المقاومة المسلحة: نموذج الفلوجة

 

 

 

بقلم : طارق الدليمي*

 

منذ الانتفاضة المسلحة في نيسان المنصرم والمراقب يواجه أخبار المقاومة وهي تزداد فعالية والمحلل يسأل عن كفاءتها المتطورة وإمكانياتها الخاصة والجديدة. إنها تضرب بقوة وعلنية أحياناً.

في 8 تموز الفائت سقطت أكثر من 38 قذيفة هاون على المركز المشترك للقوات الأميركية العراقية في سامراء ودمرته بالكامل. سامراء تعيش حالة حصار حقيقية. القتال ينتشر نوعياً في بهرز والخسائر جسيمة وغير معلنة. <<الواشنطن بوست>> أشارت إلى أن عدد ضحايا الجيش الأميركي في الأسابيع الأخيرة أضعاف الأرقام التي أشارت إليها أجهزة إعلام الإدارة الاميركية. وتستمر عملية الإخصاء الذاتية التي يمارسها المحافظون الجدد في واشنطن أو بغداد وفي بعض العواصم العربية الأخرى. الاحتلال يواجه مقاومة مسلحة وطنية شاملة والتهويل بخطر القاعدة ورمزها الخرافي الزرقاوي بات صناعة إعلامية ساذجة. أوجه المقاومة عديدة وأذرعها العسكرية كالهايدرا في مجتمع مفعم بالتناقضات التاريخية الحادة. الزمن وحده هو الذي سيحدد النتائج اللاحقة لكن بعض العقلاء، ومنهم أنتوني كردسمان، يشيرون إلى حقائق مغايرة لما يطرح الجدليون الجدد.

إنه من النمط الذي يؤسس لمفاهيم جديدة في الدراسة والتحليل. كوردسمان محلل بارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وهو محافظ تقليدي، لكنه عقلاني ويتميز بحضوره الدائم في العراق وبقدراته على اكتشاف المخفي، كما ان لعلاقاته الخاصة مع مراكز القرار العليا في اميركا صداها المتميز. يشير في حواره الاخير مع محطة <<أيه بي سي>> الاسترالية مع الصحافي والاذاعي رافاييل ابستاين إلى انخراط عشرات الآلاف في المقاومة المسلحة وأنها في وضع يتميز بطابعين في الإدارة والعمل. الأول محترف بشكل كامل ودائم وهو يضم في صفوفه أكثر من 30 ألف مقاتل. والثاني موزع في نشاطه، في النهار يلاحق شؤون حياته المعيشية ويندمج مع بحر الناس المتلاطم، وفي الليل، وتحت الأرض دائماً، يمارس حياة المقاومة السرية الكاملة، عديد هؤلاء قد يزيد على الأول. لدى القيادة الميدانية للمقاومة خصائص متميزة في احترافها العسكري وقتاليتها النادرة. وهي تعرف طرق وشعاب البلد وتمتلك معلومات مفصلة عن البنية التحتية للعراق ومرافقه الاقتصادية والنفطية تحديداً. لديها خرائط خاصة وملفات مهمة. وهي كذلك قد اخترقت الاحتلال منذ الأيام الأولى. ويؤكد كوردسمان ايضا أن قوات الامن الحالية غير مجهزة لوجستيا وأنها معزولة وخاملة وتفتقر الى ابسط المعدات الميدانية ومنها اجهزة الاتصال المباشرة. ويقول كوردسمان بأن هذه الحالة الفقيرة، حيث صرف حوالى 400 مليون دولار في العراق من مجموع 20 مليارا مخصصة للاعمار واعادة البناء، يقابلها تسلح عال للمقاومة وبأن الاحتلال قد اكتشف اكثر من 800 مستودع فارغ ومسروق من الاسلحة. ويكرر الحديث عن ان الاداء الضعيف للاحتلال والقوات العراقية تحديدا هو الذي يدفع الادارة الى الاكاذيب المفتعلة والمكشوفة. فالمقاومة وطنية شاملة وجادة والتشوش والغموض السياسيان اللذان يلفان المقاومة متقصدان ومصادرهما متعددة، أولها الاحتلال ومدارسه التهريجية في واشنطن: المحافظون الجدد؛ وفي بغداد: العراقيون الجدد.

