في مواجهة الاحتلال

 

 

 

بقلم : د. شاكر الحاج مخلف *

Al-madar@maktoob.com

 

بعد أكثر من عام على احتلال العراق وتدمير البنية التحتية له والكم الكبير من القصف والقتل وسوء الإدارة ، في 30/8/2004 نشرت مجلة " TIME" الأمريكية مقابلة مع الرئيس الأمريكي " جورج دبليو بوش " قال فيها مدافعا عن قراره الذي أرسل بموجبه القوات الأمريكية لتحتل العراق ولتواجه الموت والقتل هناك " أن قرار غزو العراق والإطاحة بنظام رئيسه  "صدام حسين " كان سليماً " ليس ثمة جديد في هذا المقطع ولكن الصدمة الكبيرة جاءت من الجزء الأكثر خطورة في المقابلة عندما أضاف الرئيس واصفاً نفسه بأنه الشخص الذي يصنع التاريخ !! ، كما تعهد بهزيمة الإرهابيين الوهميين المتربصين بالولايات المتحدة في الخارج قبل أن يهددوا الأمن والسلام ، وفي مكان غير بعيد عن المكان الذي يلقي فيه خطابه المثير للجدل ، كنت ضمن المسيرة الحاشدة التي شارك فيها أكثر من 250 ألف مواطن أمريكي هي الأكبر من أية تظاهرة احتجاج حصلت في الولايات المتحدة ، كان العنوان الأول لتلك الجموع الغاضبة الاعتراض الواضح على سياسات الرئيس الأمريكي وخاصة المتعلقة منها بالعراق المحتل ، شخصيات قيادية مرموقة في الولايات المتحدة ونقابات ومنظمات إنسانية وسياسية ومجموعات من المحاربين الذين خاضوا القتال وخبروا ويلات الحرب في فيتنام إلى جانب أنصار حقوق المرأة وعمال الصلب العاطلين عن العمل ، أمام السيل العارم الغاضب أغلقت الشرطة كافة الطرق المؤدية إلى ميدان " ماديسون سكوير جاردن " في مانهاتن حيث كان الحزب الجمهوري يعقد مؤتمره كما استخدمت فرق مكافحة الشغب الكلاب البوليسية لتفريق المتظاهرين واعتقلت فيما بعد في أماكن متفرقة أكثر من 900 متظاهر ، الرئيس صانع التاريخ يواصل إلقاء خطابه الذي كان يبدو للأمريكيين وللعالم قاطبة غريباً ، حمل الخطاب أقوالاً حسبتها الصحافة هنا وكذلك رجال الإعلام من نوع الدعاية غير المتوازنة مع ما يحدث وخاصة عندما وصف ما يقوم به على أنه " كفاح أيديولوجي طويل المدى " مشيراً في الوقت ذاته أنه ليس مؤرخاً بل " الشخص الذي يصنع التاريخ " الرئيس يدرك بوضوح ودقة موقعه في أذهان النخبة المتعلمة من رجال العلم وأساتذة البحث ، هو يرى الأمور هكذا عندما أضاف في خطابه " معظم المؤرخين لن يصوتوا لي ، ومن ثم لا أظن أنهم قادرون على كتابة تاريخ موضوعي لكنني اعتقد أن التاريخ سيعترف على المدى البعيد لهذه الحكومة بأنها حققت الكثير من الإنجازات " على بعد لا يتجاوز الخمسة كيلومترات من الموقع الذي كان يلقي فيه خطابه ثمة شاهد كبير على بداية السيناريو المرعب الذي أحاط بالولايات المتحدة وبكل العالم ، أقصد موقع برجي التجارة المنهارين ، وفي مكان آخر كان الشعب الأمريكي الواعي يختار طريقة أخرى معاكسة للرد على التضليل والكذب ويدون بشرف وامتياز إنساني كتابة التاريخ ، الشعب هنا أكبر من الرئيس وأكبر من قوى التضليل والظلام ، والعوامل الجديدة في الصراع تأخذ منحى يوصف بالخطير والمدمر وغير المرغوب ، في تظاهرة الاحتجاج بدا واضحا المقصود في التعبير الرمزي الذي صار يتداخل مع المدلول السياسي وتضميناته ، ما الذي دفع الجماهير المعترضة بأشكال حضارية أن ترفع في تلك المسيرة الحاشدة توابيت رمزية للجنود الذين قتلوا في العراق ..؟ هي محاولة لم يتوقعها الرئيس ، الجماهير تصنع تاريخ جورج دبليو بوش ، ولماذا صممت التظاهرة صوراً للرئيس وهو معمم وله لحية بيضاء ويبدو شكله قريب الشبه من الشيخ " بن لادن " ..؟ كنت أتمنى أن يطل من تلك المنصة التي كان يقف عليها ليرى كيف بدأ الأمريكيون الشرفاء يحرقون دمى كبيرة له ولحليفه " توني بلير – كذاب بريطانيا " ، ربما تسلل بعض المتظاهرين واندسوا بين أنصاره وقاطعوا خطابه وتجرأ أحدهم ليقول بصوت قوي للرئيس الذي يصنع التاريخ " صه ، أنت كذاب كبير !!" في تلك التظاهرة من الرموز التي أعرفها " القس جاكسون والصديق المخرج السينمائي مايكل مور – صاحب فيلم 11/سبتمبر فهرنهايت " ، ماذا نقرأ في تلك الماسكات ذات التعبير الواضح الذين يدين الحرب على العراق بكل بشاعتها ، وكيف نفسر أيضا تلك الكرة الكبيرة التي رفعها المتظاهرون وخلفها دمية للرئيس صانع التاريخ وهو يقوم بحرق تلك الكرة وما عليها !!، إضافة إلى تلك الصور التي رسمت بشكل مشوّه للرئيس وهي تؤكد مضامين تعتبره " النازي ، دراكولا العصر ،ستالين أمريكا ، الفاشي ، نيرون " تلك الأشكال الخرافية الشيطانية الملامح تحيط بها الحناجر الغاضبة وهي تردد نشيد الجندية العسكرية الأميركية وقد استبدلته إلى نشيد ضد الحرب ، في أقصى مراحل الاحتجاج افترشوا الأرض وتمنعوا على رجال الشرطة ، ربع مليون إنسان أميركي يستنكر والرئيس يقول أنه يصنع التاريخ ، تلك الحشود امتدت لمسافة اكثر من ميل على أحد الطرق الرئيسية بالمدينة ، في الصيحات القوية كما الهتاف الواضح الذي ينطلق من حناجر الجماهير الغاضبة " أسامة بن لادن صديق بوش " و " بوش يكذب في عدد القتلى من جنود أمريكا " و " الكراهية ليست قيم أخلاقية " وهذه إشارة واضحة وصريحة إلى قيم الحرب التي صنعها الرئيس " جورج دبليو بوش " في العراق ..!! في موازاة إعلانه قبول الترشيح للانتخابات الجديدة هو يواجه متحدياً ديمقراطياً يحظى بالكثير من التأييد لم يتردد الرئيس جورج دبليو بوش بأن يصف نفسه بأنه حامي أمريكا والمدافع عنها ضد الإرهاب !! ورغم الخسائر البشرية الكبيرة في القوات المتواجدة في العراق وأيضا التدهور الاقتصادي في الولايات المتحدة ، هو يعتبر نفسه صانع التاريخ وأن حربه قد نجحت وستسمح للولايات المتحدة بالانتصار على الإرهابيين كما يعمل على خلق المزيد من الحرية في الشرق الأوسط الكبير ، يقول الجنرال " ويسلي كلارك " * في كتابه الصادر حديثا والذي يعالج نتائج الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق " كسب الحرب الحديثة –Winning Modern Wars  " فقدنا ذلك الفرح الغامر بالنصر المبكر والسريع والحاسم الذي حدث في العراق ، لقد تلاشى كل شيء وصار يستوطن فينا القلق المتزايد والرهيب حيث الدلائل تؤكد أننا بدأنا نواجه العواقب الوخيمة التي ستدخل أفق المستقبل وتستمر طويلاً " وفي التقرير الذي أصدره مؤخراً المحلل العسكري البارز " أنتوني كوردسمان " الذي نشره مركز الدراسات الستراتيجية الدولية في واشنطن يقول " أن البنتاغون ليس لديه خطط فعالة للتعامل مع التدهور الكبير الحاصل في العراق " لم ينسى الرئيس في ذلك الخطاب أن يوجه الاتهامات إلى خصمه المشاكس الذي أتهمه في مدينة " سبرينغفيلد " أنه لن يتخلى عن التزامه بالدفاع عن أميركا التي أصبحت عرضة للانتقادات بسبب الذين رفضوا أن يخدموا عندما كانوا قادرين على ذلك وبسبب أولئك الذين قادوا الأمة إلى الحرب على العراق ! ورغم تواصل خطابات الرئيس " جورج دبليو بوش " في أنحاء كثيرة من الولايات المتحدة وفي وسائل الإعلام المؤثرة إلا أن الجميع ينتقد سياساته في الداخل والخارج حيث يتفاقم مستوى الغضب وقد طفح الكيل لدى الديمقراطيين وبين المعتدلين من أنصار الحزب الجمهوري ، تلك التظاهرة التي قادها أتلاف التوحد من أجل السلام والعدالة هي واحدة من العلامات المهمة المعارضة لسياسة الرئيس وحربه المتواصلة في العراق ..

 

