لَـعْنـةُ الإرْهَـابْ ..أَجْـرَاسُّ مُعَـلَّقَـة في رِقـَابْ العَـرَبْ .. مُسْلِمِـيـنَ ومَسِيحَّيينَ

 

 

 

بقلم : محمد فؤاد المغازي

                                                                     

ليست هذه هي المرة الأولي التي يُوَجِّهْ فيها الغرب للعرب والمسلمين تهمة الإرهاب _ وبالتأكيد لن تكون الأخيرة _ فبقاءهم على لائحة الاتهام سيظل قائما حتى يستسلم العرب والمسلمون لشروط الرجل الأبيض كاملة، وإذا كان هناك من تعديل أو تغيير فسينحصر في إطار صياغة الاتهام وفقا للمكان والزمان.

 

فتهمة الإرهاب ظلت تلاحق العرب منذ أن صمموا على التخلص من استعمار الرجل الأبيض، بغض النظر عن جنسيته ولون أعلامه. فقد كان العرب المصريون إرهابيون في عيون السادة الإنجليز، مثلما كان العرب الجزائريون إرهابيون في عيون السادة الفرنسيين، ومثلما كان العرب الليبيون إرهابيون في عيون المافيا الطليان، ومثلما يحدث الآن بالنسبة للفلسطينيين حيث توجه إليهم تهمة الإرهاب من الصهاينة والأمريكيين، وَقِسْ على ذلك باقي العرب الذين تقسَّمت أراضيهم بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا.

 

فقد كانت وما زالت علاقات الرجل الأبيض بالعرب والمسلمين تجري وفقا لمعيار واحد هو تحقيق أطماعه فقط. وظلت تعاملاته ترفض ثوابت العدل والحق والقانون كأرضية للتعامل معهم. لم يقبل الغربيون _مثلا _ التعامل مع العرب والمسلمين وفقا للقواعد العامة التي تحكم علاقاتهم في الداخل، أو القواعد التي تحكم تعاملاتهم مع مجتمعات أخري تقاسمهم اللون والهدف، ولا قبلوا أن يحتكموا إلي قواعد العدل الإلهي التي ساوت بين البشر بغض النظر عن اللون والجنس والعقيدة..رغم تبجحهم بانتمائهم إلي ديانة التسامح التي بشر بها سيدنا المسيح عليه السلام.

 

ورغم المحنة التي تعرضوا لها في أحداث 11/9 من عام البرجين لم يتعظوا، فقد ظلوا على رفضهم للتشريع المستند إلي قواعد العدل الإنساني فلم يقبلوا بالحكمة القائلة: " البينة على من أدعى، واليمين على من أنكر"، وأن التهمة بغير إقامة الدليل هي عدوان، وهي تشريع الأقوياء، وهي فلسفة من يعتقدون في أنفسهم أنهم أنصاف آله وأنهم من فصيلة غير فصيلة البشر.

 

تاريخيا..استباحوا وأعطوا لأنفسهم الحق أن يصنفوا الآدميين من غير ذوي البشرة البيضاء بأشباه آدميين لم يصلوا بعد إلي مراحل النضج السياسي والإنساني يجعلهم قادرين على تحمل مسئولية إدارة شئونهم..ففرضوا عليهم الوصاية خوفا وحرصا عليهم من أنفسهم..هكذا فعل البريطانيون والفرنسيون من بيض البشرة أبناء أوروبا. ثم تفننوا في تقسيم جديد مبني على قاعدة التخلف، وبدلا من أن يساعدون المتخلفون راحوا ينصبون أنفسهم أوصياء عليهم ويقتسمون ثروات الضعفاء فيما بينهم.

 

ثم جاءت النازية والفاشية وهي من إبداعات الرجل الأبيض لتضيف وتعدل من جديد في قواعد التقسيم والتصنيف بين البشر، فاعتمدوا قاعدة التمييز العرقي، فوجد البشر من غير أصحاب البشرة البيضاء أنفسهم في جداول التقسيم لكائنات غير بشرية وبذلك زاد تعداد مجتمع القرود.

