأبوين
فيقود إلى تشويه في خلقة الوليد الجديد أو سرطان مقبل لا محالة وهذه هي عين
الإبادة. وقد تصدى المسؤولون في الولايات المتحدة وبريطانيا لتسفيه هذه التقارير
وسبب ذلك معروف حيث أنهم إذا ما قبلوا أن تلك الأضرار ناتجة عن إستعمال اليورانيوم
المنضب فإن دعاوى التعويض من المتضررين سوف تؤدي إلى إفلاس الحكومتين وهو أمر تحرص
الإمبريالية العالمية على ألا تتعرض له مهما كان ثمن الكذب والتزوير.
أما في العراق فإن
الضرر من إستعمال اليورانيوم المنضب عام 1991 كان أكبر بكثير مما وقع لجنود الغزاة.
فقد تضاعفت حالات سرطان الدم بين الأطفال عشرة أضعاف وفق ما ابلغني به أطباء
الأطفال في مستشفي الولادة والأطفال (كذا أعتقد إسمها) ، كما أن حالات التشوه في
الولادات شهدت شيئا لم يعرفه أطباء البصرة من قبل. فولد أطفال بدون عيون وأطفال
بدون أذرع وأطفال بأوجه ليست من شاكلة البشر. وقد لخصت الدكتورة جنان حسن إختصاصية
الأطفال في البصرة ذلك بقولها: سابقا كان النساء يقلن بعد الولادة الحمد لله بنتا
أو ولدا أما اليوم فإنهن يقلن الحمد لله إنه خلقة سالمة!
ولعل من المحزن أن
الحكومة العراقية لم تجعل من جريمة إستعمال اليورانيوم المنضب قضية تدعوا علماء
العالم وقانونييه للتصدي لها ، بل إن الحكومة العراقية عن جهل بعض رجالها وخبث بعضهم
الآخر تكتمت أول الأمر على الموضوع وحتى حين تناولته فإنها تناولته بنصف الحماس
المطلوب ، وبخلاصة أدق فإن الحكومة العراقية كانت معنية بالكسب السياسي الرخيص
وليس بجدية الدمار الذي تعرض العراق له. فالحكومة كانت معنية بالمؤتمرات التي
تقيمها وزارة الخارجية وتدعوا لها العضاريط من دول العالم ليأتوا ويتسابقوا في مدح
العراق دون أثر دائم. وقد ذهبت كل محاولات الخييرين وقتها للتنبيه حول خطورة الأمر
أدراج الرياح لأن بعض الجالسين في ديوان رئاسة الوزراة ووزارة الخارجية كانوا
معنيين بقضايا أخرى!
إن خلاصة ما قد عرض
أعلاه هو ما يلي:
إن الصهيونية التي
تمثل أعلى مراحل الإمبريالية العالمية قد شنت حرب إبادة على العراق.
إن حرب الإبادة هذه
أخطر وأبعد من الدمار المنظور الذي نراه يوميا على شاشات التلفاز.
إن حرب الإبادة هذه
تقوم على القتل البطيء من خلال الإمراض المستديمة والسرطانية وتشويه الخلقة.
إن حرب الإبادة هذه
تعد لجيل من العراقيين الذين يعانون من تشوه عقلي غير منظور يقود إلى جيل من
العراقيين متخلف عما شهده العالم خلال القرن الماضي من أجيال عراقية متفتحة واعدة
ومنتجة.
إن العراقيين ما
زالوا اليوم حكومات وشعبا غافلين عما جري ويجري ، ومنشغلين عن الخطر الحقيقي
بالحديث عن أمور ثانوية مثل إنتخابات موهومة لخلق أجهزة موهومة لأمة تموت ببطئ.
إن الواجب الإنساني
في أبسط حدوده يقضي عمل ما يمكن عمله لتحديد أبعاد الجريمة وتحجيم مضارها إن أمكن.
إن القيادات السياسية
في العراق التي تسكت عن هذا أحد إثنين فإما هي متخلفة وساذجة لحد لا يليق بها أن
تدعي القيادة وإما هي خائنة وساقطة لحد لا يليق بها أن تكون.
