ياحسرة على حال الأمة: الشعوب قبل الحكومات!

 

 

 

بقلم :د. إبراهيم عوض

 

 

المستشار حسين نجم رجل من رجال القانون ، وأحد  كبار الفنانين التشكيليين فى مصر والعالم العربى ،  وصوت شعرى متميز. يكتب الشعر منذ أواخر الأربعينات حين كان شابا يسهم بنشاطه مع جماعة أبولو برئاسة الدكتور إبراهيم ناجى ، ولـه عدد من الدواوين . وقد واكب شعره الأحداث وتطور مع الزمن رؤية وأسلوبا . وفى السنوات الأخيرة كانت قصائده بمثابة ناقور يحاول إيقاظ النائمين الذين لم تفلح البلايا المتتالية المنصبة على رؤوسهم فى إخراجهم من غطيطهم المتواصل ! 

 

وجولة سريعة فى أرجاء تلك القصائد ترينا كيف يضم غالبيةَ مفرداتها وعباراتها حقلٌ دلالىٌّ واحدٌ تخيم عليه مشاعر الغيظ والقهر والعجز أمام تلاحق المصائب التى تحيق بالعرب والمسلمين فى السنوات الأخيرة كالرعود المُصِمّة والصواعق المحرقة . بل إن تلك السمة لتتجلى فى  كثير من العناوين مما يصدق معه المثل القائل بأن الخطاب يبين من عنوانه . وهذه طائفة من تلك العناوين نوردها كيفما اتفق ، ولا نظنها تحتاج إلى أى تعليق : " الخزى الفصيح فى دعوات التطبيع" ، " شوكة العقرب لن تصبح وردة " ، " الدم والبالوعة "،  " الخدود الصدئة           " الذباب " ، " الهـمّ  البرغوثى "، " الفحم البشرى "،  " من حفائر الهم العربى "،    "الطوفان"، " أبو ديس والتدليس"،" أصداء النكبة"... إلخ.

 

أما المفردات والعبارات التى تدور فى فلك القهر والغيظ والشعور بعدم القدرة على فعل شىء أى شىء إلا الاستسلام الشامل والانبطاح الكامل أمام أعداء لا تعرف قلوبهم شفقة ولا يرعون فى أى منا إلا ولا ذمة ، أعداء قد فرغوا منذ زمن بعيد من وضع خطة تدميرنا، وقطعوا فى تنفيذها أشواطا ، ويتطلعون إلى قطع الأشواط الباقية عما قليل ، أعداء ليس للكلل ولا للملل موضع فى قاموس سياستهم أو أخلاقهم ، أما هذه المفردات والعبارات فإلى القارئ عينة منها نسوقها حسبما تقابلنا أثناء  تصفحنا للقصائد دون محاولة للترتيب : " العقول الراكعة " ،         " حسابات رياء زانية " ، "غرستْ شوكا يهوديا تمشّى عقربا " ، " ساخوا فى رمال التفرقة / وصراع جاهلى بين رايات بطون وعشائر"، " أجهضْنا الضمائر فى كهوف العجز باسم التسوية " ،         " قضايا كل شعوب الكون لديهم أهون من بعرة " ، " على خدودنا تراكم الصدأ/ على شفاهنا تحجرت على الذل ابتسامة ... /  وكل كف سجلت على  خدودنا علامة .../ كف وغد من عتاة الصافعين / مستعرضين عرينا من كل أثواب الكرامة / مهللين فى خنوعنا الفصيح / فى فضيحة تجاوبت لها السماء والدماء / إلا دماء فى بلادنا السجينة / تشربت حلاوة الصدأ / وأدمنته للنخاع"، " ما الذى نعطيه للدنيا سوى أن نتمطى / نلتصق / ببقايا ، بنفايا / كل ما أبدعه الغرب ولو كان مبيدا للذباب / للعرب ؟ "،" وتقلبتُ على شوك شعورى / وتداخلتُ من القهر، من اليأس / إلى أن صرت كهفا من عدم " ، " أمر يتحير فيه هلام المخِّ / وكل هلام الذلة والإذعان "،"مروان البرغوثى النابض بالإيمان/ هو يلذع أدبار العار الرسمىّ / وأقفية الخزى المنهار/ وكل عروش عمالتها وخيانتها / للقدس ، لصرختها الخرساء "،" كم أنظمة من دود / يغشاها بوم الخذلان "،" حسب الكلاب مهنة الحراسة / حتى على مداخل السياسة / ولا يهم من يكون السيد المهاب / ليس الفضول من طبائع الكلاب"،" ويغوص وقد الجمر كالمرساة فى القلب الطعين"،" ولكن موج الخطوب الدءوب / يسد علينا جميع الدروب "، "وراق لنا الموت قبل الوفاة/  لنُبْعَث قبل رجاء القيامة / مسخا قميئا / ونعلا وطيئا" ، " والأمة العصماء قد جمدت على وضع السجود / تتلو كتاب الذل / والهامات تحت النعل / والصلوات للمحتل / تتلوها كما الديدان"،" وشهرزاد لم تعد / تمارس العناد / تذوقت حلاوة الخضوع والرقاد / ليحصل المراد "، " ودنا التاريخ مشدود الخطى / وتحرى وتقصى فى حسابات العرب / فرأى أطنان شجب وعويل / تحت أقدام السنين / خلصت صفرا كبيرا/ ملء صندوق القمامة ". أترى هذه الشواهد محتاجة إلى أن أردفها بكلام من لدنّى يوضح ما تشير إليه وتدل عليه ؟ إنها إصبع يفقأ العين فقئا!