ولم يتوقف التقسيم عند اللون، وإنما أضافت فلسفة التمييز بعدا آخر هو البعد الجغرافي فسمي البؤساء والضعفاء والمتخلفين بدول الجنوب، أما المتحضرين والمتقدمين بفضل كفاءتهم وعرقهم الأبيض ودمائهم الزرقاء وعيونهم الخضراء هم من دول الشمال، والغريب _ يا صديقي _ أن جميعهم من ذوي البشرة البيضاء..وأصولهم أوروبية.

وهكذا، ظل تاريخ العلاقة بين الغرب الاستعماري والآخرين _ومن بينهم العرب والمسلمين_ انتقائي وغير متوازن وغير عادل، فالعربي والمسلم ليسوا في حاجة لبينة كي يقام عليهم القصاص، ولا قيمة لقسمهم كي تسقط من على ظهورهم الأحمال والتهم!!

 

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من عام البرجين تفتقت ذهنية وثقافة الرجل الأبيض عن تقسيم جديد خفيف الظل، يتعلق بالملامح وسمات البشرة. فتم رصد ملاح وقسمات الجنس العربي وعنونوها تحت مصطلح "ملامح شرق أوسطية"، وبذلك تحولت سحنة العربي إلي لعنة ترافقه أينما حل في بلاد الغرب المتحضر، فبمجرد أن يطل العربي بسحنته في أي ميناء جوي أو بحري غربي على الفور تستنفر أجهزة الكمبيوتر رجال الأمن والإطفاء. وامتدت لعنة التقسيمات الجديدة للبشر لتشمل كل من تقترب ملامحهم من "الملامح الشرق أوسطية" حتى وإن كانوا من جنسيات أوروبية مثل الطليان والأسبان والبرتغال.

 

وأخيرا..جاء كاو بوي من تكساس ليطور ويضيف. فأعتمد قاعدة جديدة لفرز البشر وتقسيمهم .. فتقدم باختراع جديد ليس له سوابق أو مرجعية. فصنف البشر والجماعات والأفراد إلي فئتين لا أكثر فئة الخير وفئة الشر. وتحولت أمريكا إلي قاعدة قياس واختبار للجميع بما فيهم البيض من جنسيات أخري..فمن كان معها ووقف خلفها صنف من الخيرين، ومن قال لها أن ثلث الثلاثة واحد، ورفض أن يخفض صوته قبل هامته..فهو شر ومن سلالة بني الشر.

هذا التصنيف للشعوب والجماعات والأفراد إن دَلَّ..فإنما يَدُّلُ على جهل قائله..لدرجة تتطلب إعادة تعليمه وتأهيله وتربيته من جديد..وأن يحرص أولياء أمره في أن يبعدوه عن اللعب مع البقر فقد تأثر وعيه بثقافتهم..خاصة الذكور منهم.

 

وهكذا، تحول العربي والمسلم الذي يُطْـعِـمَهُمْ من ثرواته بغير رِضَّا منه، إلي كائن لا يمارس الإرهاب فحسب، وإنما مرادف لمصطلح الإرهاب، فيكفي أن تذكر العربي أو المسلم حتى يطل الإرهاب بقرونه!! ولأنه أصبح على هذه الدرجة من الخطورة التي تهدد كل من يقترب منه أو يتعامل معه، أضطر الرجل الأبيض بوصفه الوحيد المنوط به حفظ الأمن والاستقرار العالمي أن يضع العربي والمسلم تحت مراقبته الدائمة،  ليجنبوه شرور النفس، والإضرار بالآخرين، لكن هذا يتطلب تواجدا قريبا ودائما من هذا الملعون الشرير، والتواجد يتطلب قواعد عسكرية ترهبه بوجودها، وتقمعه إذا ما عاث فسادا في الأرض.