ويجب هنا أن نذكر ،
حتى ولو كانت الذكرى لا تنفع لأن الذكرى
تنفع المؤمنين فقط ، بأن ما وقع للعراق في الحربين ليس محصورا في العراق ، ذلك أن
الإشعاع لا يعترف بالحدود الجغرافية التي رسمتها الصيهونية العالمية في أعقاب سقوط
الدولة العثمانية. فالصحراء تنحدر من جنوب البصرة حتى الرياض مرورا بالكويت (مصغر
الكوت). وكل ما يسقط على البصرة من ماء ينحدر في هذا الإتجاه أي أن المياه التي
تغور في البصرة تخرج في الكويت وجزيرة العرب كما أن الرياح التي هي في أغلب السنة
شمالية غربية تهب على العراق بإتجاه الكويت والجزيرة. وهذا بشكل مبسط لعقول
الكويتين وأعراب الجزيرة المسطحة من دون الدخول في عرض علمي يصعب على عقولهم
المحدودة ، والتي لا تفكر أبعد من الماكدونالد والقمار وآخر صرعة ساقطة من أمريكا
، يعني أنهم تماما مثل العراقيين عرضة للدمار الذي ألقى به أسيادهم الأمريكيون علي
العراق. أي بمعنى آخر أن أسيادهم الأمريكيين أوقعوا بهم الضرر نفسه الذي أوقعوه
على العراقيين ، وقد يبدو هذا الأمر غير مقعول أول وهلة ولكن الذين يفهمون الصهيونية
جيدا لا يستغربون ، ذلك لأن الصهيونية تتعامل مع كل العرب على أنهم من درجة متدنية
في السلم البشري تماما كما فعلت مع شعوب القارة الأمريكية الأصليين حين أزالتهم من
الوجود. لهذا فإن الخطر الذي يهدد العراق يهدد كل جزيرة العرب والخليج لأن الإشعاع
كما أسلفت لا يأبه بالحدود ولن يتوقف عند حدود الكويت وجزيرة العرب. فحرب الإبادة
هذه موجهة ضد كل العرب والأعراب.
وقد وقعت في الكويت
وأعالي الجزيرة حسب ما تسرب من أخبار حالات مرضية غريبة وتشوه في الولادات لم يكن
معروفا سابقا لكن الحكومات قد أمرت بمنع الحديث عن اي منها وخضع الأطباء لهذه
المشيئة وسكتوا!
وحيث أن الإشعاع غير
منظور فإن معرفة تواجده لا تحس إلا بالكشف المتعمد عنها أي بالبحث والقياس
والتدقيق. دعوني اسرد عليكم حدثا واحدا قد ينقل صورة لما يمكن أن يحدث في اي مكان
في العراق أو جزيرة العرب. كنت في زيارة للبصرة في شهر تموز 2004 وأثناء زيارتي
للمستشفى تعرفت على عالم فيزياء يجري بحوثا في البيئة. وحينما عرف ما نبحث عنه
أخذني إلى منطقة سكنية تسمى منطقة القبلة. وهناك وسط شارع عريض جدا وجدنا ناقلتي
جنود عراقيتين محترقتين يلعب داخلها الأطفال. وقصة هاتين الناقلتين أن واحدة منها
كانت تمر من الشارع يوم 30/3/2003 فأصابها عطل فاستنجدت بأخرى وعندما وصلت الثانية
أدركتهما طائرة أمريكية أو بريطانية فقصفتهما بصواريخ من اليورانيوم المنضب فأحرقت
الإثنتين. لكن أولاد عبد الزهرة شندي الذين كانوا أمام بيتهم الذي يقع أمام
الناقليتن هربوا من هول الحادث داخل البيت فما كان من الطائرة المهاجمة إلا أن
رمتهم بصاروخ داخل الحديقة فقتلت إثنين منهم وجرحت إبن عمهم. وليت الأمر إنتهى عند
هذا الحد فناقلتا الجنود ما زالتا في الشارع مشعتين والأطفال يلعبون فيها وحولها
وسكان المحلة يستنشقون الغبار المشبع بالإشعاع.
وحين قمنا بقياس الإشعاع وجدنا ما يلي:
إن الناقلتين مشعتان
بشكل يفوق مئات المرات الإشعاع المسوح به حسب بيان الفيزياوي المرافق.