أكبر من كوابيس فيتنام

أستيقظ حاكم " أيداهو " على صوت قرع الطبول التي كانت تختلط بهتافات معادية للحكومة الأميركية وسط جوّ احتفالي في تلك التظاهرة الكبيرة ، ذلك الحاكم يحمل في أعماقه الصدمة الدائمة من أهوال الحرب بعد موت أعز صديق له بين ذراعيه وذلك في أيام حرب فيتنام عام 1971 أول أمس وأنا أكتب في فصول كتاب " في مواجهة الاحتلال " كان الحاكم " توم تيتوس " يمرّ بأسوأ تجربة عندما دفن أبنه " براندون " البالغ 20 عاماً والذي قتل يوم 16\ أغسطس في العراق ، القتل يتكرر والموت المأساوي ينشر خيمته في عموم الولايات الأميركية ، كل يوم الناس يفقدون أبناءهم في تلك الحرب المدمرة لكي يصنع الرئيس التاريخ الذي يريد ! وفي التقارير القليلة التي تنشر في الولايات المتحدة نادراً ما يسمع الأميركيون عن قتلاهم الذين يظهرون مجرد أسم أو صورة ضمن قائمة القتلى التي تزداد طولاً يوماً بعد يوم ، لكن قصة براندون كما نشرتها الصحف الأميركية المقربة من حاكم الولاية تؤكد أنه كان يعمل ضمن أطقم عربات " همفي " العسكرية في العراق ، أن حادثة قتله هناك اكتسبت أهمية خاصة بسبب مكانة والده كحاكم ولاية ، ذاك الذي كان ذات يوم نجماً لموسيقى الروك في الستينات ونجا من الموت في حرب فيتنام رغم أصابته مرتين وبسبب الرسالة المؤثرة التي تركها الجندي الأمريكي المقتول وأوصى بان تفتح في حالة وفاته ، قبل ذهابه للعراق مشاركاً في الحرب كتب " براندون " رسالة على اسطوانة مدمجة بعنوان " حان وقتي " تقرأ تلك الرسالة في حالة عدم عودته حياً من العراق ، أنفجر والده في البكاء عندما قرأها بصوت عالٍ ، تقول الرسالة : " تعلمت الكثير من والدي وأردت أن أكون مثله ، أن أفعل شيئاً يجعله فخوراً بيّ ، عندما كنت في المدرسة الثانوية كنت معادياً لكل أشكال الحرب وأرفض تماماً احتلال أي دولة في العالم " قال والده بعد أن قرأ الرسالة وقد غلبته دموعه ما كان يجب أن أدفنه .. كان يجب أن يدفنني هو .. الحرب لا تستحق ذلك ، الآن يتعين علينا أن نخرج من العراق !!" شبح فيتنام يلقي بظلاله على واشنطن ويتحول إلى كابوس يطارد المارد الكوني الذي يشاهد كيف تبدو دولته " أقوى دولة في العالم " ضعيفة وعاجزة أمام الغضب العادل والمنازلة البطولية لشعب شجاع يستحيل قهره وإخضاعه كالشعب العراقي ، وهاهو رامسفيلد وزير الدفاع الذي عرف بعنجهيته وتصريحاته الاستفزازية يعترف رسمياً بوجود مشاكل في العراق " أن الولايات المتحدة قد تبدأ سحب القوات من العراق قبل أن يحل السلام في تلك البلاد " وأضاف في ذات التصريح " العراق لم يكن في يوم من الأيام يعمه السلام أو مثالياً ومن غير المرجح أن يكون كذلك " ، ويقول الجنرال " تومي فرانكس " في كتابه الصادر حديثا عن الحرب ضد العراق الذي يحمل اسم  " جندي أمريكي " " أن الناس في الولايات المتحدة لم يكونوا على علم كافٍ بكثافة المعارك التي خاضها جنودنا في العراق ، ثلاثة من المعارك في كربلاء ومحيطها كانت حامية الوطيس وهي قريبة الشبه بتلك المعارك القوية التي دارت خلال الحرب العالمية الثانية ، لقد خاض المارينز معارك طاحنة مع بقايا وحدات الحرس الجمهوري التي نجت من الهجمات الجوية المكثفة، وواجهوا أيضاً عدة مئات من المقاتلين الأجانب من مصر والسودان وسوريا وليبيا ممن تلقوا تدريبات من جانب النظام "  كونداليزا رايس تتشح بالسواد شأنها شأن جميع البائسين والمحبطين الذين بشروا بأن المغامرة العراقية ستنتهي على جناح السرعة كي يسكتوا أصوات الذين حذروا من العواقب وجحيم المقاومة * ،الآن أكتب لكم فصول هذا الكتاب عن يقين راسخ وأنا اعرف بلادي وشعبها ، وأدرك تماما أن النصر في متناول بنادق الثوار ،ودون تردد أقول ؛ أن قيادة الولايات المتحدة قد غرر بها ودخلت الفخ الأكثر خطورة في العالم كله * ، الرئيس الأمريكي البعيد عن الموت والقتال يعاكس أماني جنوده ليقول في " ميسوري " قبل وصول عدد القتلى إلى الألف " أن الأمريكيين يصلون من أجل القتلى وعائلاتهم ووعدي لهم هو أننا سنكمل المهمة حتى لا تكون حياة الأبن أو الزوج أو الزوجة قد راحت هباء ، سنبقى هناك حتى إكمال المهمة ثم نعود لديارنا " بينما يرى السناتور " جون ادواردز " المرشح نائبا للرئيس مع المرشح الرئاسي الديمقراطي " جون كيري " أمام حشد من المؤيدين في دافنبورت بولاية أيوا " أن من الضروري أن يعود جورج دبليو بوش إلى كوكب الأرض ويرحل عن أرض الأحلام " ، مرة أخرى أتوقف عند رؤيا وزير الدفاع الأميركي وهو يتحدث عن خسائر الحرب في العراق عندما وصلت إلى الألف " إذا أضفناهم إلى الخسائر الأميركية على الجبهات الأخرى  للحرب العالمية على الإرهاب نجد أننا فقدنا أكثر بكثير من الألف بالفعل !! " ..

 

الصورة بعد عام

رغم الضجيج الإعلامي الذي رافق الحرب وكذلك الوعود العريضة بتحقيق الديمقراطية والحرية وسيادة القانون في العراق الجديد والترويج المتواتر لشلة من العملاء الذين كانوا يمثلون الغطاء المهلهل لتنفيذ المشروع المشبوه " مستقبل العراق الجديد " التابع لوزارة الخارجية الأمريكية والذي يصفه المؤرخ البريطاني " فيليب هيرو " في كتابه الهام " الأسرار والأكاذيب المتعلقة في عملية تحرير العراق " أعدت الخارجية الأميركية تقريرا يقع في 15 مجلدا لوضع الخطط الكفيلة بانتقال العراق إلى الديمقراطية بعد توقف الحرب مباشرة وكانت أغلب المعلومات التي تتضمنها الفصول معدة عن طريق الذين تعاونوا ومازالوا يتعاونون مع واقع الاحتلال ، يرى أياد علاوي في جانب من ذلك التقرير " أن الفكرة السليمة هي إعادة تشكيل العراق الجديد بعيدا عن التلوث الذي استشرى فيه ، الحل الوحيد هو أن يمحى العراق من الجذور ويعاد تكوينه حسب النظرية الجديدة ليكون القاعدة الذهبية للشرق الأوسط الجديد ، ولا يختلف " أحمد الجلبي " عن علاوي في تحديد أفاق المستقبل للعراق وكما تصفه الكاتبة الكندية نعومي كلاين "ينبع حقده على الدولة العراقية لمصادرة أملاك عائلته خلال ثورة 1958-  أفكاره من العمق بحيث كان يتمنى أن يرى البلاد بأكملها محروقة الجذور – كل شيء ماعدا وزارة النفط التي ستكون نواة العراق الجديد والتي ستنمو منها الأمة العراقية الجديدة وكان يسمي هذا الإجراء- اجتثاث البعث  * " العراقيون وبشكل عام وبعد مرور عام على الاحتلال يرون أن أوضاعهم في تردي مستمر وتفتقر إلى مواجهة وطنية وحلول سريعة ، في مقدمة المشاكل الحالية التي تتزايد بشكل مخيف معدلات نسب الجريمة وفق أساليب مبتكرة ومأخوذة عن تفاصيل الجريمة العالمية ، لم يكن العراق في ظل النظام السابق حاضنا لتلك الأشكال من الجرائم ، مجمل الأوضاع في العراق كانت في عهد الرئيس السابق " صدام حسين " أفضل ، ويظهر سوء الأوضاع الأمنية في العراق بشكل واضح من خلال تلك الجرائم النوعية المروعة والتي صارت تغزو المجتمع العراقي ، وقد أفرز ذلك عدم الثقة في الحكومة الموجودة حاليا والعاجزة عن تنفيذ خططها تماماً ، ولكي لا نتهم ونحن نكتب بيان الدفاع عن الشعب بالترويج لجهة ما ، لنا موقف واضح من نظام " الرئيس صدام حسين " يعرفه أبناء العراق بدقة وأيضا ذات الموقف يسجل لنا ضد جميع الأحزاب التي وصفناها قبل الحرب العدوانية بالخيانة وعدم صلاحيتها للعبور إلى ضفاف مستقبل العراق ، ولكن لكي يكون الحديث عما يجري وعن الذي سيحصل في المستقبل أمينا ومنهجيا وموضوعيا نجد من الضروري المقارنة وهذا ما يثبته الآن أصحاب القرار في الولايات المتحدة والعديد من الفعاليات السياسية والثقافية التي نحاورها ونسمع لها وتسمع بالمقابل لنا ، أقول مستكملاً ؛ أن العراق وشعبه قد عانى من سيادة الجهل والتخلف السياسي وخاض صابرا ومدافعا عن شرف انتماءه للوطن والأمة حروبا عديدة يختلف أصحاب الفكر في رسم أهدافها وغاياتها ولماذا حصلت ثم واجه عقوبات اقتصادية خانقة قادته إلى الحرب المفروضة وظل ذلك الشعب يتوقع أن يكون التغيير الذي قادته القوة الكبرى والمهيمنة على العالم ومعها الدول السائرة في ركابها – أفضل من الوضع السابق وفق الترويج الذي رسمه الإعلام الغربي والمحلي وأحيانا العربي ، تحولت الأحلام التي رسمها علاوي جلبي وغيرهما إلى كوابيس مفزعة للقوة التي تحتل العراق وللذين كتبوا تلك التقارير الكاذبة المضللة – الآن انتهى زمن الأحلام وبدأت الرؤوس الفارغة تصطدم بحجم المشكلات التي تتراكم وتنذر بالطوفان الكبير ، تتحدث تقارير الصحافة الغربية ومنها بشكل خاص البريطانية والأمريكية المحايدة الصادرة هذه الأيام عن الوضع في العراق وعن طلبات وأماني الشعب المحتلة بلاده والتي تتلخص في الآتي " توفير الأمن ،إحلال السلام والتوقف عن قصف المدن وقتل أبناء الشعب ، ترك أبناء العراق يقررون مصيره ويديرون شؤونه بعيدا عن سيطرة قوى الاحتلال ، التوقف عن نهب خيرات البلاد والعبث بالقيم الحضارية والفكرية " أن الولايات المتحدة التي اندفعت برغبة محمومة وهي تقود تلك القوات لغزو العراق تشعر أن الرياح باتت تعاكسها وأنها في مرمى الصدمة والخسارة حيث تواجه مقاومة وطنية قوية تعرف طريقها بدقة وهي تتحرك على إحداثيات تدرك تفاصيلها كما  تحسب بعقل يختزن التجارب عوامل القوة والضعف فيها ، الاحتلال يتآكل الآن بفعل وقائع الذي جرى وما يجري لاحقاً ، كيف تنشر الولايات المتحدة الحرية والديمقراطية وقد صار سجل وجودها هناك يتضخم بفعل ما يكشف عن جرائم أخلاقية وتعذيب وقتل ومصادرة للحرية وسرقة مفضوحة ، هو المآزق الكبير على مرآته نرى اختراق قانون الحقوق المدنية هناك في بلادنا الجميلة التي صنعت النور للبشرية والقانون والتسامح الأثني واكتشفت الدين وخلقت الآلهة ودونت الأناشيد السومرية وباشرت تعليم الكون حروف الأبجدية ، تلك العوامل وأخرى غيرها سترد لاحقا هي التي تديم تواصل جذوة المقاومة التي يصفها أحد البيانات " المعركة المفتوحة والمستمرة .. اعتباراتها السوقية ومتطلباتها العملياتية ومشروعيتها السياسية وأهدافها الوطنية والقومية والإنسانية ... قد لا تحصرها في المستقبل في ساحات أرادها الاحتلال * " كل التوقعات وفق مجريات الحرب الدائرة الآن بضراوة في مدن العراق وما تفرزه من معطيات ونتائج تشير إلى أن الانتخابات المقرر أجراؤها هذا العام قد تحمل مفاجأة ضخمة وتتحول إلى هزيمة للرئيس الحالي الجمهوري " جورج دبليو بوش " أن نسبة كبيرة في حقيقة الأمر تؤيد السياسة المناهضة للإرهاب التي يتبعها الرئيس الأمريكي الحالي ولكن دون أن تلحق به خسائر منظورة وباهظة يلتمسها المجتمع الأمريكي ، فيما يتعلق بالحرب الدائرة الآن في العراق يشهد المجتمع الأمريكي انقساما خطيراً بسبب الخسائر بين الجنود الأمريكان يضاف إلى ذلك التعارض الكبير والمتعاظم المتعلق بالخسائر الاقتصادية حيث تبدو الإدارة الأميركية الحالية ضعيفة الأداء ويلاحظ الراصد بوضوح فشل الخطط الترقيعية للمشاكل التي تواجه الجانب الاقتصادي والنسبة الكبيرة للبطالة في المجتمع الأمريكي .

