هل تعمدت واشنطن أن يصبح العراق مصيدة للإرهابيين؟

 

 

بقلم :فهمي هويدي

 

هل أرادت الولايات المتحدة للعراق أن يكون «مصيدة» للإرهابيين؟

لم يخطر لي السؤال من قبل، لكني سمعت رأيا بهذا المعنى لأحد العلماء الاميركيين، عبر عنه في اجتماع لمنظمة «باجواش» ـ العلماء من أجل السلام ـ عقد مؤخرا في العاصمة الاردنية عمان، ووجدت ان الفكرة جديرة بالانتباه فضلا عن البحث والمناقشة، قال صاحبنا الذي يعمل استاذا في جامعة هارفارد الاميركية الشهيرة أمام 50 من علماء العالم، ان اصطياد الإرهابيين وتجميعهم في العراق هو الآن هدف اميركي تدل عليه شواهد عدة، أهمها ان الولايات المتحدة لم تعن بمراقبة أو اغلاق الحدود بين العراق والدول المجاورة له، رغم ان لديها من وسائل المراقبة والرصد المتقدمة ما يمكنها من ذلك، بل انها أغمضت أعينها، وحرصت على أن تبقي الحدود مفتوحة لمن يشاء من الراغبين في «التسلل» والانضمام الى المقاومة العراقية، وهي تريد بذلك أن يتقاطر الإرهابيون من كل صوب، منتهزين فرصة شيوع الفوضى في البلاد مع انفتاح الحدود، وأرادت بذلك أن يجتمع على أرض العراق أكبر عدد منهم، الأمر الذي يمكن الاميركيين الذين يملكون قدرات عسكرية كاسحة، من توجيه ضربة قاصمة لهم، وبحيث يتحول العراق في نهاية المطاف الى مقبرة للإرهابيين، والى ان يحسم الأمر على ذلك النحو، فإن انجذاب المجموعات الإرهابية نحو العراق واهتمامهم بمنازلة الاميركيين هناك، من شأنه أن يصرف انتباههم عن العمل داخل الولايات المتحدة، باعتبار ان وجود القوات الاميركية في العراق يشكل اغراء خاصا للإرهابيين، يحقق لهم ما يريدون من دون أن يكبدهم مشقة المغامرة بتحدي الاميركيين في بلادهم.

ورغم ان الكثير من الخطوات التي اقدمت عليها الولايات المتحدة في العراق افتقدت الى الذكاء وبعد النظر (الغزو ذاته نموذج لذلك)، إلا انني وجدت ان الفكرة ـ ان صحت ـ لا تخلو من وجاهة لأسباب عدة. فالولايات المتحدة أصبحت مصابة بعقدة اسمها «الإرهاب»، منذ 11 سبتمبر، ذلك فان أخطر ما في ذلك الحدث ليس فقط وقوعه والصدمة الهائلة التي أحدثها، وإنما أيضا الخيال فيه، إذ كان أبعد ما يمكن عن البال ان تتحول طائرات مدنية الى قنابل موقوتة عملاقة، تستخدم في تدمير ناطحات السحاب وإرعاب ملايين الاميركيين، هذا الخيال المخيف أقنع الجهات المعنية في الولايات المتحدة بأن الخطر يمكن أن يأتيهم من حيث لا يحتسبون، ومن ثم فإن معركتهم ضد الإرهاب أصابتهم برعب مضاعف، إذ هي موجهة ضد طرف غير معلوم من ناحية، ثم ان هذا الطرف يمكن أن يفاجئهم بما لا يخطر على بالهم من ناحية ثانية، الأمر الذي يجعل المعركة ضد الإرهاب بغير نهاية، ومفتوحة على كل الاحتمالات، المعقول منها وغير المعقول.

وفي مواجهة موقف بهذه الصورة ، فإن فتح أبواب العراق لاستقطاب عناصر القاعدة وغيرها من المجموعات الإرهابية ، يجعل للمعركة مسرحا محددا ، وأهدافا واضحة، وهو ما يحل للأميركيين مشكلة كبيرة، وفي هذه الحالة فانه سيكون بوسعهم ـ عند الحد الأدنى ـ اضعاف تلك الجماعات واستنزافها، إذ ستصبح الساحة العراقية بمثابة كمين دائم ومصيدة مفتوحة للإرهابيين.

في الوقت ذاته فان العراق يمكن ان يعد ساحة نموذجية للمواجهة من جانب الطرفين، ذلك ان الثقل الآساسي للجماعات الإرهابية في آسيا، وعناصرها أغلبهم إما في افغانستان أو باكستان أو الشيشان أو آسيا الوسطى، واذا لم تكن عناصرهم قادمة من تلك البلدان، فان مراكزهم وقواعدهم هناك، ومن ثم فوصولهم الى العراق يعد أمرا ميسورا، لا يحتاج الى طيران أو تأشيرات أو الى المخاطرة بالمرور عبر البوابة الأوروبية.