إن التربة المحيطة
بالناقلتين التي يسير عليها الناس ويلعب فيها الأطفال مشعة بشكل غير مقبول ،
ومعرضة للخطر من تطاير الغبار كل سكان المنطقة.
إن بيت عبد الزهرة الذي
قصف مدخله بصاروخ مشبع بالإشعاع ويعاني أبناء وبنات عبد الزهرة من شتى أمراض الصدر
والجلد وضعف البصر.
وقد أعلمنا الفيزياوي
أنه حين شكى الأمر للإنكليز أجابوا بأنه ليس بمقدورهم عمل شيء إذ أن الأمر قد وقع.
أما منظمة الصحة الدولية فهي لا تريد أن تسمع أما زملاؤه فقد نصحوه بعدم الخوض في
هذا الأمر لآنه يعرض رزقه وربما حياته للخطر.
ثم ذهبنا إلى
القنصلية البريطانية في البصرة لعرض الموضوع والمطالبة بتنظيف المكان وإسكان عائلة
عبد الزهرة في بيت نظيف بعد خراب بيتهم. لكننا أعلمنا أن تنظيف المناطق أصبح من
مسئولية الحكومة المؤقتة ، اي أن الغزاة بعد أن أوقعوا الدمار الشامل نقلوا
المسئولية إلى العاجزين ، فطوبى للعراقيين من هذا المستقبل المشرق! إن هذا الحديث
هو عن موقع واحد من مئات المواقع الملوثة في العراق والتي لا يستطيع أحد أن يحصيها
حتى يعطينا الغزاة تفاصيل كل المواقع التي إستعمل فيها اليورانيوم ونوعه. وقد أحصى
الفيزياوي العراقي 26 موقعا مشعا في منطقة سكنية واحدة في البصرة ولكم أن تتكهنوا
بالحال في بقية العراق.
إن العرض المقتضب
أعلاه ليس إلا محاولة لتقريب الخطر والضرر الواقع على الناس. ولا أغالي إذا قلت
أني مهما حاولت من تصوير هول الجريمة فإني سأقصر في ذلك لآن الحدث أكبر مما نقدر
على شرحه والجريمة من أكبر جرائم التأريخ المعاصر فهي تفوق حتى هيروشيما بسبب سعة
إنتشارها وتغطيتها لكل العراق مع الجهل بأماكن تأثيرها من أجل تحديد الضرر
والإبتعاد عنه أو تجنبه.
نحن لا نعتقد أن حكومات
الغزاة ستساعدنا على كشف الجريمة أو التصدي لها بما أمكن حيث أن هذا يناقض الهدف
الذي من أجله إستعمل سلاح التدمير الشامل ضد العراق. كما أننا لا نعتقد أن الحكومة
المؤقتة أو أية حكومة ستعقبها سيكون لها الرغبة أو الإستقلال أو الإرادة السياسية
للتصدي لهذا الأمر لأنه سيربك سياسات أسيادها الغزاة الذين سيظلون في العراق
للمستقبل المنظور. لكن هذا لا يمكن أن يقعدنا عن عمل ما يمكن عمله للرد على حرب
الإبادة هذه من أجل كشفها وإنتزاع التعويض ثانيا ثم تحجيم ضررها ثالثا. ومن أجل
ذلك قررت جمعيتنا الخيرية المسماة جمعية الأطفال ضحايا الحرب إتباع منهجين للعمل
وذلك بعد حوار مع عدة أطراف عربية وبريطانية وأوربية حول جدواها ، وهذان المنهجان
هما:
مقاضاة المعتدين
للتجريم والتعويض
إن مما لا يختلف عليه
إثنان في القانون اليوم أن الحرب على العراق كانت غير قانونية مما يعني أن كل ما وقع
فيها غير قانوني وكل قتل يصبح بذلك جريمة. على أننا نستدرك هنا فنقول أن الحرب حتى
إذا كانت قانونية فهي مشمولة بقوانين تمنع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية
وجرائم الإبادة وهذه جميعها وقعت في الغزو الأول عام 1991 وفي سنوات الحصار الجائر
ووقعت في الغزو الثاني والإحتلال حتى لو كان ذلك الإحتلال قانونيا (رغم أني أجزم
بأن اي إحتلال ينزع سيادة دولة يكون غير قانوني لأنه ينقض القاعدة الأساس في ميثاق
الأمم المتحدة التي وضعت لمنع إستبداد الأقوياء بإحتلال الدول الصغيرة).