يعرف الجميع أن الحل في العراق لا يمكن أن يكون عسكريا. ومن دون الوصول إلى المعالجة السياسية الجادة والرصينة، لا يمكن التمييز بين الدوافع المختلفة والاهداف المتباينة الآن أو في المستقبل القريب. الحل السياسي الرمادي قائم وجاري الشحن!! وبالرغم من أن الأجهزة الأمنية الأميركية قد توصلت إلى استنتاجات مهمة وحاسمة حول طبيعة المقاومة المسلحة وأهدافها، لكن الماكينة السياسية الإعلامية للإدارة في واشنطن تمارس القمع المنظم والتضليل المنهجي لإجبار الجميع على الانحراف نحو خط خاص لجمع المعلومات وتحليلها والاستنتاج الموجه منها. لكن مدارس التحليل التقليدية في الولايات المتحدة تعتبر عملياً بعيدة عن هذا التهريج المفتعل. والمقاومة، لا غيرها، أجرت تعديلات حقيقية على طريقة التفكير السائدة في أروقة هذه المعاهد ودهاليز الدراسة والبحث الميدانية. قد تكون التجريبية لها الثقل الأساسي، والأرشفة هي المحركة، لكن المضمون الجديد يختلف جذرياً عن النمط الموجود سابقاً. دراسة المقاومة ومعرفة تجربة الفلوجة ضروريتان لكشف المستور.

تبقى الفلوجة مركزاً <<للإرهاب>> بنظر ال<<وول ستريت جورنال>>، لتكذبها <<النيويورك تايمز>> فوراً، حين تهتف بدون تردد، بأن الفلوجة مركز محرر للمقاومة. يجري الحديث الآن عن محاولات جديدة لاستنزاف المدينة والتخطيط لاقتحامها مجدداً. ولكن كيف؟ عسكري محترف مثل ديفيد بتروس وهو المسؤول الفعلي لقوات الامن الخاصة في العراق ويساعده ضابط اسرائيلي متقاعد اسمه ديفيد كوستر وهو خبير في مكافحة الارهاب، يعتقدان أن تشكيلات مدربة من الجيش العراقي الجديد وبإسناد لوجستي أميركي قادرة على تنفيذ المهمة الخاصة. لكن أين؟ ومتى؟ الفلوجة مدينة تربو على أكثر من ربع مليون نسمة. يمكنها في جغرافيتها الفريدة من نوعها الصمود شهوراً بل سنين. لا يمكن حصارها أو قهرها إلا بالتدمير الشامل من بيت إلى بيت كما قال حازم الشعلان. الفلوجة تربض على شريان هائل من الاتصالات اليومية، الاجتماعية، السياسية والميدانية الغذائية والعسكرية. وهي في قلب وسط متناقض، متناغم يجمع بين التقليد والحداثة. وهي في منتصف طريق دولي يربط بغداد بالأقطار الثلاثة: سوريا، الأردن، والسعودية. المقاومة المسلحة تجد تعبيراتها في المئات والآلاف من الخلايا المسلحة السرية والعلنية. هذا ما يصر عليه سكوت ريتر، خبير الأمم المتحدة السابق في دراسته حول المقاومة. الحلف السري السياسي الخاص للمقاومة لا يمكن الكشف عن نقابه إلا بعد أن تتوفر القناعات السياسية الكاملة للأطراف الأساسية في الصراع وفي مقدمتهم الاحتلال والمقاومة، لأهمية المواجهة المباشرة، وحين يضطر الجميع للجلوس إلى طاولة المفاوضات العلنية. أما جيم كرين، مراسل <<الأسوشيتد برس>> النشيط والحيوي، فإنه يلخص مهرجان الدم بالشكل التالي: رياضيات الاحتلال والمقاومة بسيطة. كلما قررنا الانسحاب تزداد المقاومة ضعفاً، وما بقينا في هذا الوسط المعادي، تنمو المقاومة باتجاه أكثر قوة وشراسة. حرب العراق الانتخابية تلقي بظلالها على الجميع. والفلوجة تظل هي المركز الأساسي في المواجهة السياسية والعسكرية. وإذا كانت الفلوجة في السابق تعيش في حالة من الحكم الذاتي الطوعي، وبعيدة مباشرة عن الإشراف الصارم والمركزي للسلطة العراقية السابقة، فإن ذلك قد أصابه التغيير الطفيف بعد الاحتلال. فقد توصل الاحتلال إلى الاتفاق العلني والخاص مع القوى الأساسية في المنطقة على الصعيد القبلي أو الديني إلى تفاهمات مهمة في مختلف مناحي الحياة اليومية.

