القرار 1559
مدخله لبنان – هدفه سوريا – اختباره العراق
بقلم : حسن
بيان
- لبنان
لقد فتح القرار 1559
الباب واسعاً امام سجال سياسي داخلي على أرضية موقفي "الضد - والمع" وكأنه
لم يكف هذه الساحة من تعقيدات وتشظٍ بكل ما يتعلق بالجوانب العامة للوضع اللبناني
على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن هذا لا يعني أن لا
يتم تناول هذا القرار وتداعياته نقاشاً خاصة وأن ظاهره يبدي اهتماماً بلبنان، لكن
أن تندفع الأطراف السياسية للتعامل معه وقوفاً على طرفي النقيض، ففي ذلك اضافة
عنصر تعقيد جديد الى المعطى الداخلي يحول دون تضييق مساحات الاقتراب من صياغة موقف
وطني من استحقاقات داخلية وخارجية وقضايا حياتية حيوية.
إن القرار 1559 التي
أضيئت إشارته في لحظة "تكويع دولي" للدخول الى المسار اللبناني ظناً من
البعض أنه بداية صحوة أميركية أولاً ودولية ثانياً ومحاولة تكفير عن إثم ارتكبته
أميركا بحق لبنان نعتقد أن ظنهم ليس في مكانه لأن أميركا لو لم تر في القرار مصلحة
ذاتية شديدة الحيوية لها، لما أقدمت على استصداره وأن بمسحة فرنسية بسبب خصوصية
الإرث التاريخي للعلاقة الفرنسية اللبنانية.
وهذا بالطبع ليس
افتراءً بل لأن سياقات الأحداث اثبتت أن أميركا التي لم تعر اهتماماً للشرعية
الدولية في كثير من القضايا الساخنة ما كانت لتلجأ الى هذه الشرعية لو لم تر مصلحة
تتعلق بأهدافها الإستراتيجية.
فنحن لسنا ضد أن يولي
المجتمع الدولي اهتماماً بلبنان ويمكنه من تجاوز أزمته السياسية والاقتصادية لكن
أن تسارع اميركا الخطى لإستصدار قرار في حجة أن الحكم في لبنان أقدم على خطوة غير
دستورية عبر تعديل الدستور لتمديد الولاية الرئاسية فهذا يتجاوز علامات الإستفهام
حول هذه الغيرة الأميركية، الى وضوع موقف اميركي يريد أن يجعل من تدخله في لبنان
عبر القرار1559 مدخلاً جديداً لممارسة ضغط على سوريا عبر البوابة اللبنانية.
فإذا كانت أميركا
تعتبر لبنان منتقص السيادة فلماذا تأخرت كل هذه المدة في طرح هذه المسألة؟ وإذا
كانت حريصة على أن يستعيد لبنان حريته واستقلاليته ويعيش في ظل نظام محكوم
بديمقراطية الحياة السياسية فعلاً لا قولاً فلماذا كانت تقف حائلاً دون تنفيذ
العديد من القرارات ذات الصلة بالموضوع؟
إن هذا التساؤل
المشروع والمفهوم، يدفعنا أن نطرح أكثر علامة استفهام حول التوقيت الأميركي
لإستصدار القرار المذكور. وتقديرنا أن السبب الأساس ليس مساعدة لبنان عبر آلية عمل
دولية بل الضغط على سوريا عبر مدايات دورها الاقيليمي واسقاط الاضافات التي حظي
بها الدور سابقاً في ظل رعاية دولية لم تكن أميركا بعيدة عنها. والذي منح سوريا
عناصر تأثير سياسي أكثر مما تمنحه لها معطيات الجغرافيا السياسية وعناصر قوة
الموقع السوري بالقياس الى مواقع عربية واقليمية أخرى.
