قال هيكل وقلنا ... عن التكلفة والعائد وصناعة الأزمات

 

 

بقلم : هشام الناصر

Alnasser_Hesham@yahoo.com

 

هيكل والعلمانية والمنهجية الهندسية

هذا المقال ليس بغرض عقد مقارنة مع (هيكل) أو نقده، أو لتعظيم كلامنا بالتسلق علي فكره، وإنما هو نوع من السرور والحبور للنجاح في سبر الأمور نعرضه بحياد وجلاء ليشاركنا فيه القراء والأصدقاء،  لما سبق وان كتبناه منذ أكثر من عام وأكده أستاذنا الآن.

 

 (فهيكل) كما قلنا وأكدنا في سابق المقالات هو مرجعية تاريخية ومدرسة فكرية وصاحب رؤيا سياسية تعتمد فيما تعتمد علي منهجية يمكن أن نصفها بالهندسية، وذلك رغم اتجاهاته الليبرالية وما يُتهم به من علمانية.

 

والغرض ليس للتفاخر أو التباهي (والعياذ بالله) إنما لإعادة تأكيد أسس ومفاهيم نراها صالحة للأخذ بها وإسقاطها علي الواقع الحياتي الآني في السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، أي في إدارة الصراعات وحل النزاعات الإقليمية منها والعالمية.

 

وقبيل الاسترسال في موضوع المقال، وجب علينا توصيف ما نقصده بالمنهجية الهندسية وعلاقتها بالرؤية السياسية،  وأيضا رأينا فيما يُقال عن (الأستاذ) في موضوع العلمانية.

 

فالهندسية ليست كما يعتقدها البعض مجرد ميكانيكا وكهرباء وأعمدة خراسانية، فنحن نجدها في مصطلحات (هندسة المعلومات) و (هندسة القرارات) و (الهندسة الوراثية)، كما نجدها في هتافات المتفرجين في المدرجات حينما ينتظم أداء اللاعبين بالمباريات بالخد وهات وسلامة التمريرات، والسر تجدونه في مقولة (كما جاء بالكتاب من تعليمات).

 

 فالهندسية هي التقييد الصارم بالنظامية، والنظامية قواعد وبنائية، والبنائية مكونات وعلاقات وارتباطات،  وهناك أيضا القياس الدائم علي المرجعيات (Referential)، ومعايير محددة في بناء التطبيقات (منتجات و خدمات) وهي الاعتماد علي القواعد العلمية والأساليب العقلانية والقياسات المعملية (Empirical) ومعايير الكفاءة (Effectiveness) والفاعلية (Efficiency) خاصة في عنصري التكلفة والعائد (Cost Effectiveness, Cost / Benefit) والوقت المناسب.

 

أما عن إسقاط المفهوم الهندسي علي (هيكل) فنجده واضحا جليا في اهتمامه بتجميع الوثائق التي تشكل له (القياس المرجعي)، واعتماده علي قواعد الاستدلال والقراءة الاستقرائية من أحداث التاريخ الواقعية أكثر من حكاوي القهاوي وأقول الحاوي والهاوي، والاهتمام بعنصري التكلفة والزمن عند حساب العائد، وهو الذي يميز بين الكفاءة والفاعلية، والرجوع الدائم لقواعد العلوم السياسية وما يرتبط بها من (قواعد فقهية) مستمدة من أقوال وأعمال أساطين تاريخ السياسة الدولية.

 

كما أن (هيكل) ليس شخصا فرديا كما يعتقد البعض فهو مؤسسة خاصة أنشأها بذاته وخالص مجهوداته من باحثين ومدققين وإداريين وكتبة، ليس كلهم دائمين فالأكثرية مؤقتة طبقا لمهام محددة، يشرف عليهم الأستاذ بمهارة وإدارية أكتسبها من سابق مواقعه العملية، الخاصة منها والحكومية.

 

أما ما يُقال عن علمانيته، فالرجل وإن كان (كما يبدو) ليس من أنصار تطبيق (العقيدة الإسلامية) إلا أنه أيضا (وحسب علمنا) ليس برافض لها وإن كان ناقدا لدُعاتها لعدم نجاحهم (في رأيّه) في تقديم إسقاط حياتي علي الواقع المادي من العقيدة الإسلامية تتلاءم والتعقيدات الدولية الحالية، ونحن في السياق نقول أننا قد نشاركه بعضا من مخاوفه في احتمالية قفز (الكهنة) علي السلطة في حال تطبيقها والأخذ بها، إلا أننا أيضا أكثر منه تفاءلا في أن قادة ودعاة وأنصار التيار الإسلامي الآن لم يعودوا مجرد شيوخ ضيقي الأفق جامدي التفكير يقتصر علمهم علي الشكليات لا علي جوهر الدين، مراجعهم الأولي والأخيرة مقصورة علي غرائب ما ورد عن الأوليين، جاهلين بالدنيا وعلومها وغير مدركين بمتغيراتها، فتيار الإسلام الآن يزخر بالعلماء الأجلاء والأنصار الأعزاء المتنورين المتفتحين والمثقفين العلميين، الدارسين لعلوم الدنيا والمتبحرين في الدين، هدفهم الأسمى هو إعلاء كلمة الله مبتغين وجهه تعالي وقبل رضوانه رضاه.

