لا
يمكن للمسلمين أن يسيروا خطوةً واحدةً باتجاه تحقيق أهدافهم إلا بشروطٍ بدهيةٍ
عليهم أن يعملوا بها، ويسيروا إليها، ويضحوا كثيراً لبلوغها، لذلك نقول باختصار:
لا
بدّ أن يحقق بناء المسلمين شرطين أساسيين:
الشرط
الأول: قوّة لبناته ومتانتها.
الشرط
الثاني: قوّة الروابط التي تربط بين هذه
اللبنات.
أي
أنّ قوة اللبنات، تساوي خمسين بالمئة من شروط صنع القوّة الحقيقية للبناء القويّ،
فيما تساوي قوّة الروابط والعلاقات بين اللبنات .. الخمسين بالمئة الباقية من تلك
الشروط، فلنتأمّل!..
إنّ
قوّة اللبنات لا تتحقق إلا بالتربية الجهادية الصحيحة، فيما قوّة الروابط
بينها لا تتحقق إلا بالتنظيم المحكم مع التربية الجهادية الحقة، وغني عن
الذكر أن كل ذلك لا يتحقق إلا بالتخطيط العلميّ السليم المواكب لروح العصر!..
قوّة
اللبنات وقوّة الروابط بينها تجعل البناء قوياً محكماً منيعاً: (المؤمن للمؤمن
كالبنيان يشدّ بعضُهُ بعضاً) (متفق عليه)، وأي خللٍ في أي لبنةٍ أو رابطةٍ
ستوهن البناء في الموضع الذي تشغله تلك اللبنة أو الرابطة، وكلما اشتدّ الخلل
واتسع .. كلما وهن البناء وتداعى، إلى أن ينهار كله دفعةً واحدة، أو يتماسك إلى
حدٍ ما بالترقيع، فيكون بحكم البناء المنهار المتداعي، لكنه ينتصب خادعاً مَن ينظر
إليه، وفي هذه الحالة هو أخطر على الأمة من البناء المنهار، الذي يستدعي إعادة
بنائه من قبل الحريصين المخلصين، في الوقت المناسب!..
الإنسان
المسلم هو اللبنة في بناء المسلمين .. وبناؤه بناءً جيداً صحياً سليماً .. سيؤدي
إلى قطع نصف الشوط لقيام بناءٍ قويٍ متكامل، وعماد بناء الإنسان المسلم هو
(الأخلاق) .. فحُسن الخُلُق، هو الأساس الذي يؤدي إلى لبنةٍ سليمةٍ قويةٍ متينة ..
والأساس لتحقيق الشرط الثاني من شروط البناء القويّ المتماسك المتراصّ الذي هو:
(قوّة الروابط بين اللبنات)، أي بمعنىً آخر: تحقيق قوّة العلاقات والروابط بين
الإنسان المسلم وأخيه المسلم الآخر!..
لذلك
لا بد لنا أن نذكّر ببعض معالم حُسن الخُلُق، الذي يجب أن يتحلى به كل فردٍ منا،
ليكون عند حسن ظنّ إخوانه به، وعند حسن ظن أمّته به كذلك!..
لكن
قبل أن ندخل في قضية (حُسن الخلق)، سنكمل بعض بدهياتنا للتأمل والتفكّر:
إننا
حين نستطيع التغلّب على معضلاتٍ ثلاث، فإنه يمكننا أن نحل مشكلة الإسلام في
العالَم، ويمكننا أن نمتلك المفاتيح الضرورية، لتحقيق النصر والتمكين في أية ساحةٍ
يَدفع فيها المجاهدون أذى المشركين والأعداء، ولتحقيق هدف الإسلام في الأرض، وهو
تحقيق العبودية لله عز وجل وحده، وإقامة منهجه العادل الصالح، وتحقيق سلطانه
القويم :
المعضلة
الأولى: كيف نبني الإنسان المسلم بشكلٍ صحيّ،
لنجعل منه مسلماً فعالاً مجاهداً مع إخوانه بشكلٍ مستمرٍ دؤوبٍ منظّم ؟!..
المعضلة
الثانية: كيف نربطه بأخيه، لنشكّل منهما صفاً
مجاهداً متماسكاً متعاوناً متشاوراً نشطاً متكاملاً متراصّاً منظّماً ؟!..
المعضلة
الثالثة: كيف نحرّك هذا الصف في البيئة البعيدة
عن الإسلام، وفق خططٍ علميةٍ مدروسةٍ محكمةٍ واضحة الأهداف والوسائل، تقود الصفَ
كله إلى تحقيق الانتصارات اليومية والنجاحات المستمرة، من غير أن يقع في حبائل
عدوّه، إلى أن يصل إلى هدفه النهائيّ البعيد ويستحقه من الله العزيز الجبار الذي
لا ناصر سواه : وهو النصر والتمكين ؟!..
(وَجَاهِدُوا
فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ
الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ
وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ
وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ
النَّصِيرُ) (الحج:78)
وعماد
ذلك كله -كما أسلفنا- هو: حُسن الخُلُق!..
يقول
سبحانه وتعالى في محكم التنـزيل:
(وَلا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ،وَمَا
يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ
عَظِيمٍ)
(فصلت:34و35)
لنتأمّل
في الآيتين السابقتين جيداً، ولنستمتع بعظمتهما وعظمة كلمات الله عز وجل!.. فما
يُستنتج من قول الله العظيم هو:
1-
أمرٌ بالصبر عند الغضب، وبالعفو عند الإساءة (كما يقول ابن عباس رضي الله عنه).
2-
أحسِن إلى مَن أساء إليك.
3-
خالِف نفسك، إن أمَرَتْك بما يتعارض مع حُسن الخلق الذي يجب أن تكون عليه.
مَن
يمكن أن يقوم بذلك؟!.. إنهم بلا شك المتّقون، الذين يتمتّعون بأعلى درجات حُسن
الخُلُق، إنهم المحسِنون كذلك، الذين يعملون بموجب الآية الكريمة:
(..
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: من الآية 134)
إنهم
الذين يتخلّقون بالإحسان، ويعفون عن الناس!..
يقول
أنس رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس خُلُقاً)
(متفق عليه).
بعد
هذا .. هل يمكن لنا أن نُعرّف (الخُلُق)؟!..
الخُلُقُ
هو:
(الطبع
أو السجيّة، ومجموعة المعاني والصفات المستقرّة في النفس الإنسانية، التي تَصدر
عنها الأفعال والأعمال).
فبقدر
ما يمتلك الإنسان من الطبع الراقي والسجايا العالية والصفات الحميدة .. بقدر ما يقترب
من درجات حُسن الخُلُق الجيدة في أعماله وأفعاله .. وكلما كثرت أعماله وأفعاله
التي تعبّر عن حُسن الخُلُق.. كلما كان مؤهّلاً ليكون لبنةً صالحةً متينةً في بناء
المسلمين، فيتقوّى البناء به، ويتمتّن، ويحقق خطوةً إضافيةً باتجاه الهدف السامي
العظيم!.. وهذه الحقيقة تبيّن لنا بوضوح كم هي ثقيلة الأمانة التي يحملها كل منا
من أجل إنجاح مشروعات أمّته وتحقيق أهدافها العظيمة، ودعم صمودها وصمود مقاوميها
.. فلنتأمّل .. نعم فلنتأمّل!..
* *
*