لكن الوضع انفجر في الفلوجة لسببين أساسيين: الأول حل الجيش الرسمي والثاني الطبيعة الوحشية للاحتلال والبرنامج السياسي لقواته الغازية في <<تغيير البلاد>> وتحقيق ديموقراطية جديدة تصلح نموذجاً واعدا في المنطقة، ومنصة متينة للانطلاق نحوها.

وللسخرية التاريخية خلق هذا النموذج المتخيل، نموذجاً مغايراً على الأرض، هو الفلوجة. الممارسات الفجة والوحشية المنفلتة والقوة <<المفرطة>> والقتل العلني في الشوارع، هي القاعدة المادية للمواجهة المسلحة للاحتلال. ويبقى العثور على الرأس المدبر والقائد. والأيام كفيلة بحل هذا اللغز المحير. هذه الحقائق الصارخة هي التي جعلت الخبير الإسرائيلي أمازيا بارام من جامعة حيفا قسم التاريخ والمتفرغ في معهد الولايات المتحدة للسلام، يؤكد في دراسته حول الفلوجة أن المثلث الاجتماعي الحديدي في المنطقة كان هو الانطلاق الحازم للمقاومة وقدراتها القتالية. وبرأيه أن العلاقات القبلية المتينة والقيادات الدينية المتمرسة والزعامات العسكرية المؤهلة قد اندغمت في تشكيلات متخصصة جعلت منها وحدة سياسية عسكرية لا يمكن اختراقها. لكن هذا الخبير الإسرائيلي الأميركي لم يفهم التحولات العميقة التي جرت في هذه البنية سريعاً والتي كان محضراً لها قبل الاحتلال بسنوات. وهو تأثر بمعلومات خاطئة أو بعض التحليلات الخفيفة ذات النهج المسبق الصنع، ما أدى به الى الوقوع في فخ المحافظين الجدد والى أن تقع عقابيل صمود الفلوجة على رأسه المفكر بالرغم من اصراره على ان يكون متميزا عن اقرانه في المعهد ومنهم <<المستعرق>> فالح ع. الجبار الذي أكد في كتاباته في المعهد أن معلوماته الخاصة تشير الى هروب المقاومة إلى سوريا بعد الاتفاق الذي عقد في نهاية نيسان المنصرم!! ورجوعاً إلى الأيام الأولى للانتفاضة المسلحة، يمكن إنارة بعض القناديل الهامة في دروب التحليل المباشرة. والإصرار على أن حادثة المرتزقة الأميركان الأربعة على أنها التي فجرت الانتفاضة لا يمكن إنكاره. ولكن التأكيد على أن السحر الذي انقلب على الساحر هو الصفة الملازمة للأخبار اليومية وكيفية معالجتها في الفرز والتحليل. إن أسلوب الصدمة والترويع كان خاصاً بالاحتلال وأصبح الآن خاصاً بالمقاومة أيضاً. والحديث بطفولية عن لاأخلاقية القتل والسحل أصابه العطب بعد الانفجار الفضائحي الهائل في سجن أبو غريب والمعتقلات الأخرى.