 

 ولا يفوتني في السياق ذكر (إمام الدعاة) فضيلة شيخنا الجليل (لشعراوي) فهذا الرجل أجله وأحترمه لعلمه وعمله، وحكايتي معه بدأت منذ سنين (نيف وعقدين من الزمان) يوم أن صادفت مشكلة ما في احدي مسائل (المنطق الرياضي) وتصادف سماعي لإحدى محاضراته أو قل خواطره في تفسير القرآن الكريم، وعندما ضرب مثلا إيضاحيا في سياق موضوعه وجدت لغز مسألتي قد حُلَّ (أخذا بالقياس)، هذا بالإضافة لما عرفه من مصطلحات دارجة، أذكر منها تعريفات (العلم والجهل والمحاكاة) التي فاقت مثيلاتها من تعريفات شيوخ أساطين، رحم الله (الشعراوي) الشهير بأمين، اللهم آمين.

 

ونعود (لهيكل) ونقول أن الرجل بعد أن تخطي عقده الثامن إلي التاسع أصبح حرصه أكبر علي عدم التعرض للمفاهيم الدينية وفكرة تطبيق العقيدة الإسلامية وإن كان مازال ينقد ممارساتها الخاطئة ومُمارسيها (من وجهة نظرة) وهذا ما قرأته من حلقاته الخمسة السابقة، والله علام الغيوب وما تكنه القلوب.

 

ومرة أخري نقول أننا ندعو إلي الأخذ بالمفاهيم في المنهجية والأساليب وليس بالضرورة مادة التطبيق – بمعني أن أساليب وطرق تقطير (الخمور) يمكن استخدامها في تحضير (العطور)، كما أن طرق وأساليب صيد الخنازير (الحرام) قد تكون الأنسب لصيد الغزلان (الحلال).

 

والله عز وجل هو الأعلم،  وهو المنان علينا بما نعلم.

 

***************************

 

قال هيكل وقلنا ... عن التكلفة والعائد وصناعة الأزمات

في الحلقة الخامسة لحلقات (مع هيكل)(1)، (الخميس 5 أغسطس 2004)، أخذنا النقاط الآتية:

 

1 - << من ناحية القوة الاقتصادية، فأمريكا تتعرض دائما لعملية (انكشاف اقتصادي)، مع رغبتها في استمرار التفوق والإملاء الإمبراطوري ووجود وسائل لهذا الإملاء الإمبراطوري>>

 

2 - << ففي أي من المشروعات تبدأ بتحديد مصالح التي بدورها ترسم خطوطا تتحول هذه الخطوط لخطط تتحول إلي مشروعات تنتظر الظروف الملائمة لتحقيق نفسها>>، ولقد وصفنا ذلك في مقالاتنا باستخدام مصطلحات أخري،  فبدأنا بالعقيدة ومن ثم النوايا والإستراتيجيات فالتحديد الكمي للأهداف ومن ثم التخطيط للتنفيذ وما يترجم لأعمال وممارسات.

 

 3 - << تعودت أمريكا الإمبراطورية الأمريكية أن تأخذ ما تريده رخيصا جدا>>

 

4 - << وهو (يقصد العراق) بالإضافة إلي غناه البترولي وغيره بدا أنه سهل الاستيلاء عليه دون تكاليف عالية>>

 

5 – << ودائما لم تتعب نفسها (يقصد الولايات المتحدة الأمريكية) في العلوم والفنون، فقد شغلت نفسها بالتكنولوجيا وليس بالعلوم، فالتكنولوجيا هي التطبيق العملي والمباشر للعلوم>>، << الأمريكان بعقلية تعظيم الربح وعقلية الشركة صرفوا في أبحاث التكنولوجيا فيما هو مباشر وليس في البحث عن نظريات>>،  << أوربا تعمل النظريات أما أمريكا تطبق التكنولوجيا سواء التصنيع، التعبئة، البيع التسويق>>. وكتعليق مبدئي نقول أن هذه المقولة أو هذا الحكم ليس بمطلقه صحيح وسيكون لنا فيها حديث وكلام للبيان والتوضيح.