كشف الأسرار

 خرجت الاتهامات إلى العلن من دهاليز المعارضة في الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي كذلك النخب المختلفة وقد وجدت طريقها إلى وسائل الإعلام ذات التأثير القوي والفاعل وهاهي الشبكات الإعلامية بكل صنوفها تتسابق لكشف الخفي من الخطط والقرارات ومناطق العطب ، وليس هنالك أخطر من الاتهام الموجه إلى الرئيس الأمريكي بأنه أساء تقدير ظروف ما بعد غزو العراق وأن عمليات المقاومة العراقية كانت مفاجئة كبيرة له ، وكما نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن الرئيس بوش " أنه أساء تقدير ما ستؤول إليه الأمور في العراق بعد الحرب " تلك التي شنتها الولايات المتحدة ومعها قوات دول التحالف في أواخر مارس من العام الماضي دون موافقة صريحة من الأمم المتحدة ، وفي سياق الذي يحصل في العراق يرى الرئيس الأمريكي " أن الاستراتيجية التي اتبعها حتى الآن تميزت بمرونة كافية من أجل الاستجابة للتطورات المختلفة هناك " ولكن خسائر الجنود الأمريكان وحلفائهم تبقى في ازدياد متصاعد .. ولنقرأ بعين نافذة ما كتبه " ويسلي كلارك " في كتابه " كسب الحرب الحديثة " هذا الكاتب له موقع مرموق ويمتلك إطلالة واسعة على تفاصيل الحرب التي حدثت فقد تميز بالخبرة العسكرية فهو القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي سابقا والمحلل العسكري لشبكة CNN الواسعة الانتشار في الولايات المتحدة وعموم دول العالم خلال فترة الحرب على العراق ، يقول في جانب من كتابه " فشلت الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في العراق ولم تحقق أهدافها التي اندلعت من أجلها " وفي جانب آخر من الكتاب يرسم الصورة الكئيبة عن وضع قوات بلاده حيث يقول " لقد ضربت الإصابات التي خلفت القتلى والجرحى وكذلك عمليات الانتشار الواسعة تلك القوات في الصميم " وإلى جانب الخسائر البشرية تتزايد تكاليف الحرب الأميركية على العراق بمبلغ 200 مليون دولار بعد تسجلها نفقات إجمالية بلغت 134.5 مليار دولار وبخصوص السبب الرئيسي للحرب والذي يتمثل في وجود أسلحة الدمار الشامل لدى العراق والذي ظهرت على شكل أكذوبة تم تصنيعها لأهداف السيطرة والعدوان على العراق أولا والأمة العربية ثانياً ولصرف الأنظار عن الممارسات العنصرية والقتل اليومي الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني على يد السلطة الصهيونية الغاشمة .

التقرير المحرج

 في أول رد فعل قوي من جانب الرئيس الأمريكي " جورج دبليو بوش " على تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الذي وجه انتقادات لاذعة وقوية لعمل الاستخبارات ، اعترف الرئيس الأمريكي بأنه لم يتم العثور على مستودعات لأسلحة الدمار الشامل ولكنه قال في معرض تبريره للحرب التي شنتها الولايات المتحدة " كنا على صواب بالذهاب إلى العراق " وأضاف مواصلاً " كنت أمام خيارين ؛ الأول أن أصدق كلام صدام حسين ، وهو رجل مجنون ! أو الدفاع عن أمريكا  " وأضاف من جديد بحماسة كبيرة ، أنه سيدافع عن أمريكا في كل مرة يوضع فيها هذا الخيار ، وفي حالة لا تخلو من التباهي والترويج الإعلامي رغم الخسائر الفادحة ، قال " لقد أطحنا بعدوٍ معلن للولايات المتحدة كانت لديه القدرة على إنتاج أسلحة الدمار الشامل كما كانت لديه القدرة على نقل خبرة إنتاجها إلى الإرهابيين " تلك الخطابات التي تتوالى على أسماع وأنظار الشعب الأمريكي والعالم أجمع يقصد منها التبرير السياسي والتقليل من الضجر والشعور بالمرارة لدى الأمريكان والذي صار يتعاظم وهو يتأثر تماما بتلك الاتهامات التي يطلقها خصوم الرئيس الديمقراطيون داخل أمريكا والدول التي تحتج وفق المسارات الدبلوماسية ضد العرب كما هي الحال في موقفي ألمانيا وفرنسا وأخيرا المنظمة الدولية – الأمم المتحدة التي وصف رئيسها الحرب بغير الشرعية ، اتهام يتفاعل متعاظماً ويخرج إلى العلن من تلك الأصوات المكتومة سابقاً ولنتأمل المنحى الجديد في جزء من خطاب " جون كيري " : أن تصرفات " جورج بوش " في العالم جعلت الأمريكيين أقل أمناً " وهكذا يدفع خصوم الرئيس الأمن القومي للولايات المتحدة ليكون في محور الحملة الانتخابية ، ولعل من أسوأ التقارير التي واجهتها حكومة الرئيس بوش تقرير لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي عندما نشرت تقريرها الخاص الذي يحتوي على انتقادات شديدة حول نوعية القرائن والأدلة التي قدمت لتبرير شن الحرب على العراق واحتلاله ، وقد برز في صدر ذلك التقرير العامل الجوهري لإدانة النظام حيث أشار التقرير إلى أن هيئات وأوساط الأمن والاستخبارات الأمريكية ضخمت وبالغت في طرحها المتعلق بوجود برنامج لإنتاج أسلحة تدمير شامل عراقية ، وأضاف التقرير بوضوح ، أن جميع تلك المؤسسات والوكالات الأمنية وقعت فريسة افتراض أن هذا البرنامج ينموّ ويكبر، ولكن الرئيس الأمريكي لا يستبعد الهزيمة في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها قبل نهاية العام 2004 قال في مقابلة مع محطة ABC الإخبارية الأميركية إن كل مرشح عليه أن يتوقع الهزيمة في النظام الديمقراطي ، ورغم التخطيط للانتخابات الحامية والقوية فإن ثمة إشارات واضحة تصدر الآن تؤكد تراجع كبير في شعبية الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش أولها تلك التعليقات في الصحافة التي تدعوه لكي يعود إلى حضن أبيه ، وذلك بسبب الهجوم الكبير الذي يشنه الديمقراطيون عليه بشأن العراق والوضع الفوضوي هناك بعد الحرب ، وكثير من الناخبين غاضبون من حالة الركود الاقتصادي الأمريكي ورغم اعتقال صدام حسين فإن الأمر ذلك لم يتغير من تهديد الإرهاب الموجه للولايات المتحدة وأيضا لم تتوقف أو تتلاشى المقاومة العراقية ، وثمة رأي يتصاعد بشكل قوي داخل المجتمع الأمريكي ، أن الحرب في العراق مازالت مستمرة وبضراوة رغم سقوط النظام السابق ، وقد أشار الكثير من القادة إلى حقيقة أن الولايات المتحدة لن تستطيع أن تعلن النصر في العراق ، فالوقائع هناك تسير نحو اتجاه آخر ، ويخشى الكثير من الأمريكان من تعثر القوات الأمريكية في العراق ويهمسون ببداية ظهور شبح الهزيمة ، وتهيمن مواضيع مهمة على الانتخابات مثل الإرهاب والأمن الوطني والاقتصاد والتشغيل ويظل الكابوس الذي يواجهه الرئيس جورج دبليوبوش هو التعثر الواضح في العراق وعدم تمكن إدارته وقواته الضاربة من إعادة البلاد إلى الطريق الذي كانت سائرة عليه ، أن الأوضاع هناك باتت تثير القلق والخوف إلى جانب الإدارة السيئة للاقتصاد الأمريكي والجدل المتصاعد بشأن صحة المعلومات التي روجتها أجهزة الاستخبارات عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة قبل الحرب في العراق ، يضاف إلى ذلك أن تكلفة أعمار العراق تسجل أرقاماً خيالية ، كما أن بقاء القوات الأمريكية في العراق صار يشكل عبئاً مالياً كبيراً يؤثر في الميزانية والاقتصاد الأمريكي ، ولعل من المفيد التوقف عند التقرير الذي أصدره الكونغرس الأمريكي واتهامه لإدارة الرئيس جورج دبليو بوش ........