الحرب هي الحرب والقتل هو القتل ولا يمكن التبرير أبداً ولكن الأساسي يظل في البحث الحقيقي عن عناصر الصراع وقوتها المادية. في 31 آذار وضعت خطة الفلوجة موضع التنفيذ، كانت قد رسمت في صيف 2003 السابق وتحت اسمها الكودي <<فيجيلانت ريسولف اوبيريشن>> (عملية القرار اليقظ) دارت المعارك الدموية بين قوات المارينز التي تحيط بالمدينة وقوات المقاومة فيها بشكل لم تشهد له مدينة في السنين الأخيرة. قامت مقرات المقاومة تحت الأرض والجوامع خاصة، بمتابعة الأعمال السياسية والاجتماعية وتوفير الجانب اللوجستي السياسي للنشاط العسكري.

المدينة تتميز عسكرياً بميدانين: قلب المدينة تسيطر عليه القوات المشتركة وذات طبيعة سياسية دينية متنوعة. الجميع في سلك المقاومة والمرأة كانت أكثر راديكالية من الرجل في كل الحقول وبدون استثناء؛

قلب المدينة السياسي العسكري ينبض باختلافات على قاعدة التلاحم المشترك أمام عدو خارجي يريد أن يمسح المدينة من الخريطة. يحيط هذا القلب شغاف عريض من قوات عسكرية لا تختلف عملياً عن عفاريت العرب القديمة وجن الكهانة التاريخي الأسطوري.

المحيط الخارجي المسلح يتصل بقنوات عديدة من كل الاتجاهات ولا سيما الطريق الخارجي رقم عشرة. وبعد أيام قليلة من المقاومة تمت السيطرة على كل هذه القنوات وكان للمقاومة نقاط تفتيش علنية وتم تطويق ومحاصرة العديد من التشكيلات العسكرية للاحتلال وأهمها في منطقة أبو غريب. فشل الاحتلال في كل المعارك. ضحايا القصف وصلوا إلى الألف موتاً وأكثر بين جريح ومعطوب ومعوق. دفن الشهداء في ساحات المدينة الرياضية. المقاتلون الأساسيون انسحبوا إلى مناطق آمنة باتجاه حدود ساخنة للاتصالات والمقاومة على طرق العامرية، الخالدية وإلى عمق بغداد السكاني الشهير. القوة الميدانية التي أخذت على عاتقها تطبيق الاتفاق من الجانب العراقي بقيادة اللواء جاسم محمد صالح الدليمي، كانت بملابس الجيش العراقي التقليدي والعلم العراقي الأصيل. وكان الجنرال من قوات المارينز المحمولة الفرقة الأولى جيمس كونواي هو الذي وقع الاتفاق، وعلق أحد القادة الأميركان العقيد برينان برين: اتفاق الفلوجة، إنه حل عراقي لمشكلة عراقية.

وبالرغم من تهريجات مجلس الحكم والرفض لهذه القوة العراقية وفرز اللواء محمد لطيف لقيادتها، لكن الجنرال الدليمي ما زال هو الحاكم الفعلي للمدينة والرابط العملي بين قيادة المدينة السياسية والمقاومة المسلحة السرية. وما زال أطفال الفلوجة في شوارعها الخارجية يحملون علب المحارم وينقلون الأخبار بالتفاصيل إلى قلب المدينة وشغافها العسكري الممتد، عملاء صغار للمقاومة يحلمون بتحرير العراق والقدس أيضاً!!