 

وكم تمني كل أمريكي صهيوني أن يكون هناك إصلاحية للشعوب..حتى يدخلوا العرب والمسلمين فيها، ويعزلوهم عن باقي البشر حتى يستقيم سلوكهم. وحتى تشيد هذه الإصلاحية، وكإجراء مؤقت وانتقالي، فعلى الرئيس الأمريكي أن يتولى هو وإدارته رسم خريطة جديدة لهم، تشمل كل شئ. الحدود، الاحتياجات من أقلام الرصاص إلي الرصاص الذي يصوب لرؤوسهم. ما يتعلق بدورهم الإقليمي والدولي. تحديد من هم أعداءهم ومن هم أصدقائهم. أمنهم الوطني. احتياجات الدفاع عن هذا الأمن، فهناك مثلا أسلحة محظور عليهم شراؤها أو إنتاجها لأنهم لم يبلغوا سن الرشد بعد، وقد يعبث بها هؤلاء المؤذيين فتكون النتيجة كارثة. لكن تظل أهم أدوار الوصي على الأيتام من العرب والمسلمين هو أن يضع يده على ثروات أولئك القصر حتى لا يبددوها في شراء العسلية ونبوت الغفير والمصاصة .

 

وأخيرا صدر عن هُبـَلْ الجديد مشروعا لإصلاح ما لا يمكن إصلاحهم وهنا يبرز دليل جهله..وأنه ثرثار أكثر منه رجل دولة حتى وإن كانت هذه الدولة هي الولايات المتحدة الأمريكية. فكيف يا هُبــَـلْ يمكن إصلاح حال الشرق بمفسدين؟ مرتشين، ومكروهين من شعوبهم. وهل من أهم شروط الإصلاح أن يكون القائمين عليه من أتباعكم الخاضعين لإرادتكم؟ المشاركين لكم استغلال شعوبهم وقهرها؟ لا أصلحك ولا أصلحهم بك الله!!!!

فضلا عن ذلك أن المتقدم بالمشروع هُبَــلْ وإدارته الصهيونية _أصلا_ أصبحوا في مركز دائرة الكراهية من قبل العرب والمسلمين..كراهية فاقت كراهيتهم لحكامهم.

 

لهذا فإننا لا ننظر لمشرعه المسمي " بالشرق الأوسط الكبير" على نحو جدي، فما يطرحه بن بوش ليس أكثر من مادة دعائية تستهدف توجيه الأنظار إلي أمور هامشية لكسب مزيد من الوقت..ونعتقد أن هذه الحملة الدعائية موجهة أصلا للشعب الأمريكي نفسه..وليس لسكان الشرق الصغير أو المتوسط أو الكبير..فالهاء الشعب الأمريكي بمشاريع وهمية مطلوب لكي تنسيه ما يجري لأبنائه على أيدي المقاومة العراقية الباسلة.

 

لكن ما يؤلمن النفس ويعذبها أن مجموعات من الكتاب المخبرين المأجورين في أجهزة الدعاية الناطقة بالعربية راحوا وبكل حماس يروجون لمشروع هُـبَـلْ  لشرق أوسط كبير..فأعادوا ترديد شعاراتهم المملة في الإصلاح والتغيير وتبادل السلطة وبناء الديمقراطية..وتحفيزهم للحكام الْـقِرَدَة أن يستجيبوا لدعوة بوش.

 

أعود لأستأذنكم في أن نلقي معا نظرة على قراءة عدد من صفحات التاريخ مرتبطة بموضوع الإرهاب .. أي قبل أحداث 11/9 من عام البرجين بنصف قرن. فقد كان العرب والمسلمون يذكرون الأمريكيين بكل خير. وكانت نيويورك في كتب التاريخ والجغرافيا العربية والإسلامية، هي تلك المدينة التي تتباهى بوجود تمثالا للحرية لم يشيده الأمريكيون بل اشتروه. أما واشنطون فهي عاصمة الأمريكيون وبها مقر الرئيس ويعرف بالبيت الأبيض نسبة إلي أن أول رئيس أمريكي أقام فيه كان يتعاطى بتجارة البيض، وأن مكتبه مشيد على شكل بيضة، ومطلي من الداخل والخارج باللون البيضي كلون قلب الرئيس.