كذبة أعمار العراق

ببطء وتيرة تقدم عمليات إعادة أعمار العراق حيث أعرب أعضاء لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس عن سخطهم وعدم رضاهم لعدم صرف سوى مليار دولار من مجموع أكثر من 18 مليار دولار كانت قد خصصت العام الماضي لصالح أعمار العراق وقالت اللجنة أن الولايات المتحدة تفشل في الاستخدام الأفضل لأهم أدواتها وأقواها في التأثير على مستقبل العراق ، ويأتي ذلك في أعقاب طلب المسؤولين الأمريكيين تسليمهم أموالاً من أجل تحسين الظروف الأمنية في العراق وفي حال موافقة الكونغرس على هذا الإجراء فسيعني هذا تحويل نحو 3.5 مليار دولار مخصصة لمشروعات طويلة الآجل مثل الماء والكهرباء ولصالح تحسين الظروف الأمنية المتدهورة بشدة وأيضاً توفير فرص العمل ورفع مستوى الإنتاج النفطي ، وقد وصف السيناتور الجمهوري من ولاية " نبراسكا – تشاك هيفل " نشاطات أعمار العراق بأنها محبطة وأكثر من كونها مثيرة للشفقة وأضاف قائلاً " أنها باتت الآن أكثر من محرجة لقد دخلت مرحلة الخطورة " بينما وصف " رون سليشر " من مكتب " شؤون الشرق الأدنى " أمام تلك اللجنة " أن مشروعات إعادة الأعمار تتعرض لهجمات مسلحة في العراق " وأضاف في معرض كلامه " نحن نعلم أن موضوع الأمن هو في مقدمة العناصر الضرورية لتحقيق تقدم سريع في جميع الجبهات " إلا أن السيناتور هيفل قال" أن تحويل تلك الأموال لن يكون مجدياً في رسم صورة تفيد بأننا سننتصر " وأردف قائلاً " ربما يكون اعترافا بأننا نواجه مشاكل عميقة وكبيرة " بينما يرى رئيس لجنة الشيوخ الخارجية السيناتور " لوجار " " أن العراقيين وهم يستعدون لأجراء انتخابات في بلادهم يبحثون عن مؤشرات على الاستقرار " ودعا إلى العمل على تحقيق تقدم في مشروعات الأعمار من أجل إنعاش الاقتصاد العراقي وإلى إصلاح البنية التحتية وإعادة تأهيل الخدمات العامة ، يذكر أن السيناتورين هيفل ولوجار من القائلين بأن خطط الحكومة الأمريكية لإعادة أعمار العراق ضعيفة ومبنية على افتراضات زائفة وغير حقيقية تفيد بأن الأمريكيين سيجدون أنفسهم موضع ترحيب باعتبارهم محررين وقال لوجار " لقد استمعت لجنتنا إلى أشخاص متفائلين جداً من الإدارة ومن خارجها قبل الحرب قالوا أن الأذرع ستفتح لنا ترحيباً وتودداً ، أن نقص التخطيط واضح وجلي " يشار إلى أن الكونغرس الأمريكي قد صادق على تخصيص 18.4 مليار دولار في نوفمبر / تشرين الثاني الماضي كجزء من خطة لأعمار العراق وأفغانستان تبلغ قيمتها نحو 87  مليار دولار ، وتأتي رغبة وزارة الخارجية الأمريكية في تحويل الأموال المخصصة لتحسين خدمات المياه والصرف الصحي والكهرباء وتدريب قوات الأمن العراقية كلها تبدو مؤشراً على المشكلات التي تكتنف العراق وتكشف عن الخلل الكبير من وجود قوات الاحتلال ، فقد تحول اهتمام الحكومة المؤقتة وقوات الاحتلال من مشروعات البنية التحتية طويلة الأجل إلى الاحتياجات الآنية للأمن والاستقرار وتتركز الخطة الأميركية التي أقترحها السفير الأميركي في بغداد " جون نيجروبونتي " على استخدام 3.6 مليار دولار من المساعدات التي أقرها الكونغرس الأميركي للعراق في نوفمبر / تشرين 2004 لتدريب المزيد من قوات الشرطة العراقية وتوفير المزيد من برامج العمل في محاولة لتقليص نسبة البطالة والتخطيط للانتخابات المقرر أجراؤها في يناير / كانون الثاني ، يذكر انه لم يتم أنفاق سوى مليار دولار فقط من جملة المساعدات المخصصة للعراق وهو ما يشير بوضوح إلى صعوبة المضي قدماً في عمليات إعادة الأعمار بسبب المقاومة المتزايدة وكذلك الاختلاس الذي يتهم فيه الموجودون في إدارة الحكومة المؤقتة وكذلك قيادة الاحتلال

الغضب والتشاؤم

 وتأتي هذه الخطوات الترقيعية في الوقت الذي يكبر فيه التساؤل في واشنطن حول فرص وضع العراق على الطريق الصحيح ، وما الذي يمكن عمله للخروج من المأزق ، ترشح التقارير أن الاتجاه السائد حالياً بين صانعي السياسة الأمريكية هو العمل على إرساء القواعد والتغييرات بعيدة المدى وفي الوقت نفسه تسليم المزيد من المسؤوليات إلى العراقيين حتى وأن لم يقوى كاهلهم بعد ، وكان تقريران أصدرتهما جهتان أمريكيتان درسا المشكلات وخرجا بعدد من التوصيات ، حيث حدد في البدء تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أنه بعد شهرين من قيام الولايات المتحدة بتسليم السلطة إلى الحكومة العراقية المؤقتة لا يزال العراق يعاني من تنامي المقاومة المسلحة وحصول الهجمات المدمرة حيث صارت القضايا الأمنية تلقي بظلالها على جهود إعادة أعمار المجتمع العراقي الهش في مجالات الحكومة والمشاركة السياسية والتفاعل مع المجتمع الدولي والفرص الاقتصادية والخدمات والأمن وتلك القضايا مازالت تحتل الصدارة بما يعيق جهود إعادة الأعمار على جميع الجبهات ، أما التقرير الثاني فيتحدث عن القوات العراقية ويصفها بأنها ليست مؤهلة بعد للقيام بمهمتها وأن العراقيون لديهم ثقة ضعيفة في القوات المسلحة التي يتم تشكيلها حديثاً وكذلك في القوات الأمريكية وغيرها من القوات الدولية ، هكذا نرى أن الصورة سلبية وقاتمة وباعتراف أصحاب القرار في واشنطن ، حيث تؤكد الكثير من التصريحات والمقابلات مع صناع القرار بأن العراق تسود فيه مشاعر من التشاؤم لوجود الاحتلال الذي يعتبره العراقيون هو المسؤول المباشر عن الوضع المأساوي الذي وصلت إليه البلاد ، كما يشير التقرير الثاني إلى استمرار نقص الفرص الاقتصادية وارتفاع مستويات البطالة الأمر الذي يؤدي سلباً على جهود الأعمار في القطاعات الأخرى ويتسبب بشكل أساسي باستمرار وتصاعد المشكلات الأمنية ، كما ركز التقريران على نقص الكهرباء في المدن الرئيسية وكذلك أنظمة الصرف الصحي هي في حالة سيئة ويشكو التعليم من نقص حاد في الكوادر والكفاءات والأساتذة والوسائل الأخرى وكذلك تبدو الجوانب الصحية هي الأخرى تعاني من إهمال شديد وتراجعا حادا في مستوى الخدمات الصحية مقارنة بالفترة التي كان العراق يواجه فيها الحصار ، وقد أوصى التقريران الصادران عن اللجان المشكلة عن الكونغرس على تعزيز الإسراع في تدريب مؤسسات الأمن العراقية وإبقاء القوات الأمريكية على الأفق لاتخاذ إجراءات سريعة ومراجعة برنامج المساعدات الأمريكية لزيادة الدخل العراقي بشكل مباشر ومضاعفة الجهد لتوسيع الوجود الدولي مثل عودة الأمم المتحدة ومنح المزيد من التمويل للنظام القضائي .

بين " كاي ودولفر "

 يترافق كل ذلك مع صدور تقرير أكثر أهمية يتعلق بمخزونات أسلحة الدمار الشامل العراقية حيث أسندت إدارة الرئيس " جورج دبليو بوش " مهمة كتابة التقرير إلى " تشارلز دولفر " كبير مفتشي الأسلحة الأمريكيين بكتابة التقرير الذي ترشح عن مسودته معلومات قاطعة عن عدم العثور على مخزونات من أسلحة الدمار الشامل في العراق ، كاتب التقرير هو كبير المفتشين الذي يؤيد بحماسة كبيرة وجهة نظر " ديفيد كاي " التي تقول في تقريره الشهير " من المحتمل أننا أخطأنا جميعاً بشأن ما إذا كان العراق يملك مخزونات من الأسلحة النووية أو الكيماوية أو البيولوجية " وقد سارعت إدارة الرئيس لتجد مخرجاً من ورطتها مع أن دولفر لم يعثر على مخزونات الأسلحة في العراق إلا أنهم روجوا معلومات جديدة فيها الكثير من التضليل عندما ادعوا عبر وسائل الإعلام أن دولفر أكتشف دليلاً آخر يتمثل في أن العراق كان يعتزم إعادة العمل بشكل كامل في برامجه لإنتاج أسلحة الدمار الشامل في المستقبل وأن هناك أكثر من عشرة آلاف صندوق من الوثائق لاتزال في حاجة إلى ترجمتها ودراستها ، قال مسؤولون أن مجموعة مسح العراق ستواصل عملها ربما ستكون هنالك مفاجآت ، رغم كل التكتم ومنع الحقيقة من الخروج إلى العلن إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان نطق بها في خطاب افتتاح الدورة 59 للجمعية العمومية للأمم المتحدة عندما أدان السياسة الأميركية في العراق وتعهد بتعزيز القانون العالمي وفرض التعددية بحيث يكون القانون هو مصدر القوة في العالم وليس العكس وذلك في إشارة لفرض الولايات المتحدة رغبتها في الحرب على العراق دون إذن مسبق من الأمم المتحدة ، قال عنان متحدثاً قبل ثلاثين دقيقة من مداخلة الرئيس الأمريكي " جورج دبليو بوش " الذي يختلف معه حول الحرب على العراق " في هذه الأوقات العصيبة تشكل الأمم المتحدة المنزل الضروري المشترك للعائلة البشرية بأسرها ، إن العالم بحاجة أكثر من أي وقت مضى لإيجاد آلية فاعلة يمكنه من خلالها البحث عن حلول مشتركة لمشاكل دولية معقدة لذلك تم تأسيس هذه المنظمة ، يجب أن لا نتخيل أنه في حال لم نستخدمها بشكل جيد سنجد وسيلة أخرى أكثر فاعلية ، هذه مرحلة أساسية في نضال البشرية من أجل بناء عالم تنبثق فيه القوة عن القانون بدلاً من أن يأتي فيه القانون نتيجة للقوة " هذا التعريف هو تعبير عن الأسف الشديد وكما يضيف عنان " نظام دولة القانون في خطر في عالم اليوم ويتم تجاهل قوانينه بشكل مشين ، مثل تلك القوانين التي تفرض احترام أرواح الأبرياء والمدنيين والأشخاص الأكثر هشاشة لاسيما الأطفال " مشيراً إلى مناطق التوتر والقتال في العراق وروسيا وأوغندا ودار فور حيث يتم قتل مدنيين بدم بارد وموظفين في وكالات إنسانية وصحافيين فيما يتم احتجاز أشخاص آخرين غير مقاتلين رهائن ويقتلون بطريقة وحشية وحيث رأينا سجناء عراقيين يتعرضون لتجاوزات فاضحة ، ولعل المهم في خطاب " كوفي عنان " رأيه القاطع بأن الحرب في العراق غير شرعية لأنها نفذت بدون موافقة الأمم المتحدة.