 

 

 

ولا تقع المسؤولية فى هذا الوضع الذى يدعو إلى الغثيان والغيظ والقهر على طرف من الأمة دون آخر، بل الأمة كلها ، حكاما ومحكومين ، مسؤولة عن هذا الهوان. وإذا كان شاعرنا فى قصيدة " الهم البرغوثى" يقول :

 

أمر يتحير فيه هلام المخ

 

وكل هلام الذلة والإذعان

 

        عن أنظمة نامت عن كل

        هموم عروبتها

 

        ...

 

         كم أنظمة من دود                                                  

يغشاها يوم الخذلان

 

...

 

 كم أنظمة جزعت

 

من لذعة هذا البرغوث

 

فلا يذهبن بأحـــدٍ الظن إلى أنه يضع الحساب كله على عاتق الحكــومات ، فها هو ذا فى قصيدة أخرى عنوانها"الذباب" يبدى سخطه العارم على الأمة كلها غير واجد وصفا تستحقه غير كلمة "الذباب " ، التى جعلها سارتر عنوان إحدى مسرحياته :

 

 قالها فى سعيه المحموم 

 

 سارتر:

 

        " الذباب "

 

        هكذا نحن على وجه الزمن

 

هكذا نحن على وجه العفن

 

هكذا نحن على وجه الحضارة

 

ما الذى نعطيه للدنيا سوى أن نتمطى ، نلتصق

 

ببقايا ، بنفايا

 

 كل ما أبدعه الغربُ ولو كان مبيدا للذباب

 

للعرب ؟

 

       ...

 

من أنا ؟ ما أمتى ؟

 

يا ملايين الذباب العربى اللاصقة

 

        إنه حقا لصمغ عربى وأصيل

 كان فينا كما الداء الوبيل

 

مذ هوينا بالملايين ذبابا

 

بعضنا حط على القار

 

وفى الآبار مسحورا

 

إلى الأعماق

 

فى ظلمة أوهام ثراءٍ

 

ورخاء ونعيم طحلبى

 

ساخت الأقدام والأفهام فيه

 

بالذباب العربى

 

        فى تباه جاهلى بسجايا كالعطن

 

      ...