 

 

***

 

ضعف الاحتلال في قوته العسكرية غير المحدودة. وأبرز نقطة في هذا الضعف هو أن قواته الميدانية تعتمد في كل شيء على شركات خاصة (وأهمها كيلوغ براون) ومنها الغذاء والعتاد والسلاح!! وهذه تأتي عبر طرق عديدة من بغداد، تركيا، الأردن، ويساند المارينز قوات خاصة في قاعدة الحبانية <<التقدم>> والتي تم احتلالها قبل الحرب الأخيرة بأشهر!! بعد الانسحاب الاميركي النهائي من الفلوجة أحاطت المدينة غمامات من الحزن وهطلت عليها أمطار من التفاؤل.

لكن الأمور سارت في أوضاع مثيرة للنقاش والجدل. التجنيد الطوعي الآن قائم في البلد على قدم وساق، والمدينة تعيش حالات متعددة من التجاذب السياسي. الجميع لا يقتنع بكلام رامسفيلد حول إمكانية احتلال المدينة ولا بحديث الجنرال ماتيس حول الاتفاق وبكون الأميركيين جاؤوا لتحرير المدينة لا لقتالها. المدينة الآن يسكنها رأيان. الأول يتحدث بمرارة عن الاتفاق وكيف أنهم غدروا من قبل بعض القيادات السياسية، وأهمها الحزب الإسلامي، ويسمى الحزب السينمائي وذلك لأن مقره في إحدى دور السينما القديمة. هذا الحزب هو الامتداد التاريخي لحركة الاخوان المسلمين الرجعية الطائفية المعروفة. أصحاب الرأي الاول يعتقدون ويصرون على أن المعركة كان يجب أن تستمر وأن تكون الفلوجة نموذجاً لكل المدن العراقية المجاهدة ضد الاحتلال وبغض النظر عن الجغرافية أو الطابع الطائفي الخاص. وكانوا يفكرون وما زالوا بأن النجف وكربلاء والكوت، وحتى بغداد يمكن أن تسير على نفس الطريق. القوى الأساسية سياسياً والتي تلتصق مع هذا الرأي تعبر عن نفسها من خلال الاندماج اليومي بين الاتجاه الإسلامي المعتدل والتيارات القومية وبعض الشلل والمجموعات اليسارية الصغيرة. يشكل البعث العريض بعناوينه المختلفة قوة مهمة، ولكن السيطرة العلنية يمكن تلخيصها بالاتجاه الوطني الإسلامي العام. الرأي الثاني في المدينة هو الذي يسيطر على مفاتيحها الحياتية وشؤونها اليومية المعاشية والاجتماعية. يعتقد هذا الرأي بأن هزيمة الاحتلال أصبحت أمراً واقعاً والتعايش وقتي ولا يمكن الاستمرار في المقاومة إلى حين حدوث تغييرات جذرية في موازين القوى في كل البلاد. يبدو هذا التبرير عقلانيا ولكنه غطاء للتفاهم المحلي مع الاحتلال وتحالفاته وللتسوية المناطقية المعزولة. يقود هذا الاتجاه قوى عديدة ممثلة باتحاد العلماء المسلمين بقيادة الشيخ حارث الضاري. مقر هؤلاء في جامع عبد العزيز في منطقة النزال، إحدى قلاع المقاومة المسلحة. بينما يكمن في جامع الحضرة المحمدية الشيخ ظافر العبيدي الذي يقوم بمهماته الأساسية في ادارة المدينة. شاب في اواخر الثلاثينات من العمر، أنيطت به هذه المهام الخاصة من قبل شيخ المدينة العتي عبد الله الجنابي. أما المقاومة المسلحة في المدينة فهي بلا شك بقيادة المهندس الزراعي تغلب الآلوسي ويعاونه في ذلك إدارياً الدكتور محمد طارق أستاذ الزراعة السابق في جامعة الأنبار ومسؤول مركز الفلوجة لدراسة الديموقراطية وحقوق الانسان!!. يقتنع هؤلاء بأن النجاح الذي تكلل في نيسان السابق يمكن تكراره بمرور الزمن لا سيما في المناطق الشيعية. ويعتقد هؤلاء بأن المرجعية المرتبطة أصلاً بالسياسة الإيرانية في العراق، قد تخلت عن الشاب مقتدى الصدر وجيش المهدي المناهض للاحتلال والمندمج مع المقاومة في مشروع سياسي واحد لهزيمة الاحتلال وإجباره على الرحيل. ويؤكد هؤلاء على أن الصدر، وبالرغم من هزيمته العسكرية المعلنة في الكثير من خطوط القتال وجبهاته، لا سيما في كربلاء، فإن النجاحات السياسية له كانت أكبر وأهم. ويدللون على ذلك بكون الاحتلال تراجع عن قتله واعتقاله، وبأن حكومة علاوي <<اللعابة>> أجبرت على اعتبار مقاومته مشروعة ودعي رسمياً إلى مؤتمر فؤاد المعصوم الاحتلالي. بل إن المعلومات الخاصة تشير إلى أن قوات الاحتلال في وسط العراق وبعض مناطق الجنوب تسير في خريطة طريق خاصة تم الاتفاق عليها ميدانياً بين الاحتلال وجيش المهدي. وقد تصاعد الموقف السياسي للصدر بنقده العلني للمرجعية ومهادنته إيران برغم الانفصال بينه وبين المرجع كاظم الحائري، واستعداده للدفاع عن سوريا وحزب الله وحماس والجهاد في لبنان وفلسطين. ويستند هؤلاء إلى التلاحم اليومي بين الشيعة والسنة وعلى الوجود الدائم والحالي للعديد من شباب الشيعة، ومنهم من النجف ومدينة الصدر في بغداد، في الفلوجة والذين يقومون بحراسات خاصة وبعض النشاطات الاخرى السياسية والدينية المشتركة.