التناقض بين " بوش وعنان "

 أن القانون الدولي كما أراد خطاب عنان أن يقول " يجب أن لا يكافئ الدول التي تتسبب بالحرب أو تلك التي تشن الحرب " ومع سقوط كل ذرائع تلك الحرب لم يبقى منها غير آلية تغيير نظام صدام حسين وربما يجد خطاب عنان شيء من المصداقية في بحر الزمن القادم لدى العالم عندما يترادف مع التقرير الذي أصدره رئيس فرق المفتشين الذي أرسلته الولايات المتحدة نفسها إلى العراق " تشارلز دويلفر " لم يكذب بل هو نطق بالحقيقة الواضحة " إن العراق عندما شنت الولايات المتحدة الحرب عليه كان قادراً فحسب على أن ينتج من الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية ما يدخل في الاستخدام في عمليات قتل المعارضين للنظام السابق " ومن الحجج الأخرى التي استند إليها " جورج دبليو بوش " وأعضاء في حكومته الصلة بين محمد عطا من تنظيم القاعدة والنظام العراقي السابق وتلك أيضاً لم تثبت صحة فرضيتها ، كانت فلول القاعدة بعيدة عن العراق الآن هي تتواجد بشكل كبير فيه وتقوم بعمليات متواصلة ضد الوجود الأميركي ، كان العراق أمناً وتحول الآن إلى مستنقع لتصفية الحسابات بين قوى دولية وإقليمية عديدة ، في تعليق لافت للنظر ضمن مقابلة تلفزيونية مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة " مادلين أولبرايت " قالت " إن الأكاذيب تتحرك والتصريحات لحكومة الرئيس بوش تتغير كل يوم ، وفي كل ساعة يتم التراجع عن الأقوال "عاد الرئيس الأمريكي إلى المنظمة الدولية في ظروف مختلفة تماماً بعد أن شن الحرب على العراق دون مساندة الأمم المتحدة وعدم العثور على أسلحة الدمار الشامل وظهور مقاومة عنيفة في العراق تشكل تهديداً حقيقياً للقوات الأمريكية ، تغيرت الصورة ؛ وقف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مدافعاً بينما كان قبل شن الحرب مهاجماً يطلق العبارات النارية ويتوعد بالقصاص ، بعد تغير الصورة نجده ما يزال يدافع عن رؤيته الخاصة بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط وليس عن فكرة صحيحة يؤيدها كل الشعب الأمريكي " لفترة طويلة تعايشت الكثير من الدول بضمنها الولايات المتحدة ؛ بل وأيدت نظماً استبدادية في الشرق الأوسط ومازالت بحجة المحافظة على الاستقرار ، ولكن الاستبداد استشرى دون أن يؤدي ذلك إلى الاستقرار " علينا اليوم أن نعتمد أسلوبا جديداً لمساعدة المصلحين في الشرق الأوسط في سعيهم لبناء الحرية والديمقراطية في هذا الجزء من العالم " كان شبح العراق وما يجري فيه مهيمناً على خطابه والحدث الأضخم في الولايات المتحدة تلك التظاهرة التي أوصلت رسالة واضحة إلى دول العالم وشعوبها وهي تعلن الرفض المطلق لسياسة " جورج دبليو بوش " وهكذا تناول خطابه الانتخابات المقررة في العراق وحث الأمم المتحدة على فعل المزيد للمساعدة في بناء عراق أكثر أمناً واستقرارا وتحدث عن المعركة بين الأمم الديمقراطية والإرهاب وأن الولايات المتحدة تريد أن تنهي " احتضان الدول للإرهاب " وفي الخطاب وردت إشارات كثيرة إلى الكرامة الإنسانية ،حدد بوش الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة وشركاؤها لمحاربة الإيدز والسل ومواجهة عمليات الاتجار بالبشر ، كان الخطاب عبارة عن مديح لغرض أعلامي يتعلق بالفوز بالانتخابات ، مع تزايد عمق الخلافات في الإدارة الأمريكية حول خططها المستمرة في العراق ، في لقاء مع محطة أن . بي . سي التلفزيونية ، قالت مستشارة الأمن القومي " كونداليزا رايس " أنه بالرغم من العنف المستشري في العراق فإن ثمة عملية سياسية تجري على قدم وساق ، كما أعتذار كاذب

إن البلاد تتمتع بحكومة رشيدة تحت قيادة أياد علاوي !! " ..

لم تمض دقائق عندما عرضت ذات المحطة لقاءاً أخر مع " ريتشارد هولبروك – السفير الأميركي الأسبق إلى الأمم المتحدة والمستشار الحالي للمرشح الديمقراطي – جون كيري ، الذي قال " إن الوضع في العراق خطير للغاية وإنه على حافة الانهيار " وأضاف أيضاً " مالم نتمكن من قلب الموقف في العراق فسوف نمنى بكارثة ستراتيجية غير معروفة العواقب " في ذات الوقت اعترف رئيس الوزراء البريطاني " توني بلير " بارتكاب أخطاء خلال فترة الاستعداد للحرب على العراق وذلك الاعتراف جاء خلال المؤتمر السنوي لحزب العمل كما صرح لمحطة إذاعة بي. بي. سي. قائلاً إن بعض التقارير الاستخباراتية التي استخدمت لتبرير الحرب على العراق لم تكن دقيقة وأضاف " لكن البعض يريدني أن أعتذر عن الإطاحة بصدام حسين غير أنني لن أفعل ذلك لأنني لا أؤمن بأن هذا العمل يتطلب الاعتذار عنه " وقد رافق انعقاد المؤتمر المظاهرات الصاخبة لكن رئيس الوزراء البريطاني قال " أنه لن يرضخ لهذه الضغوط " وكان استطلاع خاص للرأي أجراه حزب العمل قد أشار إلى أن نحو ثلاثة ملايين من مؤيد تقليدي للحزب قد يمتنعون عن التصويت للحزب خلال الانتخابات القادمة بسبب شعورهم بأن التركيز على العراق كان على حسابهم ، غير أن بلير قال في لقاء أجرته معه صحيفة " أوبزرفر " أعتقد أن ما يدعو للسخرية في موقفي هذا هو أنني أصبحت أقل شعبية ولكن أكثر قدرة " وفي لقاء آخر مع بي. بي.سي أعتبر أن سحب القوات البريطانية هو استسلام للإرهابيين ، وأنكر ما يشاع عن عدم التخطيط الجيد للموقف بعد الحرب ولكنه قال " أن الدرجة التي تحرك بها الإرهابيون _ يقصد رجال المقاومة العراقية – خارج البلاد كانت مفاجئة للجميع " كان بلير قد تعهد بألا يرضخ حزب العمل لضغوط المظاهرات حول العراق ودعا بلير المعارضين للحرب على العراق إلى دعم حملته من أجل إرساء نظام ديمقراطي والقضاء على الإرهاب في البلاد ، شكل خطاب كوفي عنان إحراجا كبيراً للدول التي ساندت الحرب على العراق ، وهكذا أصرت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وأستراليا على أن العمل العسكري الذي قاموا به في العراق عمل مشروع وذلك رداً على تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة في معرض رده قال رئيس الوزراء الأسترالي " جون هوارد " الذي يستعد للانتخابات التي ستجري الشهر القادم " أن المشورة القانونية وقت الحرب أكدت أن التحرك صحيح بموجب القانون الدولي " وفي لندن كرر مكتب رئيس الوزراء البريطاني وجهة نظر هوارد وقال إن المحامي العام لحكومة بريطانيا " اللورد جولد سميث " توصل إلى نفس النتيجة قبل أن تشن الحرب على العراق " كما أكدت وزيرة التجارة البريطانية " باتريشا هيويت " أنها تحترم عنان لكنها لا تتفق معه الرأي " ..

 

انتهاك القانون الدولي

 وفي واشنطن قال " راندي شومان " المستشار السابق لوزير الدفاع الأميركي " دونالد رمسفيلد " قال " أنه ليس من حق عنان أن يشكك في التقدير القانوني لأعضاء الأمم المتحدة متهماً الأمين العام بالتدخل السياسي في شؤون الولايات المتحدة قبيل الانتخابات الرئاسية ، وتواجه الحكومات التي شاركت في الحرب على العراق انتخابات عامة في المستقبل القريب ، كما يتعين عليها التعامل مع درجات متفاوتة من عدم الارتياح الشعبي لقرارها المتعلق بشن الحرب على العراق ، وقد تصاعدت حدة التصريحات في الدول الحليفة لواشنطن بعد أن أكد " كوفي عنان " في لقاء صحفي أن الحرب على العراق انتهكت القانون الدولي ، وأضاف في تلك المقابلة الصحفية " نعم أشرت إلى أنها لم تكن موافقة لميثاق الأمم المتحدة من وجهة نظر الميثاق لم تكن شرعية " وأضاف مشدداً " أرجو ألا نرى عملية أخرى على غرار العراق قبل مضي وقت طويل دون موافقة الأمم المتحدة ودون تأييد أوسع كثيراً من المجتمع الدولي " لقد تخلى عن تلك الدبلوماسية التي تراوغ وتضع الأوهام كما لو كانت حقائق ، بكل وضوح اعلن الرجل المسؤول عن التكوين الأممي ، أن غزو الولايات المتحدة عمل غير شرعي يتعارض مع بنود ميثاق الأمم المتحدة والتصريح الواضح بالمشاكل التي تواجهها قوات الولايات المتحدة ، التصريح الذي أعلنه عنان " جميع شعوب العالم تعرفه ومنها الشعب الأمريكي المستهدف أيضاً من نتائج ذلك الغزو ، أن كوفي عنان أدرك سقوط كل الأقنعة عن تلك التصريحات أو المعلومات التي سبقت الحرب وكذلك تلك الأسباب التي صارت الآن واهية آخرها أن غزو العراق كان يستند إلى قرار اتخذه مجلس الأمن كانت الحرب ضد العراق تحتاج إلى قرار واضح يستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، أن الموقف الآن قد تغير تماماً فما ينشر في الصحف العالمية قاطبة يخالف تلك الحرب ونتائجها ويمثل إدانة للغزو الأميركي للعراق وإلى جانب تصدع ذلك التحالف الذي شكلنه الإدارة الأميركية فإن الإعلام الأميركي في الآونة الأخيرة صار يدرك الذي حصل في العراق وما يترتب عليه من خسائر بشرية ومادية وتشير المقالات المنشورة في الصحف البريطانية إلى نقمة وإدانة لسلوك رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي يدعي أن ملف العراق السياسي والعسكري قد تم إغلاقه وأن الأمور هناك تحت السيطرة بينما حقيقة الأمر عكس ذلك ، كما أن الصحف الأميركية تنشر المقالات التي تهاجم خطط الحرب وكذلك خطط أعمار العراق التي تتعرض المبالغ المرصودة لها إلى السرقة والتلاعب دون النجاح في إيقاف حالة التدهور المعيشية والبيئية والصحية ويبقى الأمن هو العامل المفقود في عموم العراق ولعل مقالة الكاتبة الأميركية " مورين دافيد _ أمريكا تقتل أبناءها في العراق " التي تتناول فيها أعداد الجنود الأمريكان الذي يقتلون في العراق وتسخر من إعلان الرئيس جورج بوش الذي قال فيه " انتهت العمليات الحربية العسكرية في العراق ، أن المهمة العسكرية هناك قد تمت " وتضيف الكاتبة " أن جورج دبليو بوش قد فشل في القضاء على الإرهاب ونجح بشكل باهر في خلق إرهاب فظيع وقد بذل من الجهد والمال في السعي وراء الهدف الخطأ " ..