 

إنما أرنو مع الآهة

 

والحسرة

 

للشمس هناك

 

        إنما أرنو إلى شمس التحدى

والإرادة

 

فى بلاد الغيم

 

والظلمة والبرد

 

التى صارت مع العزم ، مع العلم

 

ضياء  يزدرينا

 

وضراما من عتوِّ

 

يحتوينا

 

ومبيدا عبقريا لإرادات الذباب

 

 كل أنواع الذباب

 

العربى اللاصقة

 

 

 

وهو هجاء يكشف عن بصيرة صافية لا تجرى مع أوهام الواهمين من أفواج هذا الذباب الذى يخادع نفسه متبرئا من المسؤولية ملقيا بأوزارها جميعا على كاهل الحكام ظانا أنه بذلك قد تخلص من الذنب ، مع أنه هو المسؤول  الأول عن هذا الهوان المدمر الذى هو فيه .  فالحكام إذا كانوا يمالئون القوى الكبرى حرصا على كراسيهم ومصالحهم ، فماذا فعلت الشعوب دفاعا عن وجودها كله لا الكراسى فقط ؟ وإذا كان من السهل رمى الحكام بالجبن أمام العدو والتسليم له بكل ما يمليه عليهم ، فأسهل من ذلك وأعدل رمى الشعوب بالجبن والمذلة أمام حكامها . ولا أحد إذن أحسن من أحد ، فالكل مدين ، والكل مجرّم . لقد بَحّت أصوات العقلاء فى محاربة ذلك الوهم الذى يعشش فى رؤوس الجماهير ويسول لها إلقاء المسؤولية كلها على رؤوس الحكومات ، مدّعيةً البراءة والبكارة ، وخالعةً على حكامها صورة الشياطين، وهى فى الحقيقة أعرق منهم فى الشيطنة والجبن والتفريط فى المصلحة والكرامة والحقوق ، فكان يقال :  وماذا تستطيع الشعوب أن تفعل ، وهى ترسف فى أغلال القهر والعسف والاستبداد؟ وتجىء الإجابة باترة كالسيف أن الحكام هم أيضا يرسفون فى أغلال القهر والعسف والاستبداد التى تغلهم بها القوى المعادية للعرب والمسلمين . وإذن فإما أن نبرئ الجميع ، وإما أن ندين الجميع ، والإدانة هى الحُكم العادل ، وإلا فليس هناك مكان تحت الشمس لشىء اسمه الحرية والرجولة والكرامة :            كرامة الفرد، وكرامة الشعوب جميعا، تلك الكرامة التى تبعث الأمم إلى التضحية وتهيب بها إلى الكفاح والصبر على لأوائه وضريبته الباهظة ، تلك الكرامة التى تميز شخصا عن شخص ، وجماعة عن أخرى . فلتنظر امة العرب والمسلمين أين تحب أن تكون ، ولتختر ما تراه لائقًا بها ، ولتكن على ذُكْرٍ من أن هناك أمما أخرى كانت تعيش فى ظلام دامس ودخان كثيف خانق من العسف والبطش والترويع ، ورغم ذلك استطاعت أن تتخلص من هذا كله بالإيمان بنفسها وحقها فى الحياة العزيزة الحرة التى تليق ببنى الإنسان ، ومنها أمم الغرب التى كانت حكوماتها قبلاً مثالا رهيبا للقسوة والتجبر والتعذيب والتقتيل ، ولم يحل ذلك كله دون حصولها على الحرية والأمان والكرامة والرفاهية والتحضر . وهاهو ذا الشاعر يدين الأمة كلها حكاما ومحكومين ، ولا يجرى فى دنيا الأوهام مع الواهمين . يقول مخاطبا طفل الحجارة ورفاقه المغاوير فى فلسطين أرض البطولات :            

 

        لم بالثورة ضد الغاصب العبرى 

 

        أحرجت عروشا ورُتَب

 

        وجيوشا تتهادى

 

        فى عروض للّعب

 

        وأطرت النوم من أعين

 

        سادات العرب؟

 

        أولم يجتمعوا كى يبحثوا

 

        أين المفر

 

        من نداءات المروءة

 

        وقلوب تستعر؟

 

        أولم يلقوا إلى أمك

 

        ما يكفى من المال

 

        لنعش أو كفن ؟

 

        ما الذى ترجوه منا

 

        من ملايين العرب؟

 