وهذا ان دل على شيء
فإنما يدل على أن الموقع السوري قد أصبح تحت تأثير الضغط الأميركي المباشر وغير
المباشر وضمن سياقه يأتي الطلب الأردني بإعادة ترسيم الحدود وبما يذكر بالطلب
الكويتي لإعادة ترسيم الحدود مع العراق عندما بدأت التحضيرات العملانية لمحاصرة
الموقع العراقي واسقاطه وضمن سياقه أيضاً تأتي التغطية الأميركية السياسية للعمليات
الإسرائيلية الأمنية في الداخل السوري.
على هذا الأساس إن
القرار 1559 هو قرار أميركي متظلل بشرعية دولية تريد أميركا من خلاله تسخين ساحة
لبنان في وجه سوريا باعتبارها صاحبة مشروع سياسي بحكم الجغرافيا السياسية
والعلاقات التاريخية والهدف من هذا التسخين جر سوريا لمساعدتها على تبريد ساحة
العراق أميناً وسياسياً.
إن أميركا التي بدأ
مشروعها في العراق يواجه تعسراً جدياً بسبب فعل المقاومة المتنامي والشامل تتحرك
في أكثر من اتجاه لإنتزاع مواقف مساعدة من كل من تعتبر أن بامكانه تقديم مثل هذه
المساعدة بالسيطرة على الوضع في العراق وإن سوريا واحدة من هؤلاء. وحتى لا يكبر
الدور السوري بالنظر الى ضمور الدور العراقي بسبب الاحتلال وتداعياته وتصبح سوريا
مهيئةً لحمل لواء مشروع سياسي حيال العراق على قاعدة شرعية المقاومة ومساعدتها
تأتي الخطة الأميركية لتمارس ضغطاً على سوريا بهدف انتزاع موقف حده الأقصى اشراك
سوري في دور أمين وسياسي في العراق ضمن القناة الأميركية وحده الأدنى اعادة تحجيم
الدور السوري عبر الضغط الأمني والسياسي والاقتصادي وبما يجعله في موقع محض دفاعي
عن الذات ومنعدم القدرة على التدخل خارج حدوده ومقدمةً باثارة مشاكل داخلية يلهيه
عن اي عمل آخر. ضمن هذا السياق أتى القرار 1559 وأنه على ضوء ما ستسفر عنه عملية
الضغط الأميركي المتعدد الأوجه وبدءاً من قانون محاسبة سوريا وانتهاءً بهذا القرار
ستتحدد الآليات التنفيذية له. فإن تعاونت سوريا مع أميركا في موضوع العراق أدخل
هذا القرار ضمن أرشيف القرارات السابقة واصبح الوجود السوري عامل استقرار. وإن
مانعت سوريا الضغوط الأميركية ارتفعت حدة المطالبة بتنفيذه لأن الوجود السوري في
لبنان يعيق استعادة الحياة السياسية الطبيعية.
من هنا نقول أن
القرار 1559 الواضح في استهدافاته يجب أن لا يكون سبباً لتسرع اللبنانيين في
اندفاعهم نحو انشطار جديد في المواقف حوله. فهو لم يصدر استجابةً للذين رحبوا به
ويطالبون باخراج القوات السورية ولن يوقف تنفيذه استجابةً لمواقف المعارضين له. فهو
أن خص لبنان بمفرداته فإنه يخص سوريا باستهدافاته ومجال اختباره العملي هو ساحة
العراق. ونحن ضد أن يكون لبنان ورقة ضغط أميركية على سوريا أياً كانت التبريرات
والحيثيات. إن مصلحة لبنان وسوريا والعرب والعالم أيضاً وكل من يعاني من الاستفراد
الأميركي أن يساند موقف سوريا في مواجهة الضغوط الأميركية المغلفة باشكال مختلفة
لأن نوايا أميركا ليست خافية على أحد فهي سيئة وعدوانية جملة وتفصيلاً ولن ننغش
أبداً بجميل منمق الكلام عن الإستقلال والسيادة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحتى
لا تتكرر التجربة مرة اخرى مع العرب "إنني أكلت يوم أكل الثور الأبيض".