في الوقت ذاته فان المجموعات الإرهابية ستجد في العراق ميزة أخرى، تتمثل في وجود أكثر من 130 ألف جندي اميركي هناك، غير الجنود الانجليز، وكل من صنفتهم قيادة القاعدة ضمن «الصليبيين واليهود»، وذلك يشكل عنصر اغراء آخر، يضاف الى القرب الجغرافي.

بالنسبة للاميركيين فانه سيريحهم في المواجهة ان يتجمع أكبر عدد ممكن من العناصر المناهضة وغيرها في العراق. وإزاء اطمئنانهم الى التفوق العسكري، فانهم يتصورون انه سيكون بمقدورهم سحق الإرهابيين، وعند الحد الأدنى فان استمرار المناوشات معهم سيجعلهم يركزون على كسب معركتهم في العراق، وبالتالي فانهم سيخففون من تطلعهم الى تصفية حساباتهم مع الولايات المتحدة على أرضها.

صحيح ان من شأن ذلك ان تشيع الفوضى في داخل العراق، إلا ان الفوضى موجودة وضاربة أطنابها بالفعل، ومؤشرات هذه المواجهة لن تضيف جديدا لوجودها، بالتالي فان الجديد سيكون في الدرجة وليس في النوع.

هذه الفكرة مردود عليها بما تتناقله الصحف هذه الأيام عن زيادة وتيرة القلق في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، من جراء تسرب معلومات عن اعداد القاعدة لشن هجوم على بعض الأهداف في الولايات المتحدة وأوروبا (انجلترا وايطاليا بوجه أخص)، اضافة الى التعميمات التي وزعت على المواطنين لتوعيتهم بما يتعين عليهم أن يفعلوه اذا ما تعرضت الولايات المتحدة أو انجلترا لهجوم كيماوي أو بيولوجي. وكانت الاجراءات التي اتخذت مؤخرا في الولايات المتحدة لرفع درجة الطوارئ من الأصفر الى البرتقالي دليلا آخر على ان تنظيم القاعدة مثلا لم ينصرف عن الولايات المتحدة، ولم يركز نشاطاته في العراق كما كان مأمولا، في الوقت ذاته فإن عمليات القبض على عناصر للقاعدة، أو مشتبهين في انضمامهم لها، ما زالت مستمرة في العديد من العواصم الغربية والآسيوية، وهو ما يعني ان خطرها لا يزال قائما خصوصا على صعيد الانتشار في أنحاء العالم.

غير ان هذا الكلام يمكن الرد عليه بأكثر من حجة. الأولى ان المعلومات التي تتداول عن هجوم للقاعدة على الأهداف الاميركية خاصة قد تكون صحيحة ومن ترتيب خلايا للتنظيم موجودة في بعض الأقطار الغربية، حيث ليس من المتصور ان يتدفق كل عناصر القاعدة على العراق في الأمد القصير الذي اعقب الاحتلال. والثانية ان تلك الخطط التي تتداولها وسائل الاعلام ربما كانت قديمة نسبيا، وتم التعرف عليها حديثا، من خلال الاعترافات والمضبوطات التي تم التوصل إليها في الآونة الأخيرة. الحجة الثالثة انه ربما لا يكون هناك أصل لتلك الخطط التي يتحدثون عنها، وانما قامت الأجهزة الأمنية بتسريب معلوماتها لأسباب سياسية، مثل اشاعة الاحساس بالخطر لدى الاميركيين، ومن ثم دفعه الى الالتفاف حول الرئيس بوش في الانتخابات الرئاسية القادمة «في 2 نوفمبر ( تشرين الثاني)»، باعتباره الرجل القوي الذي قاد الحملة ضد الإرهاب، ولم يتردد في قصف افغانستان وغزو العراق، (هذه الملاحظة الأخيرة ترددت في الولايات المتحدة، ونفتها وزارة الأمن).

لست في صدد الدفاع عن الفكرة، ولكنني سجلتها منسوبة الي مصدرها من باب لفت النظر الى تعدد الأهداف الاميركية في العراق، سواء تلك التي حركت غزوه، أو التي استجدت لاحقا، استثمارا للوجود الاميركي هناك. وبهذه المناسبة، فانني سمعت من أحد كبار العلماء المصريين، الدكتور فوزي حماد الرئيس السابق لمؤسسة الطاقة الذرية وعضو مجموعة أو منظمة «باجواش»، ان الولايات المتحدة بعدما تأكدت من عدم وجود أسلحة للدمار الشامل في العراق، فانها انشغلت بعد الغزو بـ«اخصاء» العراق تكنولوجيا، عن طريق القضاء على أي احتمال في المستقبل لتصنيع الأسلحة غير التقليدية في العراق، وذلك من خلال تصفية الخبرات الفنية العراقية في هذا المجال، وتفكيك القدرات التصنيعية التي يمكن أن تخدم ذلك الهدف مستقبلا، وهو ما حدث مع الكثير من المعامل والمصانع المهمة التي بيعت كـ«خردة» خلال الأشهر الماضية.

ان الغموض الذي يكتنف ما جرى للعراق قبل الغزو وأثنائه، يبدو أنه لا يزال قائما يلاحق عراق ما بعد الغزو.

 

 

نقلا عن الشرق الأوسط