 

الموقف يتدهور

بعد تكشف كل تلك الحقائق وتصاعد الموقف الدولي الذين يدين الحرب لم يتوقف رئيس الوزراء البريطاني عن تصريحاته التي يحاول فيها التقليل من حجم الفشل الذي تواجهه بلاده مع الولايات المتحدة في العراق وفي أعقاب اختطاف " كينيث بيجلي " قال " أن بريطانيا ستقف بقوة في وجه الفوضى وإراقة الدماء في العراق ، لا ينبغي أن يضعف عزمنا، ومهما كانت الخلافات حول الصراع في العراق ، فإن هناك صواباً وخطأً واضحاً فيما يتعلق بتلك المسائل وهو الوقوف إلى جانب أنصار الديمقراطية وفي وجه الإرهابيين " ورغم حملات الشجب والتنديد والمظاهرات في الكثير من العواصم الغربية ؛ الحرب مستمرة بشكل قاس وهي تحصد الأرواح البريئة ويفقد الشعب الأمريكي الكثير من أبناءه دون مبرر ، يرى المفكر الأمريكي " نعوم تشو مسكي " في مقالة نشرها تعارض الاحتلال ، يقول " إذا ما كان مقدراً للعراقيين أن يروا صدام حسين يقضي عقابه ، فإنهم يريدون أيضاً أن يروا حلفائه الأمريكيين السابقين مكبلين بالأغلال إلى جواره " الفلوجة المدينة العراقية الصغيرة تشهد كل يوم موجة من القصف الجوي والمدفعي وكذلك قتالاً ضارياً بين القوات الأمريكية وقوات المقاومة ولا تزال رائحة الموت تنبعث من القصف الجوي المتواصل للأحياء السكنية في المدينة حيث لقي مئات المدنيين حتفهم أثناء القتال في منطقة تسمى " الجولان وأخرى الحي الصناعي " تدور أشرس المعارك ضراوة على الإطلاق حيث القنابل التي تلقي بها الطائرات تدمر المنازل بشكل كامل ، وفي أجواء تلك الحرب غير المتكافئة والمتواصلة يتصاعد غضب عارم في عموم الفلوجة والمناطق المجاورة لها ، أن القنابل تسقط في كل مكان بشكل عشوائي وتعيش المدينة خارج حدود الأمن والسلام ولا يتوفر لها الماء أو الكهرباء أو الخدمات الأخرى وفي مقدمتها الخدمات الصحية ، القتال في الفلوجة والمناطق الأخرى المجاورة لها يعتبر مكلفاً وباهظ الثمن ويوقع الكثير من الخسائر في الجانب الأمريكي الذي يفقد زمام المبادرة ، لقد أصبحت الفلوجة والمناطق المجاورة لها رمزاً لمقاومة الاحتلال والتحدي ومركزاً للغضب والفخر ووسط حالة الحزن التي تسود المدينة تبقى المواجهة متصاعدة ومستمرة بين سكان المدينة وقوات الاحتلال " أعضاء النادي الخاص ، لزمن طويل قبل أن يتولوا الرئاسة أدركوا أن الحاجة لوجود ملموس للقوة الأمريكية في الخليج تسموّ فوق مسألة نظام صدام حسين ، هناك مبدأ هادئ واحد لا يتزحزح ، الشعب العراقي يجب ألا يحكم العراق "  ..

مبادرة فرنسية ميتة

المفاجأة الكبيرة التي فجرها تصريح وزير الخارجية الفرنسي " ميشيل بارنييه " الذي قال " أنه يتعين أن يكون انسحاب القوات التي تتزعمها الولايات المتحدة على جدول أعمال المؤتمر الدولي الذي ينعقد لغرض بحث أوضاع العراق " جاء تصريح الوزير الفرنسي رداً على مقترح تقدم به وزير الخارجية الأمريكي " كولن باول " الذي أقترح أن يعقد مؤتمر لهذا الغرض في بحر الشهر القادم وأضاف إن المؤتمر في حال انعقاده من شأنه المساعدة في إرساء الاستقرار في المنطقة في الفترة التي تسبق الانتخابات العراقية المزمع انطلاقها في يناير / كانون الثاني  ، وصف " بارنيه " العراق بأنه أصبح بمثابة " ثقب أسود " وقال أنه يتعين الوفاء بالحد الأدنى المطلوب من الأمن قبل إجراء الانتخابات واقترح الوزير الفرنسي أن تضم المحادثات كافة المجموعات السياسية في العراق بما في ذلك عدد من المجموعات أو الأشخاص الذين اختاروا طريق المقاومة عن طريق السلاح ، كما طالب أن يكون المكان الوحيد لعقد مثل هذا التجمع هو الأمم المتحدة ، وكان باول قد أقترح أن تنعقد تلك القمة في الأردن أو مصر وتضم جيران العراق في الشرق الأوسط فضلا عن البلدان الصناعية الرئيسية ، وقال بارنييه " أن انسحاب القوات الأمريكية يعد مسألة محورية ويجب أن يكون ذلك على جدول أعمال مثل هذا المؤتمر إذا أردنا له أن ينعقد  " وأضاف  "أن الوضع في العراق وضع فوضوي ، وأن الفوضى المستمرة فيه تهدد استقرار المنطقة بأسرها ، لقد شبهت الأمر بثقب أسود علينا الخروج من هذا الثقب الأسود ، من دوامة العنف هذه وبدء المفاوضات والعملية السياسية " جورج دبليو بوش قد حول موجة كوكبية من التعاطف نحو الولايات المتحدة إلى موجة كوكبية من الكراهية للغطرسة الأمريكية والعسكرة ، بعد عام ، السخط على أمريكا وسياستها في تزايد أكثر منه انحسار حتى في بريطانيا أنخفض التأييد للحرب بنسبة الثلث  * " ..

موقف المقاومة العراقية

البيان الصادر عن حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق - يضع هذه المبادرة التي ولدت ميتة في سياق سياسة التجربة والخطأ التي يتخبط بها الاحتلال الأمريكي والذي كما يبدو سيظل في مأزقه المتعمق والمتسارع الذي لا مخرج له منه إلا باتخاذ قرار الانسحاب غير المشروط بدلاً من البحث في الدعوة لعقد المؤتمر الدولي الذي يندرج في كسب الوقت لإنجاح الحملة الانتخابية للرئيس " جورج دبليو بوش " مثل هذه الدعوة التي روجتها فرنسا باتفاق مع الولايات المتحدة ومع أطراف عربية تتحفظ المقاومة العراقية على نواياها وتتحسب من أفعالها التي هي غالبا ما تلحق الضرر الفادح بقضية النضال الوطني العربي والتجارب المريرة معها وخاصة فيما يتعلق بالقضية المركزية العربية- قضية فلسطين ، يضيف البيان " هذه الدعوة بمضمونها تترجم وتعكس صورة المأزق المعاش للاحتلال الأمريكي وسلطته العميلة في العراق المحتل ، المقاومة الوطنية في العراق وهي تتقدم نحو محطات التحرير النهائي للوطن وفي عملية التقابل القتالي غير المرتد مع الاحتلال الأمريكي وسلطته ، لن تصفق لتلك المبادرة التي أطلقتها فرنسا من خلال مناورة سياسية كانت محكومة بالفشل لأسباب عديدة ومهمة تعرفها الحكومة الفرنسية قبل غيرها وليس أقلها الموضوع المتعلق بالرهائن الفرنسيين والغربيين عموماً وتخليها الطوعي عن دورها التقليدي في لبنان بعد القرار 1559 والذي لن يبيح أبداً لفرنسا من إمكانية تعميم مصطلح انسحاب القوات الأجنبية من العراق وفقاً لذات الاعتبارات التي حكمت المصطلح نفسه ، في القرار الأمريكي الفرنسي عندما استهدف حصراً القوات السورية في لبنان ، والحكومة الفرنسية التي عارضت شن الحرب على العراق من خلال قرار دولي يصدر عن مجلس الأمن مثلما رغبت الولايات المتحدة وبريطانيا في حينه ، تراجعت عن موقفها عندما وافقت في مجلس الأمن على صدور القرار الأممي بتاريخ 9/June/2004 الذي رغبته ومررته الولايات المتحدة وبريطانيا لشرعنة وتدويل الاحتلال وما يترتب عليه وأيضاً الحكومة الفرنسية لن تكون في الموقف الذي يمكنها من المشاركة المرغوبة في نهب – أعمار العراق ، عندما توافق بشروط مسبقة على عقد المؤتمر الدولي وتدعو لمشاركة المقاومة العراقية في ذلك المؤتمر وهي تعلم علم اليقين بأن المقاومة لن تشارك في أي مؤتمر يدعو إليه الاحتلال أو يعقد في ظل الاحتلال سواء في القاهرة أو عمان أو نيويورك ..

الدور الأردني المصري

 ويضيف البيان الصادر عن قيادة المقاومة العراقية مايلي : " إذا كانت الحكومة الفرنسية بفعل تضليل حكومتي عمان والقاهرة لها عندما رجعت لكلتاهما وقتما احتجز رهينتيها في العراق ، قد اعتقدت أن من أشارت إليهما تلك العاصمتين العربيتين بأنهما على صلة بالمقاومة أو يمثلونها فأنها قد وقعت بالخطأ الذي اختارته لنفسها ومن ثم تراجعت عنه ، وهي الآن لا يمكنها من دعوة الطرف المشار إليه " تضليلاً " على أنه المقاومة العراقية المسلحة ، يمكن لحكومة فرنسا أن تدعو من تشاء إذا سمحت الولايات المتحدة لها بذلك ، لكنها يقيناً لن تسمع الاستجابة من قيادة المقاومة العراقية التي أكدت في بياناتها المتلاحقة عدم وجود عملية سياسية في العراق مثلما تحاول الولايات المتحدة يائسة بدعوتها للمؤتمر الدولي ، وبدلاً من البحث عن حلول ترقيعية لن توقف القتل والدمار في العراق ولن تجعل القوات الأمريكية وتلك المتحالفة معها في مأمن من القتل اليومي ، على الولايات المتحدة الأمريكية أن تنصاع للقرارات الدولية وتعود إلى المنظمة الشرعية التي أعلن رئيسها عدم شرعية الحرب وكذلك الاحتلال ، عليها أن تعترف أمام العالم بعدم شرعية العدوان والاحتلال وما نشأ عنهما والدعوة إلى مؤتمر دولي لتعويض العراق عما لحق به من خسائر وتدمير جراء العدوان والاحتلال "  أكد الرئيس بوش للأمريكان أن " العالم اليوم أكثر أمناً لأن تحالفنا في العراق قد أنهى نظاماً يرعى صلات بالإرهاب بينما يبني أسلحة دمار شامل " يضيف المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي " يعرف المعلمون الذين يتولون تربية الرئيس ، إن كل كلمة هي زيف ، ولكنهم يعرفون أيضاً أن الأكاذيب يمكن أن تصبح حقيقة لو تم تكرارها دائماً بشكل كاف ٍ " ..

الكويت أرض عراقية

 ويضيف بيان المقاومة العراقية الصادر عن حزب البعث " أن حكومة الولايات المتحدة إن أرادت قبول ذلك الطرح كمخرج وحيد متاح لها للخروج من مآزقها في العراق ، عليها أن تفكر جدياً بالانسحاب دونما قيد أو شرط ، وفي مسار بري وجوي باتجاه قصبة كاظمة ( المقصود الكويت ) ومنها إلى خارج أرض العراق التاريخية ، ومع تصاعد الأصوات التي تدين استمرار الحرب في العراق نتوقف عند أهم التصريحات التي صدرت عن مرشح الرئاسة في الانتخابات الأمريكية " جون كيري " الذي أتهم جورج بوش بالفشل الذريع في اتخاذ القرار الصائب فيما يتعلق بالعراق ، وفي خطاب ألقاه حدد فيه سياسته المتعلقة بمستقبل العراق ، قال : " أن قرار خوض حرب العراق كان انحرافاً حاداً عن مسار الحرب على الإرهاب " وباقتراب موعد الانتخابات الرئاسية نقل كيري تركيزه عن الاقتصاد إلى موضوع الحرب وقال أن قرار بوش بدخول الحرب صرف الاهتمام عن تهديد أكبر للولايات المتحدة وهو إمكانية حدوث هجمات إرهابية إضافية ، في خطاب آخر ألقاه في جامعة نيويورك قال عن الحرب في العراق " أنها شكلت انحرافاً حاداً عن الحرب ضد الإرهاب والمعركة ضد العدو الأكبر أسامة بن لادن والإرهابيين الآخرين " ثم تابع قائلاً " أن غزو العراق قد خلق أزمة وإن عدم تغيير المسار يمكن أن يؤدي إلى حرب بلا نهاية منظورة " يعرف المخططون لدى بوش بالإضافة إلى آخرين أن اللجوء للقوة يزيد من التهديد بالإرهاب وأن مواقفهم وتصرفاتهم العسكرية النزعة والعدوانية يستثيران ردود الأفعال التي تزيد من مخاطر الكارثة ، أنهم لا يرغبون في هذه النتائج ، ولكنهم وضعوا لأنفسهم أولوية منخفضة لمستوى مقارنة بالأجندات القومية والدولية التي يبذلون محاولات صغيرة لإخفائها .. ..