 

وكان سفرائهم الجوالون في العالم العربي والإسلامي هم جاري كوبر، وجيلن فورد، وريتشارد ودمارك، وجيمس ستيوارت، وروبرت تايلور، وجون واين. وكنا ونحن صغار نصفق بحماس شديد للشَّجِيعْ الأمريكي الذي يطارد الهنود الحمر الأشرار الذين أتوا من أوروبا ومن بيلا (مسقط رأسي) بمحافظة كفر الشيخ بمصر لكي يحتلوا أمريكا !!

 

في ذلك الوقت لم يكن الدور الأمريكي قد تحددت ملامحه في المنطقة العربية والعالم بعد، ولم نكن قد شاهدنا بعد وجه رامبوا الشرس، ولم يكن بن لادن قد تحول إلي مشروع طفل. ففي هذه الفترة كان الجزء الأكبر من بلاد العرب والمسلمين يقع تحت سيطرة الرجل الأبيض البريطاني والفرنسي والإيطالي والأسباني، فبماذا وصف الجنتلمان الإنجليزي المصريين المتمردين علي الخضوع لوصايته؟

 

ونقلا عن الوثائق:

اسمحوا لي أن أقدم عددا من الرسائل وما احتوته من توصيف للمصريين الرافضين للوجود الاستعماري الإنجليزي بالإرهابيين وقد ورد وصف المصريين بالإرهابيين في الرسائل التي كانت تبعث بها الإذاعة الموجهة إلي محطة الإذاعة البريطانية BBC. وقد اضطلعت عليها في مؤلف أستاذنا د. محمد أنيس والمتعلق بحريق القاهرة.. فكانت على النحو التالي:

_ الإذاعة الموجهة إلي محطة الإذاعة البريطانية BBC رقم 2492 بتاريخ 21/12/1951 : " ويعتبر إعلان منع حالة التجول تشددا من الجانب البريطاني ضد الإرهابيين (المصريين)…"

_الإذاعة الموجهة إلي محطة الإذاعة البريطانية BBC رقم 2493 بتاريخ 22/12/1951 :" في منطقة القنال وفي جو يسوده التوتر يحتفل رجال القوات البريطانية وعائلاتهم بعيد الميلاد في مخيمات عسكرية محاطة بالأسلاك الشائكة يقوم على حراستها حراس لا يغفلون خوفا من هجمات الإرهابيين ( المصريين)"

_الإذاعة الموجهة إلي محطة الإذاعة البريطانية BBC رقم 2495 بتاريخ 22/12/1951: "لم تهدأ حدة الهجمات الإرهابية التي شنت على القوات البريطانية ومنشآتها بمنطقة قناة السويس خلال أسبوع…وقد رد المصريون بعد بضعة ساعات على اقتراح الجنرال أرسكين سالف الذكر بأن أوقع الإرهابيون (المصريون) دورية من البوليس الحربي البريطاني في كمين…ونظرا لاستمرار الشغب في منطقة الإسماعيلية أصدر الجنرال أرسكين أمرا بمنع التجول من غروب الشمس إلي شروقها ."

_الإذاعة الموجهة إلي محطة الإذاعة البريطانية BBC رقم 2504 بتاريخ 29/12/1951: "وفي اليوم التالي لعيد الميلاد أصدر القائد العام للقوات البريطانية " جنرال أرسكين " في مصر إنذارا للفدائيين المجندين من الجامعات المصرية وكانت قد نشرت الجرائد المصرية أنهم في طريقهم إلي منطقة القناة للعمل ضد الجيوش البريطانية هناك ، وصرح الجنرال " أرسكين " أنه سوف يضطر إلي سحق هذه القوة…".