        أو لم نخبرك أن الساحر العبرى

 

        قد ألقى عصاه  بيننا

 

        وعلت زمجرة الدولار

 

        فى أسماعنا

 

        فإذا كل الذى نحشده

 

        من عدة الحرب حجارة

 

        وقوى النجدة ، بل كل الخطى

 

        نحوك شلّت

 

        واستحالت لحجارة ؟

 

 ففى هذا النص ، كما هو واضح جلى ، نراه يدين الحكومات والشعوب معا : فأما الحكام فقد رمز لهم بـ " العروش والرتب ، والجيوش التى تتهادى فى عروض اللعب ، وسادات العرب " ، وأما المحكومون فهم الملايين الذين سحرهم العدو الصليبهيونى بعصاه ودولاره ، فبطل ما كانوا يعملون ، واستحالت جميع إمكاناتهم البشرية والسياسية والاقتصادية والعقلية صفرا بحيث لم يعد هناك إلا الحجارة . ويا ليتهم هم الذين يستعملون هذه الحجارة فى قذف العدو ! بل القاذف هو الطفل الفلسطينى الأشم الذى لم تزايله النخوة والرجولة ، ولا تزال الدماء الملتهبة تتوثب فى عروقه على عكس دمائهم المتخثرة بل المتجمدة!

 

       

 

وفى واحد من أطفال الحجارة الأشاوس اسمه فارس عودة دأب على مواجهة دبابات بنى صهيون الغاصبين القتلة بحجارته حتى استُشهِد بقذيفة دبابة منها ينظم شاعرنا قصيدة كاملة عنوانها " الغلام والدبابة " يصفه فيها بأنه :

 

        فارس لم يعرف الخيل

 

        ولا ليل التغنى

 

        بالأغانى العنترية

 

وأنه إذا كان قد مات فى حساب الأجساد البالية فإنه لم يمت فى حساب البطولة الخالدة .ألم يقل القرآن الكريم إن الشهداء" أحياء عند ربهم يُرْزََقون " ؟ :

 

        ومضى الفارس

 

        فى عرس الدم البكر شهيدا

 

        خارج الأيام والأجسام

 

        روحا وضياء عبقريا

 

        لا يموت

 

         

 

 وهذه الصورة الوضاءة بعبقـرية العزة والإيمـان والتضحية والشهـادة تقابلها صورة أخرى لسائر الـعرب فى قصـيدة "المزاد"، التى تصور إجراءات بيع القدس فى مزاد علنى حضرته الجموع  العربية من حاكمين ومحكومين وهم يقعقعون بالكلام العنترى المدمدم مقسمين بأغلظ الأيمان إنهم لجاهزون لفدائها بأرواحهم ، لكن حين جد الجد تبخرت كل هاتيك القعقعات المجلجلة ، ولم يستطع أى واحد منهم أن يكون رجلا عند كلمته  :

 

        فُتِح المزاد ، فمن يزايد ؟

 

        والقدس فى ثوب الشهادة تصطبر:

 

        من يشترى شرفا ؟

 

        ومن بقيت بجعبته دماء مروءة

 

        أو ومض ذكرى من إباء؟

 

        هبوا جميعا فى صهيلٍ

 

         كالجواد العنترى المقتحم

 

        وتناثرت حمم من الأفواه

 

        فى سوق الكلامِ

 

        تسوقها ريح الزمانِ

 

        إلى العدم

 

        ...

 

        والقدس فى ثوب الشهادة تصطبر

 

        وجميع سكان القبيلة فى عكاظٍ يصخبونَ

 

        ويصخبونَ

 

        ويملأون صدورهم

 

        بهواء أمجاد القرون

 

        وأتى أوان الجد

 

        فانتحر الكلام على الشفاهِ

 

        وشلت الأقدام والأيدى

 

        وطؤطئت الرؤوس

 

        على الصدور الواجفة

 

        وانفض سامرهم

 

        يجر العجز أذيالا وأذيالا

 

        بطول ألوف أميالٍ

 

        من الأرض الغريرة

 