ضمن هذه اللوحة المعقدة، يؤكد العديد من المطلعين بدقة على الأمور على ان الخلافات التفصيلية تتمحور ضمن النطاقات التالية:

أولاً في ظل النمو المطرد للجيوش المحلية المسلحة في الكثير من المدن التي تحولت الى بؤر سياسية مسلحة، يجعل من الفلوجة نموذجاً للعمل العسكري الذي يمهد للحل السياسي القادم. يعتقد هؤلاء بأن القوات المسلحة المقاومة ليست هي الحل وإنما هي أداة تاريخية مادية لمقاومة الاحتلال والتمهيد لحل سياسي قد يكون، وضروري أيضا، مغايرا لما يطرح الآن في ظل الصراع العسكري الحاد والتناقضات الإقليمية المحتدمة وقتال الجميع ضد الجميع في العراق.

الثاني إذا كانت الفلوجة نموذجاً للقاعدة العسكرية السياسية التي نجحت في هزيمة الاحتلال مناطقياً، فإنها يمكن أن تقلب ميدانياً لصالح اتجاه استراتيجي متغير موجود ضمناً عند الاحتلال العسكري ومراكز القرار السياسي في واشنطن. بمعنى آخر، يمكن الاستفادة ميدانياً من الناحية السياسية من نموذج الفلوجة وتحويله سياسياً عسكرياً من قاعدة للتحرير السياسي العسكري إلى كانتون يحمي ذاته بذاته ويشكل نموذجا لكانتونات لاحقة تبغي الانتحار السياسي على نفس الطريق. إن بيانات الاحتلال التي ألقيت مع القصف القائم على الفلوجة والتي تقول بوضوح بأن عدم الرجوع إلى الاتفاق السابق في نيسان، سوف يحرم المدينة من ملايين الدولارات التي وضعت بخطة خاصة لدى الاحتلال لخدمتها!!

بين الحماس والكارثة ينهض الرأي الثالث. إن ذرائعية الحل الثالث لا تمتلك أي قاعدة اجتماعية مهمة وتفتقر إلى الجهاز السياسي العريض الممتد جماهيرياً. ناهيك عن أن هذا الخط ليست لديه مقومات العمل المسلح ولا يطمح أبداً إلى الانخراط في هذا النشاط لا حالياً ولا لاحقاً.