خطة " كيري "

كما  إن المرشح كيري عمد في الكثير من خطاباته الأخيرة تذكير الذين يستمعون إليه إلى حجم الخسائر الأمريكية في الجانبين العسكري والاقتصادي داخل الولايات المتحدة وفي العراق جراء استمرار تلك الحرب رغم أن جورج دبليو بوش قد أعلن نهاية العمليات العسكرية قبل عام وقد لخص كيري مخططه للتعامل مع النزاع بنقاط أربعة وهي على النحو التالي :-

-         الحصول على مساعدة أكبر من الدول الأخرى ..

-         تدريب قوى الأمن العراقية بشكل أفضل وجعلها قادرة على فرض القانون والنظام ..

-         تأمين حصول الشعب العراقي على بعض الفوائد ..

-         إجراء الانتخابات العامة في العراق وحسب الموعد المحدد لها ..

تتهم جهات محايدة في وسائل الإعلام الأمريكية كلا المرشحين بأنهما يركزان على موضوع العراق للحصول على مكاسب إعلامية وسياسية ولكسب المزيد من التأييد ، وتتهم القوى المساندة للرئيس " جورج دبليو بوش " المرشح كيري " بأنه يسلك طريق السياسي الانتهازي حين يستغل القلق الشعبي بشأن العنف السائد في العراق ، وعلى النقيض يتهم أنصار كيري الرئيس " جورج دبليو بوش " بأنه يكذب ويلفق التقارير عندما يصرّ على أن الأمور تتجه نحو الأفضل في العراق ، بين القادم الجديد إلى البيت الأبيض والمتواري عن حظوظ الرئاسة للفترة القادمة ، لا توجد أفكار أو خطط صادقة أو صحيحة بشأن العراق ، بل أغلب ما ينشر للمرشحين على كرسي الرئاسة يظل يدور في مدار الاستهلاك الإعلامي ليس إلا..

الوقود النووي الإيراني

 هناك مشكلتان كبيرتان عمدت الإدارة الأمريكية إلى تجميدها حالياً ولكنهما تثيران الكثير من القلق وعدم الرضا وربما هناك خطط سرية للتعامل معهما ، القضية الأولى تتعلق بالوقود النووي الذي بدأت إيران الدخول في عملية إنتاجه رغم المعارضة السياسية من دول أوروبا بدفع من الولايات المتحدة الأمريكية حيث بدأت إيران بشكل فعلي في تحويل اليورانيوم الخام إلى غاز يمكنها تدريجياً بعد عمليات سريعة وضمن جدول زمني قصير إلى استخدامه في أجهزة الطرد المركزي ، ويمثل ذلك الإجراء الإيراني تحدياً لمطالبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوقف كافة أنشطة تخصيب اليورانيوم ، وكان الرئيس الإيراني قد أكد أن بلاده ستستمر في المضي قدماً بتطوير التقنية النووية حتى وإن أدى ذلك إلى وقف تعاونها مع الوكالة الدولية ، كما أبلغ " رضا أغا زاده " رئيس هيئة الطاقة النووية الإيرانية الصحفيين في فينا بأن عملية التحويل لليورانيوم ستستمر بدون توقف ، وقال بشكل واضح " استخدمت في تلك العمليات كمية صغيرة من إجمالي37 طنا مربعا من اليورانيوم الخام ، وأجريت الاختبارات بنجاح ، لكن يجب أن تستمر الاختبارات باستخدام باقي كمية اليورانيوم الخام " المعلومات المترشحة عن تلك العملية تؤكد أن اليورانيوم الذي تم تحويله هو الوقود النووي الذي يستخدم في أجهزة الطرد المركزي النووية ، وهي الآلات التي تستخدم لتخصيب اليورانيوم ، ويمكن استخدام اليورانيوم المخصب في المفاعلات النووية العادية إلا أنه قد يستعمل أيضاً لإنتاج القنابل النووية " ولم يتوقف المسؤولين في إيران بالحديث عن خططهم المطروحة لكسب ثقة المجتمع الدولي في خطط إيران النووية واستمرار التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أصدرت قراراً واضحاً يطالب إيران بوقف تخصيب اليورانيوم والسماح لمفتشي الوكالة بدخول المنشآت النووية ، وبالرغم من التحذير الذي تطلقه الولايات المتحدة ضد إيران وخططها في ذلك المجال والمخاطر المترتبة على ذلك من سعيها لإنتاج أسلحة نووية ، بينما ظلت تؤكد أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية فقط ، وكان الرئيس الإيراني " محمد خاتمي " قد صرح أثناء استعراض عسكري أقيم مؤخراً في إيران أن بلاده قد اختارت دون تردد المضي قدماً نحو إنتاج طاقة نووية حتى وأن أدى ذلك لإنهاء تعاونها مع الوكالة الدولية " ..

 

الخطط السرية

خاتمي لم يقل حتى وأن أدى ذلك للحرب مع أمريكا الموجودة حالياً بجوار إيران من الناحية الغربية وهذا يفضي حسب اعتقاد الكثير من النقاد والمحللين السياسيين إلى أن إيران التي صنفت ضمن محور الدول المارقة أو دول معسكر الشرّ قد أخذت تعهداً سرياً أو ضمانة من الولايات المتحدة بعدم التعرض على أهدافها العسكرية في حالة استمرارها في تنفيذ مشروعها النووي ، وكما يرى " نعوم تشومسكي " أنه منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي ، اعتبرت الولايات المتحدة منطقة الخليج العربي مصدر طاقة استراتيجية هائلة وواحدة من أعظم الجوائز المادية في العالم ، قال عنها إيزنهاور إنها المنطقة الأكثر أهمية في العالم بموقعها أو ثرواتها الاستراتيجيتين ، والسيطرة على خزان النفط العالمي ، هذا قلب العالم النابض بالطاقة ، أمر ملح سياسياً ، لكنه يتطلب أولاً إقامة قواعد عسكرية ولاشك في أن واشنطن ستكون سعيدة ببناء واجهة عربية لتحوز لقب الإمبراطورية البريطانية السابقة التي لا تغيب عنها الشمس ، ولا بأس بديمقراطية شكلية من النوع المطيع المسموح به في الفناء الخلفي لواشنطن لكن شرط توافقها مع التاريخ والتطبيق العمليين " تنظر المقاومة العراقية وقطاعات واسعة من الشعب العراقي إلى إيران بأنها مازالت متآمرة على أمن العراق ووحدته وسيادته في مرحلتي الشاهنشاهية والخمينية وأنها تواصل احتلال أرض العرب " عربستان " وتطبق سياسات غاشمة ضد سكانها بما يماثل تلك السياسات التي ينفذها الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين وأن دعايتها السابقة في دعم قضايا العرب الوطنية والتحررية باتت عارية عن الحقيقة وإنها تمثل الخطر القادم والكبير على الأمة العربية والمواجهة العسكرية معها لم تنته ، وهذه الآراء التي صدرت في الكثير من البيانات الخاصة بالمقاومة العراقية أخذت لهجتها في التصعيد خصوصاً بعد معركة النجف الكبيرة والتي وقفت فيها إيران موقف المتفرج على ما يجري وأحاطت بذلك الموقف شبهات كبيرة وعلامات استفهام للدور الذي قامت به العناصر المدعومة من إيران ومنها"  فيلق بدر " ..

الدور القديم الجديد

 كما رصدت فصائل المقاومة إشارات تعاون بين إيران والولايات المتحدة بهذا الصدد ولم تتوقف التصريحات الدعائية الصادرة من المسؤولين في إيران غداة قيامها بتجربة لنسخة معدلة من صاروخ " شهاب –3 " المتوسط المدى ، أتوقف عند تصريح أدلى به أحد قادة الحرس الإيراني الذي قال " إن بلاده قادرة حالياً على ضرب كل المنشآت النووية والعسكرية في إسرائيل " كما نقلت وكالة الأنباء الطلابية الإيرانية عن المدعو " يد الله جواني " تصريحا بالغ الخطورة عندما قال " إن الأراضي الصهيونية بكاملها بما يشمل المؤسسات العسكرية والمخزونات النووية هي حالياً في مرمى الصواريخ الإيرانية المتقدمة تقنياً " وأضاف جواني مستكملا " أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستدفعان الثمن غالياً في حال شن هجوم على إيران  " ويعود " جواني في ذات التصريح ليجزم قاطعاً الطريق على السيناريوهات المحتملة فيقول " ولن تنفذا- يقصد إسرائيل والولايات المتحدة -  أبداً مثل هذا التهديد !! " ثم يضيف جملة توضيح مهمة مرتبطة بالخطط السرية التي تعرف تفاصيلها الحكومة الإيرانية ؛ يقول جواني " إن مثل هذا الأمر لا يمكن أن يحصل إلا من جراء الغضب والغباء وبالتالي فإن على قادة النظام الإسلامي – يقصد الإيراني – البقاء في حالة استنفار مستمرة للرد على أية تهديدات عسكرية محتملة " تلك التهديدات الإيرانية حملت القيادة الإسرائيلية إلى إصدار تحذير واضح إلى إيران وذلك عندما نشرت صحيفة " الصنداي تايمز " موضوعاً له علاقة مباشرة بتلك التصريحات حمل عنوان " إسرائيل تستهدف المفاعل النووي الإيراني " وقالت الصحيفة " إن إسرائيل قد تشن هجوماً استباقياً على مفاعل بوشهر الإيراني إذا أصرت روسيا على المضي في تنفيذ خططها الرامية إلى إمداد طهران بالوقود اللازم لتشغيل هذا المفاعل " المهم في هذا الخبر المنشور إنه نقل عن مسؤول أمريكي !! ، وتقول الصحيفة ، إن مصادر في " تل أبيب " قد أكدته بعد ذلك ، المراقب المحايد والمتابع الذكي يكتشف بدقة القنوات السرية بين الدول الثلاثة المتصالحة في الخفاء والمختلفة حد العداء في العلن ، القنوات السرية بينهما ترتب لعدم حصول المواجهة التي لا علاقة لها بتاتاً بالقضية الفلسطينية أو احتلال العراق ولكن لها مباشرة أكيدة بالدور الذي سيناط إلى إيران أن تلعبه في عموم المنطقة وخاصة منطقة الخليج بعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق قريباً وكما يكتب عن ذلك " فرانك ديليو عندما يجزم بأن الحروب التي اعتبرت نصرا يجب أن تعتبر هزيمة لفشلها في تحقيق أهدافها السياسية ..