        حين تحسب فى جموع القاطنين بها

 

        أناسا فى قلوبهمو

 

        بصيص من حياة

 

        وحجارة الأطفال ترجم خزيهم

 

        وضمائرا ضُبِطت مع الدولار

 

        فى وكر السلام الجاهلى

 

        بلا رداء

 

 

 

وقد بلغ من سخط الشاعر على أمته ، واشمئزازه وخزيه وعاره منها ، أن صوّرها وقد سجدت بل جمدت على وضع السجود ، لا للمولى سبحانه ، بل لأعدائها الذين يُعْمِلون فى رقبتها سكين الذبح الإجرامى . ثم هى فوق ذلك قد هجرت كتاب ربها ، كتاب العز والسؤدد ، وعكفت بدلا منه على كتاب الذل . وعوضا عن أن ترفع رأسها للسماء تدعو رب الكون أخذت تتلو صلواتها للمحتل واضعة هاماتها تحت نعاله . يقول فى القصيدة المسماة :"من حفائر الهم العربى"   :

 

        والأمة العصماء قد جمدت

 

        على وضع السجود

 

        تتلو كتاب الذل

 

        والهامات تحت النعل

 

        والصلوات للمحتل

 

        تتلوها كما الديدان

 

        أكواما على رأس الشهيد

 

         

 

 إنها ، كما تصورها الأبيات ، أمة من الديدان المتكومة على رؤوس الشهداء. وفى قصيدة  " الذباب " يصفها بأنها :

 

        من أنا ؟ ما أمتى

 

        يا ملايين الذباب العربى اللاصقة ؟

 

        إنه حقا لصمغ عربى وأصيل

 

         كامن فينا كما الداء الوبيل

 

        مذ هوينا بالملايين ذبابا

 

        بعضنا حط على القار

 

        وفى الآبار مسحورا

 

        إلى الأعماق

 

        فى ظلمة أوهامِ

 

        ثراءٍ

 

        ورضاءٍ ونعيمٍ

 

        طحلبىّ

 

        ساخت الأقدام فيه

        بالذباب العربى

 

        فى تباه ٍجاهلى

 

        بسجايا كالعطن

 

 

 

وفى قصيدة ثالثة يؤكد أن الأمة ليست أكثر من " كلاب حراسة " تسهر على رعاية مصالح عدوها متفانية فى مرضاته واضعة تحت تصرفه كل ما تملك من ثروات بشرية واقتصادية ، وهو الذى لا يضع نصب عينيه إلا غاية واحدة هى تقتيلها وإفناؤها من فوق وجه الأرض (من قصيدة " الحراسة الرشيدة " ) :

 

        حسب الكلاب مهنة الحراسة

 

        حتى على مداخل السياسة

 

        ولا يهم من يكون السيد المهاب

 

        ليس الفضول من طبائع الكلاب

 

        فهمّها أن تتقن المهمة

 

        لترتقى مراتب العمالة

 

        وتصبح الأغلى من السلالة

 

        خيالها مقيدٌ بعظمةٍ

 

        من أجلها تعانق الصعاب

 

وتغلق العيون والأنوف والسرائر

 

        عن كل ما يُزيغها عن خدمة المخافر

 

        فلا ترى مصارع الأطفال والنساء

 

        ولا تشم الموت فى ارتجافة الرياحِ

 

        إذ تفر من ضراوة المجازر

 

        وتنبح الكلاب للهدوء كى يسود

 

        ولو بدفن الحق والضياء فى الحفائر

 

 

 

أما فى قصيدة " فى ذكرى قانا " فيجعل منها مجرد أصنام :

 

        نزل التاريخ من عليائه

 

        ...

 

        فرأى أطنان شجب وعويل

 

        تحت أقدام السنين

 

        خلصت صفرا كبيرا

 

        ملء صندوق القمامة

 

        ورأى الجزار يختالُ

 

        بلا أدنى ملامة

 

رافعا نجمة صهيون

 

على الآفاق تزهو

 

        فى سماء تحتها الأصنامُ

 

        فى الألقاب تغفو

 

ليعود فى قصيدة " استقل يا عمرو موسى " فيمسخها جرذانا تلعق الأقدام ، وتعبد الأصنام من  كل النحل : من العجل الإسرائيلى إلى الهُبَل الأمريكى ... إلى آخر قائمة الأصنام التى تجثو أمامها وتخدمها  وتعبدها من دون الله .