لكنه بصورة انتقائية لافتة يحاول ركوب الموجة المقاومة ويغلفها بإطار وطني فضفاض ويعطيها مضموناً علمانياً هزيلاً وقومياً ضعيفاً ومتهافتاً. وهو إذ يعيد إنتاج إخفاقاته السابقة في ظل النظام الديكتاتوري البائد، فإنه لا يتورع للنجاة من مأزقه التاريخي عن اللجوء الى اساليب عتيقة ومكررة. لقد خاض هذا التيار تجربة 8/5 حول المؤتمر الوطني وإمكانية صياغة تيار مستقل عن الاحتلال عملياً ولكنه استقل عن المقاومة المسلحة فعلياً. كما أن محاولاته المستميتة لفرض خيمة إقليمية خاصة على الوضع الوطني الداخلي وقبل نضوجه إلى الحد المطلوب وبتجاوز آلياته الداخلية، جعلته ينصاع سياسياً إلى استحقاقات هذا الهاجس الإقليمي وارتباطاته الدولية ومن أهمها مع الولايات المتحدة.

إن الأخبار الأكيدة عن دور البحرين، مع الحديث المتناقل عن دورها في توزيع ريع نفطي خاص على مشايخ المنطقة الغربية من العراق، وبعض الدول الخليجية الأخرى في دعم المؤتمر ومحاولة إنهاضه بصيغ جديدة على ضوء بعض المتغيرات، ومنها تصاعد الحملة الانتخابية الأميركية، والتحرك الإقليمي لوزارة علاوي <<اللعابة>>، كل ذلك يجعل من الجميع هؤلاء يرقصون على إيقاع واحد للاحتلال العسكري الذي يخطط للبقاء سنوات عديدة تحت شعار زواله وبقاء القوات المتعددة الجنسيات بقيادة الأمم المتحدة ومباركة الجامعة العربية. وهكذا لا يستفيد هذا التيار إلا من الجوانب السلبية والعفنة من النظام العربي. وبدل أن يحاول التأثير القوي والمتين فيه، يخضع لمتغيراته المترددة وهشاشته السياسية أمام الضغوطات الأميركية. إن حكومة علاوي اللعابة ضعيفة سياسياً مثل كل الحكومات الليبرالية الكذوبة والمرتبطة مع الاحتلال والنفوذ الخارجي، وهي معزولة شعبياً ومضطرة للمناورة بين قوات بدر المرتبطة مع إيران سياسياً وبين قوات البشمركة (انتبهوا الى أن القوات العميلة في دارفور في السودان اسمها أيضاً البشمركة!!) التي استقدمت إلى بغداد بعد استثنائها من قرار الميليشيات الغبي الذي اتخذه علاوي وقد وصل عديدها إلى أكثر من 25 ألف مسلح حيث تسيطر على الكثير من المناطق والمفاصل الاستراتيجية من العاصمة وبانتظار وتوقع معارك حاسمة مقبلة قد تواكب الانتخابات الأميركية في أكتوبر أو تتناغم مع احتمالات الانتخابات التي ستجري في مطلع 2005 المقبل. هنا يبدو علاوي اللعابة أسرع من مؤتمر 8/5 في <<إعادة الدول العربية إلى العراق وإعادة العراق إلى الدول العربية>> وهو نص تصريحه أثناء زيارته إلى السعودية ولقائه مع كولن باول هناك والاقتراح السعودي بإرسال قوات إسلامية عربية إلى العراق.