ويمكن لأي عراقي تعرض
للضرر (أي ضرر سواء بفقدان شخص أو جرح أو فقدان مال ) أن يقاضي الحكومة البريطانية
والأمريكية أمام القضاء الإنكليزي ونحن نعلن هنا إستعدادنا لدراسة ذلك الطلب
وتبنيه ورفعه للقضاء ومتابعته نيابة عن الضحية.
لكننا هنا نبحث
موضوعا خاصا هو الدمار الشامل المترتب على إستعمال اليورانيوم في غزو وإحتلال
العراق. والجريمة هذه قد وقعت وهي مناقضة للقانون الدولي حيث تضمنت إتفاقيات جنيف
على جرائم حرب عديدة منها جريمة إستعمال مواد ضارة يكون تأثيرها على الناس مستمرا
بعد إنتهاء عمليات القتال.
أي أن إستعمال اية
مادة يكون تأثيرها مستمرا بعد إنتهاء العمليات العسكرية يعد من جرائم الحرب وحيث
أن إستعمال اليورانيوم الذي يظل تأثيره لبلايين السنين ضمن هذا الحظر فإن إقامة
هذه الدعوى تصبح من اولويات التصدي. ونتائج هذه الدعوة إذا ما كسبت تؤدي إلى تجريم
المعتدين في اشخاصهم كتوني بلير وجورج بوش ووزرائهم وقادة جيوشهم. وقد يبدو الأمر
بعيد المنال الآن لكنهم بعد أن يخرجوا من السلطة لن تكون لهم تلك الحظوة خصوصا إذا
أراد خصومهم التخلص من تلك التركة الثقيلة فألقوا بها في أعناقهم ، والإمبريالية
لا تمتلك عواطف فإذا ما إنتهت الحاجة للأداة فلا مانع لها أن تفرط بها.
أما النتيجة الثانية
لهذه المقاضاة فهي في تعويض كل عراقي تضرر من نتيجة تلك الأسلحة المدمرة وهذا باب
من أوسع الأبواب ، ولو أن الحكومة العراقية المقبلة تمتلك القدرة السياسية
والمبادئ الأخلاقية فإن واجبها الأول هو المقاضاة بإسم كل العراقيين للتعويض
الكامل.
والنتيجة الثالثة
لهذه المقاضاة هي في إجبار المعتدين على الكشف عن كل المواقع التي ضربت
باليورانيوم وتحديد نوع السلاح المستعمل. حيث يمكن بعدها القيام بتطهير الموقع
ورفع التلوث وربما نقل التربة الملوثة ودفنها في أماكن آمنة. وقد وقع ذلك في
يوغسلافيا حيث أن الحكومة التي أخلفت ميلوسوفيج ، والتي رغم أنها موالية للغزاة
لكنها تمتلك بعض الكرامة والشعور بالمسئولية ، قامت بالكشف عن كل المواقع الملوثة
وطهرت ما أمكنها منه وحددت الضرر حيث أمكن.
إنشاء مختبر عراقي
للتحليل
إن العراق الملوث
بحاجة لعملية مسح واسعة تشمل الناس والتربة والماء والهواء للخروج بخارطة بيئية
لذلك التلوث. ولن يكون بوسعنا القيام بهذا عن طريق الإعتماد على مختبرات الغرب
التي قد تمنع عنا ذلك أو تعيقنا عن تنفيذه إضافة إلى الكلف الخيالية التي
يتقاضونها. لذا فإن المطلوب هو تأسيس مختبر في العراق متخصص في تحليل اليورانيوم
ونظائره. والأمر ليس معقدا حيث أن الأجهزة متوفرة عالميا والكفاءات العلمية متوفرة
في العراق وكل ما نحتاجه هو القرار بالتنفيذ وتوفير المال. وعندها يمكن للعراقيين
معرفة حقيقة التلوث الذي أوقعه الغزاة في أجسادهم وأجساد ذرياتهم وفي تربتهم وفي
مياههم وفي مستقبلهم.