 

       

 

وفى قصيدة " الخدود الصدئة " يصورها وأكفّ الأوغاد من كل أشتات الأرض تنهال بالصفع المذل المهين على وجهها الذى بلغ من جموده وتبلده أن تراكم عليه الصدأ طبقات ، فلا إحساس ولا كرامة ولا نخوة حتى لتمد أيديها إلى هؤلاء الصافعين تصافحهم فى وداد :

 

        على خدودنا تراكم الصدأ

 

        على شفاهنا تحجرت 

 

        على الذل ابتسامة

 

        وكل كف فى شتات الأرض

 

        نالت حظها البهيج من خدودنا

        حتى تزاحمت على خدودنا

 

        الأكف

 

        وكل كف سجلت

 

        على خدودنا علامة

 

        ونحن فى ابتسام ٍ، فى كلام

 

        والأيادى لا نمدها للسيف

 

        بل كيما تلاقى فى وداد

 

         كف وغد من عتاة الصافعين

 

        مستعرضين عرينا

 

        من كل أثواب الكرامة

 

        مهللين فى خنوعنا الفصيح

 

 

 

ويبدو أن ذلك كله لم يشف غليل الشاعر من أمته التى لم تعد تظهر عليها أية علامة من علامات الحياة ، فضلا عن أية بادرة من بوادر الكرامة ، إذ ينبئنا فى قصيدة " بشرى " أنها ستُبْعَث يوم القيامة " مسخا قميئا ، ونعلا وطيئا " للمسيح الكذوب الأمريكانى الذى طالما سجدت له فى الدنيا دون رب العالمين. إنه لهجاء يحرك الجماد ، لكن الأمة فيما يبدو قد تخطت مرحلة الجمادية إلى ... إلى ماذا ؟ والله لا أدرى .

 

       

 

ولا يكتفى الشاعر بهذا الهجاء الحقيق بأن يشعل اللهيب فى قلب الحجر ، بل يضيف إليه التوسل ، التوسل بكل شىء : بالقرآن والإنجيل ، وبتراب الأوطان الذى ضمّخه عَرَق الرسل، وبدموع الأيتام والثكالى ودماء الشهداء الزكية ، التوسل للحكام والمحكومين والأمجاد الضائعة والشرف المهدر أن تحركوا يا عرب وكونوا رجالا ولو لمرة واحدة ( من قصيدة " رسالة بدمع الأرض المأسورة " ) :

 

        أتوسل باسم تراب حر

 

        صانته همم الأجداد

 

        وضمّخه عَرَق الرسل العطرىّ

 

        وأمجاد الأبطال الغُرّ

 

        وأزكى ما نزفته الإنسانية

 

        من دمع ودماء

 

        أتوسل باسم عيون ملا يين

 

الوطن العربى المقهورة 

 

أتوسل باسم عذابات الثكلى

 

ودم الشهداء المهدرِ

 

        فى بالوعات الكلمات الجوفاءِ

 

الحيرى بين الساسة

 

أتوسل بالقرآن وبالإنجيل

 

وكل معانى الطهر المهجورة

 

أتوسل للحكام وللأجنادِ

 

وللأمجاد المطمورة

 

أتوسل للشرف المخنوقِ

 

لكى يتفجر بركانا

 

من بين ركام الخزى

 

ليكتسح العجز المتربع

 

فوق البر ، وفوق البحر

 

وفوق إرادات الشمم العربىِّ

 

المأسورة

 

أتوسل للشمس العربية

 

أن تتذكر أيام الإشراقِ

 

وأن علاها لم يبزغ  يوما من أرض الغرب

 

ولكن من شرق الإقدام

 

ورايات العزم الدفاق المنصورة

 

أتوسل بالدم أن يتوثب

 

فى الشريان

 

وللوجدان لكى يتحرر

 

من رق الإدمان

 

لرقم الصفر الساقط

 

من شجر الأيام

 

وكل حسابات العدم الشلاء

 

وسائر إنجازات الوهم

 

وأن يستيقظ من إغماءٍ

 

طال عقودا ، وعقودا

 

...