_الإذاعة الموجهة إلي محطة الإذاعة البريطانية BBC رقم 2507 بتاريخ 31/12/1951: "وصل هذه الليلة إلي مقر عمله بمنطقة قناة السويس بريان روبرتسون قائد قوات الشرق الأوسط البرية وقد قال حين وصوله "…وما أقوله الآن أقرني عليه رئيس الوزراء في ختام مناقشاتنا. أن الحكومة البريطانية عازمة على أن تسير إلي الأمام باقتراحات الدول الأربع لإقامة دفاع مشترك عن الشرق الأوسط الذي نأمل خالصين أن تشترك فيه مصر اشتراكا على قدم المساواة. وإلي أن نصل إلي هذا الاتفاق فإن الحكومة البريطانية ستحتفظ بمراكزها في منطقة القنال لتؤيد حرية الملاحة العالمية وليس في هذا أي نوع من الإيثار بل هو عمل نضيفه إلي عملية الدفاع عن العالم الحر. وأنه من الخطأ أن يتصور أحد أن أعمال الضغط والإرهاب وما يمكن أن ينتج عنها سوف تفت في عضدنا…ولدينا من القوة ما يكفي لذلك كما تعضدنا دول أخري." وهي نفس الجملة التي تعودا على استعمالها طوال تاريخهم وحتى الآن كلما وصلوا إلي أراضي ودول الآخرين.

_الإذاعة الموجهة إلي محطة الإذاعة البريطانية BBC رقم 2510 بتاريخ 1/1/1952: "بعد مطلع اليوم الأول من السنة الجديدة بدقائق أطلق الإرهابيون (المصريون) النار على مراكز  الحراس البريطانيين ، وعلى حاملة بنادق وأسلحة أوتوماتيكية."

_الإذاعة الموجهة إلي محطة الإذاعة البريطانية BBC رقم 2528 بتاريخ 11/1/1952:" قام أربعمائة رجل في فجر اليوم بتفتيش قريتين جنوب الطريق بين الإسماعيلية والتل الكبير والتي شن منها الإرهابيون (المصريون) في هجماتهم يوم الأربعاء الماضي على القوافل البريطانية…وتقول الصحف المصرية اليوم أن أول فصيلة من طلبة الأزهر غادروا القاهرة اليوم ليشتركوا في القتال وأن أساتذتهم المسلمين قد باركوا هذا الفوج الذي يهب حياته لتحرير بلادهم من الاحتلال البريطاني."

_الإذاعة الموجهة إلي محطة الإذاعة البريطانية BBC رقم 2535 بتاريخ 14/1/1952: "يصرح البلاغ البريطاني الأخير الصادر من منطقة قناة السويس بوقوع نشاط آخر للإرهابيين (المصريين) ورد الجانب البريطاني…وفي الصباح المبكر حاصرت جماعات من الكتيبة الأولي "لانكشير ريكويمنت" قرية أخري شمال الإسماعيلية لما تبادر إليها من شك من أن القرية قد آوت الإرهابيين…"

_ الإذاعة الموجهة إلي محطة الإذاعة البريطانية BBC رقم 2536 بتاريخ 15/1/1952: "استخدم لأول مرة اليوم مدافع الميدان ضد الإرهابيين (المصريين)…وفي العاصمة أشترك آلاف من الطلبة في تشييع جنازة مصري قتل بالقرب من التل الكبير…"

_ الإذاعة الموجهة إلي محطة الإذاعة البريطانية BBC رقم 2552 بتاريخ 19/1/1952: "أعلن البلاغ البريطاني أن النشاط الإرهابي ( المصري) قد ازداد لدرجة كبيرة…وتنضوي تحت هذا البلاغ الرسمي لحوادث اليوم قصة أعنف هجوم قام به الإرهابيون ( المصريون) ضد القوافل البريطانية…"

 

هذه هي الصفات التي نعتوا بها المصريون .. بأنهم إرهابيون ويجب سحقهم !! على الرغم من محاولاتهم السلمية المتكررة _ وهي كثيرة _ لنيل استقلالهم. فقد أعطى المصريون المحتل الإنجليزي الكثير من صبرهم طوال 74 سنة، كما أعطي الجزائريون ضعف ما أعطاه المصريون من صبر للفرنسيين 130 سنة، لكنهم في النهاية لم يصلوا لشيء، فالرجل الأبيض كان يملك بيده مفاتيح القوة والسيطرة، وبعض الجزرات التي كان يستخدمها في علاج البروتستاتا للقيادات السياسية المصرية المتعاونة معه في السر والعلن. وكان الجنتمال الإنجليزي المتحضر في موقف لا يشعر فيه بتهديد حقيقي يجعله يفكر في تفاوض جاد مع المصريين، وبالتالي فهو ليس مجبرا على تقديم تنازلات لهؤلاء الإرهابيين !!