لكن هذه الخلافات القائمة بين التيارات الثلاثة لا يمكن عزلها عن المخطط السياسي العام للاحتلال والصراع الداخلي في الإدارة الأميركية من جهة والاحتدام السياسي العالمي من الجهة الأخرى. وهذا ما يجعل من معركة الفلوجة سابقاً وحالة المدينة حالياً، نموذجاً للقراءة السياسية المفصلة والاستنتاج التاريخي الشامل. وقبل الغوص في الآراء العديدة لمراكز الأبحاث والدراسات المختلفة لا بد من التحديد المباشر لجملة من القضايا الراهنة التي فجرتها معارك الانتفاضة المسلحة في نيسان المنصرم. شعارها الأساسي كما يقول فؤاد عجمي، أن الحلم الأميركي في العراق انتهى وما يجب عمله بموجب ذلك هو منع الكابوس من التطور والتحول إلى كارثة شاملة. الدرس الأول أن المشروع الثوري الأميركي في المنطقة، وهو حصيلة قرار المحافظين الجدد، وثقافة الاستعراق السياسي فيها، قد تمت هزيمته بصورة ساحقة... وأن الهوية الخاصة، قومية أم دينية ظلت هي القوية والمرجعية وأن البرنامج العرقي الطائفي للمليشيات المسلحة يكاد يصل إلى حافة الهاوية وتحول الجميع إلى قوى خادمة إقليمية مغلقة، نجاحاتها العسكرية مرتهنة بوظيفتها السياسية الملتحقة بالاحتلال الأميركي، وإخفاقاتها السياسية مكبلة بجاهزيتها العسكرية الفاشلة والمنضوية أيضاً تحت لواء الاحتلال ومصالحه السياسية والاقتصادية.

الدرس الثاني أن عملية الذهاب والإياب بين نموذج الفلوجة القاعدة والفلوجة الكانتون مسألة سياسية حاسمة من الدرجة الأولى ولها دلالتها التاريخية وآفاقها المستقبلية العريضة وكل النجاحات العسكرية المذهلة لا تتناسب مع أي إخفاق سياسي صغير ولا يمكنها تغطيته أبداً. فالحالة القائمة فريدة من نوعها ولا يمكنها المكوث والقانون صارم، من لا يتطور يتدهور حتما. والتغيير المقبل مسؤولية الجميع وفي المقدمة الاحتلال والمقاومة. فإذا كانت الفوضى العسكرية الشاملة في البلاد والتي يديرها الاحتلال سياسياً، لا يمكنها أن تصمد بالتعادل الموضوعي أمام الفوضى السياسية الشاملة في الفلوجة والتي تديرها المقاومة عسكرياً، فالبحث الجاد عن المعالجات المباشرة ضروري وحيوي ايضا.

أما الدرس الثالث فهو الأخطر في السياق التاريخي القائم، إنه الصراع الأيديولوجي داخل الاحتلال وداخل العراق. خطان متلازمان ومتناقضان. وكل منهما يهدف إلى السيطرة على السلطة السياسية. الأول على الولايات المتحدة وعبرها على العالم والثاني على العراق وعبره على التاريخ المعاصر. لا مبالغة في الحديث ولا انتقاص من المنهج. بعد أكثر من قرنين من احتلال الاستعمار البريطاني للهند وفشله في كل شيء!! وبالرغم من نظرية التمركز الاوروبي الشائعة آنذاك، سألوا غاندي عن أهمية الديموقراطية الغربية فكانت إجابته: لا بأس، ننظر إليها!! الهند صامدة في ديموقراطيتها المتفردة بالرغم من شيوع التمركز الأميركي الإسرائيلي حاليا في المنطقة والعراق خاصة!!

في بداية القرن العشرين كان جون ريد في المكسيك وسأل احد الشباب ماذا تفعلون في اوقات فراغكم؟ كان الجواب فورا: الحرب الاهلية!! الصحفي نير روزين مراسل آسيا تايمز وبعد مذابح الفلوجة والكوفة سأل نفس الشاب! في بغداد فأجابه فورا: نقطع رؤوس الاحتلال!!

 

* سياسي وكاتب عراقي