 

أتوسل للعربى بكل مكان

 

أن يتذكر أن السيف

 

وليس الذلة

 

 كان هو المتألق

 

يوم العسرة

 

فى كف الإيمان

 

 

 

        ومن الواضح أن التوسل هو أيضا غير مجد، وإلا لأجدى الهجاء الكاوى الشاوى الذى صبه الشاعر على أمته. وعلى ذلك فلا أمل فى أن تثمر دعوته لعمرو موسى أمين الجامعة العربية الحالى بالاستقالة نأيا بـ " روحه الوثاب " من أن يتغشاه ضيق الحصار المضروب على العرب فى كل مكان ، وفى فلسطين الشماء على وجه الخصوص ، فها هو ذا عمرو موسى باقيا فى موقعه لم يستقل ، ولن يستقيل ، وهذه هى الجامعة العربية لا تزال على عجزها وخزيها القديم لا تهشّ ولا تنشّ . يقول شاعرنا من قصيدة " استقل يا عمرو موسى " :

 

استقل يا عمرو موسى

 

وانج بالإسم الكريم

 

استقل يا سيدى المرموق

 

من ضيق الحصار

 

يتغشّى روحك الوثاب

 

فى عصر لئيم

 

استقل ، يا ليتنى

 

يا ليت كل القابضين الجمرَ

 

جمر الحق، جمر العزة الشماء

 

والإعلاء للإنسان والأوطان 

 

يَلْقَوْن ، ولو فى الحلم الكاذبِ،

 

أرضا غير هذا الكوكب المسكونِ

 

بالطاغوت يزنى بالضمائر

 

...

 

استقل يا عمرو

 

فالأرض الكسيحة

 

من خليج لمحيط

 

لم تعد أرض العروبة

 

لم تعد أرضا لعمرو أو لخالد

 

أو لزيد أو لطارق

 

لم يعد فيها مكان شامخٌ

 

يجدر أن يسكنه ذاك الزمان

 

لم بعد فيها مكان هانئٌ

 

        غير للجرذان تخدم

 

غير للجرذان تجثو

 

تفتدى كل البغال الغازية

 

تلعق الأقدام من كل النحل

 

تعبد الأصنام

 

 

 

ويلجأ الشاعر ، ضمن ما يلجأ إليه من وسائل لإيقاظ كرامة الأمة ، إلى سلاح التهكم  والسخرية : فتحت عنوان " الحل السعيد " تطالعنا هذه السطور :

 

وضح الحل ، وصار الرأى

 

ما قال به شارونُ

 

        واهتزت له أعطاف بوش ٍطربا

 

        فى زفاف أطرقت فيه

 

        رؤوس الرأى  فينا    

 

        مثلما يُطْلَب من كل عروسٍ

 

        ليس ذلا ، بل حياءً، أدبا

 

        ما لهم والقدس

 

        والرحمن قد باركها

 

        وهو أولى أن يقيها العطبا ؟

 

 

 

        ومثلها قصيدة " بشرى " ، التى يزف فيها البشرى للعرب بأن كل مشاكلهم قد حُلّت، وكل معاناتهم قد ذهبت إلى غير رجعة .  لكن كيف ؟  لنسمع هذه الكلمات :

 

        ألا ألف بشرى لنا

 

 يا عرب

 

وليس لنا بعدها من أرب

 

حصلنا على حقنا كاملا

 

من الموت من قبل أن نُحْتَضَر

 

...

 

وقمنا بفضل الخنوع

 

الأبىّ على أى روشتة للعلاجِ

 

بتحرير أيامنا والعروبةِ

 

من نير عبء التطلعِ

 

نحو غد لائق بالبشر

 

نواجه أيامنا بالهروبِ