 

وعندما كان السادة البريطانيون يتعطفون ويسمحون بإعطاء المصريين هامشا من الحرية يمارسون من خلاله الحكم الذاتي، كانت هذه النزوة مرتبطة بظرف محدد ولمدة محددة .. أقدموا على ذلك عندما سمحوا لمصطفي النحاس زعيم مصر المدعوم بالأغلبية الساحقة من الشارع المصري، بتولي الحكم الذاتي لفترة ارتبطت بظروف الحرب العالمية الثانية، وعندما وصل النحاس للحكم على صهوة الدبابات الإنجليزية في حادث 4 فبراير الشهير، ظل هذا الحادث المشئوم بمثابة بقعة سوداء على رداءه الوطني لا تمحوه السنين.

 

استمرت زعيمة العالم الحر بريطانيا _آنذاك_ على عنادها لا تريد الرحيل سلميا، ولم يتبقى أمام العرب المصريون غير تطبيق الشعار الخالد " أن من احتل أرضا بالقوة لن يرحل عنها بغير القوة" ورحل الديمقراطيون المتحضرون عن جزء كبير من أرض العرب بالقوة، لكنه كان رحيلا مؤقتا، فقد ابتكر الرجل الأبيض الفهلوي وسائل متعددة كي يستمر استغلاله للآخرين، فمن خرج بإرادة القتال والتحرير، عاد ليواصل استغلاله وسيطرته بحيل العولمة، وبمشاركة من سماسرة الأوطان وهي نخب اجتماعية محلية منتشرة كلأدران على جسد العالم الثالث.

 

نصف قرن من الزمان قد مضي على الرسائل المتبادلة بين الإذاعة الموجهة والإذاعة البريطانية BBC لم تتبدل النظرة للعربي كإرهابي. ومن المؤكد أن من سيبحث في مجمل وثائق الرجل الأبيض سيجد صورة العربي والمسلم، مبوبة على شكل كائنات متخلفة متصارعة دينيا، ومتناحرة عرقيا، ومتقاتلة قوميا، محصلة القول كائنات مبتذلة السلوك يبددون ما في أيديهم، ويهددون بتدمير ما في أيدي الغير، وبأنهم غير قادرين على دفع تكاليف الحرية وصيانتها، وما كان لهم أن يتمردوا على حكم الرجل الأبيض، فتلك كانت جريمتهم الكبرى التي ارتكبوها في حق أنفسهم.

 

ألم يكن العرب تحت وصاية الرجل الأبيض أفضل حالا عما هم عليه الآن؟ ألم يدرك هؤلاء العرب السذج المتخلفون أن الرجل الأبيض بيده قدرات علمية وتكنولوجية واقتصادية وعسكرية تمكنه من بسط سيطرته ونفوذه بالقوة على الكل إن شاء؟

فلماذا لا يستمعون لصوت العقلاء منهم، التسليم الكامل لشروط الرجل الأبيض. والآن، ونحن نعيش عصر الفاشية الأمريكية التي تتولى نهب ثروات الأيتام القصر على مستوى العالم كله..تتكرر نفس المعادلة التي أعتمدها المتحضرون السابقون من سادة أوروبا..فمن يقبل بشروطهم واستغلالهم وسيطرتهم فهو عقلاني وواقعي ومن الخِّيِرِينْ، أما من يتجرأ فيرفض ويقاوم ... فهو إرهابي.

هكذا، انحصر الاختيار أمام الأيتام القصر في وطننا العربي إما أن يكونوا واقعيون خونة، أو شرفاء مقاومون .. فتعلق في أعناقهم أجراس الإرهاب .. يا سبحان الله.