السيناريوهات العسكرية الوهمية

 في معلومات سربتها القيادة الإسرائيلية لاحقاً إلى ذات الصحيفة  البريطانية التي نقلت الخبر قالت فيها " أن الجيش الإسرائيلي أجرى بالفعل تدريبات على شن مثل هذا الهجوم " ونقلت الصحيفة أيضا عن مصدر بوزارة الدفاع الإسرائيلية قوله " أن بلاده لن تسمح أبداً بأن يصل بناء مفاعل نووي إيراني ، خاصة ذلك الموجود في بوشهر بمساعدة روسية إلى مرحلة حرجة " يضاف إلى ذلك إن المخابرات الإسرائيلية سربت سيناريوهات عسكرية عن شكل الهجوم المقترح وبذات الطريقة التي استخدمتها الولايات المتحدة بالكشف عن خططها قبل غزوها للعراق ، وللتعبير عن الثقة المطلقة بنجاح تلك العمليات قالت المعلومات الإسرائيلية " إن أي هجوم من هذا النوع سيشن بطائرات أف 16 التي ستمر عبر الأجواء التركية !! ، مع وجود عملية متزامنة تقوم بها القوات الأرضية " وتضيف الصحيفة نقلاً عن المصدر نفسه " أن الهجوم سيصاحبه هجوم على أهداف أخرى من بينها منشأة نووية تقع في منطقة " ناتانز " الإيرانية والتي يعمل فيها الإيرانيون بشكل متواصل على تخصيب اليورانيوم ، وكذلك مصنع في منطقة " أراك " الذي أسندت له مهمة إنتاج المياه الثقيلة ، الموقعان لهما علاقة مباشرة في صنع الأسلحة النووية ، وتضيف الصحيفة عن الهجوم المرتقب " إن هذا الهجوم لن يكون السابقة الأولى التي تظهر فيها إسرائيل تصميمها على منع دول الشرق الأوسط المارقة من إنتاج قنابل مدمرة في إشارة واضحة إلى عملية تدمير المفاعل النووي العراقي " تموز " التي حدثت في العام 1981 ، وبعد تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي " ارييل شارون " حول الخطر الإيراني واعتباره هو الأكبر الذي يواجه المنطقة ، تنقل ذات الصحيفة عن مصادر موثوقة في الولايات المتحدة وأوروبا أن تلك الدول لا تمانع من شن هجوم على المواقع النووية الإيرانية عندما تجد ذلك مناسبا وحيوياً ويتفق مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وإستراتيجيتها في المنطقة وتعترف وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن الهجوم المزعوم إذا وقع سيثير رد فعل قوياً في إيران وجنوب لبنان لوجود قوى مسلحة ترتبط بالقرار الإيراني في إشارة واضحة إلى حزب الله اللبناني ، الذي قد يدفعها إلى استهداف شمال إسرائيل بصواريخ تنطلق من ذلك الموقع أو ربما تعمد إيران إلى تنظيم هجمات على الأهداف اليهودية والإسرائيلية في الخارج ..

التغيير المباشر للمعادلة

الحقائق تتصادم والتقارير الإعلامية ذات الترويج المقصود لأهداف ستراتيجية يتواصل ولكن إيران في حقيقة الأمر تعرف حجم فعلها في حال حصول المواجهة وكذلك الأمر بالنسبة لإسرائيل التي تنتظر الإشارة من البنتاغون في الولايات المتحدة التي هي في حيرة من أمرها تراجع خططها التي قلبتها على رأسها تلك المقاومة المتصاعدة في العراق ، الأطراف الثلاثة لا يمتلكون مفتاح الفعل القادم ، ثمة معطيات ستكون مرغمة لتلك الدول في النظر إلى الواقع الجديد والتعامل بموضوعية مع ما يجري ليس بعيداً عن تلك الدول المتجاورة حالياً ، في الولايات المتحدة مثلاً تنظر وسائل الإعلام وكذلك فئات كثيرة من أبناء الشعب الأمريكي بعين الاستغراب إلى تلك العلاقة الخفية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ، كيف تم تصنيفها ضمن محور الشرّ ، ثم كيف تراجعت الخطط بشأنها ، لماذا لا تستهدف مع العلم اليقين أنها وراء كل الأحداث التي حصلت في العراق من تدمير وقتل والزحف لضم الأراضي العراقية دون اعتراض رسمي من قوات الاحتلال أو الحكومة التي تحكم باسمها ، يقول الكاتب والمحلل الستراتيجي " والدن بيللو -  نتيجة للعجرفة والصلف تعاني الولايات المتحدة الأميركية من المرض العضال الذي أهلك كل الإمبراطوريات السابقة ، التوسع الإمبريالي المفرط ، كما أن تهديدها بتغيير النظم في بلدان أخرى مثل إيران / سوريا / كوريا الشمالية ؛ لم يعد جديراً بالتصديق " ..

تسويق الأكاذيب

 ثمة استغراب أكبر صار ينموّ داخل الولايات المتحدة حالياً وخاصة بعد صدور تقرير أمريكي عن لجنة التحقيقات في هجمات 11 سبتمبر/ أيلول على الولايات المتحدة والذي يؤكد أن 10 من منفذي الهجمات مروا عبرّ إيران قبل حدوث الهجمات بوقت قصير كما عرضت إيران على القاعدة  التعاون معها ضد الولايات المتحدة ، والتقرير يشير بوضوح إلى أن إيران وليس العراق كانت لها علاقة مع تنظيم القاعدة في السنوات التي سبقت هجمات سبتمبر / أيلول ، يقول التقرير أن مابين ثمانية وعشرة من منفذي الهجمات والذين تلقوا تدريبات في أفغانستان مروا عبر إيران في الفترة بين أكتوبر / تشرين الأول عام 2000 وفبراير شباط عام 2001 كما يقول التقرير أن مسؤولين إيرانيين أصدروا أوامر بعدم التعرض لأعضاء القاعدة أثناء عبورهم الحدود وعدم وضع أختام مرور على جوازات سفرهم في بعض الحالات ، وضع هذا التقرير بناءاً على شهادات من معتقلي معسكر خليج " غوانتناموا الأمريكي " وأيضا من خلال رصد بعض الرسائل الإليكترونية ، كما يضيف التقرير أن نوعاً من التحالف أبرم بين شيعة إيران وسنة القاعدة قبل هجمات سبتمبر / أيلول ، وينقل التقرير عن مسؤول باللجنة قوله إن مسؤولين إيرانيين اتصلوا بأسامة بن لادن بعد حادث تفجير المدمرة الأميركية " كول " في اليمن عام 1999 واقترحوا عليه استراتيجية موحدة لشن هجمات على المصالح الأميركية ، لكن يعتقد أن الشيخ  ابن لادن رفض العرض لأنه لم يرد إغضاب مؤيديه السنة في السعودية ، وربما السبب الجوهري هو ابتعاد إيران عن الأهداف الوطنية والتحررية في المنطقة وحركتها المتطلعة نحو النموذج الإيراني السابق في ظل نظام الشاه – الشرطي الأمريكي في منطقة الخليج العربي – التقارير القادمة من المنطقة والتقارير السرية المتسربة من البنتاغون والخارجية الأميركية تؤكد أن هذا هو الدور القادم حتما ً للنظام الإيراني ..

المآزق الخليجي

 أن موضوع امتلاك السلاح النووي من قبل إيران يتفاعل في المنطقة ويعكس حالة من القلق والخوف وليس أدل على ذلك من إيعاز النظام السعودي إلى الصحيفة المرتبطة به والصادرة في لندن – جريدة الشرق الأوسط – التي أثارت ذلك الموضوع في مقال افتتاحي كتبه رئيس تحريرها " عبد الرحمن الراشد في 2004/8/19 جاء فيه " رغم الحملة الكلامية في الإعلام الرسمي الإيراني ضد إسرائيل لا يوجد في سجل إيران ما يعضد أقوالها من أنها تبني سلاحها لتتحصن ضد إسرائيل ، فلم تسجل حادثة واحدة ولو بالخطأ وقعت فيها مواجهة في البر أو الجوّ أو البحر بين البلدين على الرغم من كثرة الصواريخ وضخامة الترسانة الإيرانية ، بكل أسف سجل صراعات إيران كلها كانت مع السعودية حيث وقعت معارك جوية واشتباكات برية وكذلك مع الأماران وحديثا مع قطر حيث احتجزت بارجة عسكرية لها عنوة ولم نعد نسمع شيئاً عنها ، وصدامات إيران شملت أفغانستان في زمن طالبان قبل أحداث 11/سبتمبر واشتباكات مع أذربيجان وطبعاً مع العراق ، ليس بين الاشتباكات العديدة في ربع قرن اشتباك مباشر مع إسرائيل ، مما يجعل الدول المجاورة لإيران تقلق أكثر من إسرائيل حول البناء الدؤوب لترسانة طهران النوعية والكمية التقليدية والتدميرية الشاملة ، فقول طهران إن تطوير صواريخها موجه ضد الصهاينة لا يعززه إثبات " ويضيف الكاتب في تلك الافتتاحية المعبرة عن وجهة النظر الرسمية والسياسية للحكومة السعودية قائلاً " أن سباق التسلح الصامت والذي يسير بشكل أكثر اندفاعا من قبل إيران في حقيقة الأمر لا يخيف إسرائيل بل يخيف صغار الدول المجاورة التي ستظطر إلى شراء المزيد من السلاح لما تراه تحصنا وتحسبا ، مما يغذي الشكوك على الجانبين ويسعد فقط باعة السلاح والدول البعيدة " تدخلت الولايات المتحدة بشكل حاسم ضد إيران في فترة الخمسينات لتغيير نظام " مصدق " وكذلك في نهاية السبعينات لتغيير نظام الشاه محمد رضا بهلوي وفسح المجال لمجيء نظام الخميني كما تدخلت بشكل سري لتقدم الدعم اللوجستي والسلاح في عملية إيران – كونترا خلال فترة حكم الرئيس " ريغان  " أنا لا أفترض في حكم معرفة الظروف الدولية و تفاصيل الذي يجري في العراق أن إيران قادرة حتى على إطلاق صواريخ من ورق ضد إسرائيل ، الإيرانيون تجار محترفون في السياسة ، هم يعرفون تماماً كيف جاءوا إلى الحكم ويعرفون أيضا حجم الترسانة الإسرائيلية ، ويعملون على عقد اتفاقات سرية من خلال وسطاء عدة لديهم الاستعداد للتعاون حالياً مع الشيطان الأكبر وجميع حلفائه أو الذين يتعاونون معه ، والحرب التي تدور في العراق – في مرمى حجر كما يقال – هي خير اختبار للنوايا وللعلاقات الجديدة الاستراتيجية بين عدوين وهميين ..

 ( يتبع )

 

___________________

*  رئيس تحرير جريدة المدار الأدبي

الولايات المتحدة الأمريكية