 

وفي تترات المقدمة الإعلانية عن الحلقة السادسة والتي ستذاع الخميس القادم (12/8/2004) ونحن الآن في يوم الاثنين والمقال سيرسل الأربعاء، أخذنا المقولة التالية (بمعناها وليس بنصها):

 

5 - << في معارك الصراع ليس لك إلا خيار من أثنين، (أهزم عدوك)، فإن كنت غير قادرا (فلا تجعله يهزمك) وأجعل تكلفته عالية>>.

 

وبمراجعة كلمات (هيكل) مع سابق كلامنا وحديثنا في هذا السياق وجدناها بمعناها ومفهومها وأحيانا بنصها في أكثر من عشر مقالات من مقالاتنا المنشورة بموقع (جريدة الشعب) منذ (مارس 2003)، نعرض بعضا منها بتفصيل والبعض بإيجاز دون تطويل والباقي بالإشارة لمراجعها لمن يريد أن يراجعها.

 

1 – مقال (حرب الخليج وفن إدارة الأزمات) بتاريخ 4 أبريل 2003(2):

 

<< وضرب الأمريكان ألف عصفورا بحجر واحد، نعددهم علي سبيل المثال لا الحصر: استنزاف مدخرات وأرصدة التنمية الخليجية وخاصة السعودية بعد أن تخطت معدلات التنمية مستويات تنذر بالخطر لأعداء العرب والإسلام، الاستقرار التام بالخليج العربي السعيد لحماية الزيت وإملاء الإرادة ومراقبة الثورة الإسلامية في إيران تمهيدا لضربة غادرة قادمة (آتية ولا ريب)، شطب القوة العراقية من ميزان القوي مع إسرائيل، زيادة الفرقة والقطيعة بين الدول العربية، استهلاك المخزون من تلال الأسلحة والمعدات لديها لبعث النشاط والحيوية في صناعة السلاح الأمريكية، خلق حالة توتر وقلق دائم بالمنطقة يعيق أي نشاط عربي إيجابي، درء أخطار أهم أسباب تدهور الأمبرطوريات وهو التكلفة والإنفاق بالاستيلاء علي منابع الثروات وذلك حفاظا علي بقاء واستمرار الإمبراطورية الأمريكية الحديثة..

 

2 – المقال الخامس من سلسلة (حرب العراق بين البشائر والنذائر) بعنوان (الاجتياح الأمريكي بطريقة أربعة – أثنين – أربعة) بتاريخ 23 مايو 2003(3):

 

<< - إذن فعقيدتهم هي السيادة والريادة ؟

 

- الإمبراطورية، وما تعنيه من سيادة وريادة، هي العنوان العام لما يعتقدون ويؤمنون، ومنة يتم الإسقاط للتفاصيل من المفاهيم في كافة المجالات والاتجاهات،  السياسية والعسكرية والاقتصادية..الخ، فالإمبراطورية تعني القوة والهيمنة،  و التكلفة والعائد،  والغاية والوسيلة، ومن هنا ظهرت مبادئ استخدام القوة الكاسحة، الحروب الوقائية، الحروب الخاطفة، في قاموس التطبيق العسكري، وظهر مبدأ التحالفات تحددها المهام في القاموس السياسي، فلا صديق دائم، ولا تحالف قائم، إلا بما تمليه احتياجات المهام.

 

- ماذا تعنيه بمقولة التكلفة والعائد ؟

 

- أمريكا هي منارة العلم ، وقبلة العلماء ، وهم صناع التقنيات وأرباب التطبيقات ، وفي ذلك لا جدل ولا جدال ، بل تسليم وإذعان ، وإقرار وبيان ، ولا يعني ذلك الانصياع والخنوع ، أو الإستكانة والخضوع ، بل تقديرا لقوة عدوك أو من يريد أن يلتهمك ، وكمبدأ ، تحول لنهج وأسلوب ، فالعلم والمعرفة والأسلوب المرجعي العقلاني هو الأساس في أعمالهم وأفعالهم ، ومن هنا ظهر مبدأ تحقيق الأهداف وتعظيم العائد ، بأقل تكلفة أو فاقد ، وهي النظرة الهندسية لزيادة الفاعلية Efficiency  ، وتراها واضحة جلية ، في حرب العراق الأولي والثانية ، فالفاتورة الأولي دفعها المضطر، والثانية ممن حكم عليه الدهر، وهذا عجيب وأمر فريد ، ما رأيناه في عصر هامان ، أو حتى جنكيز خان ، أن يدفع المقتول ثمن قتله ، وذبحه وسلخه  – وبذلك، حققت أمريكا أغراضها المستهدفة، بأعظم عائد وأقل تكلفة ، وهم أذكياء علماء ، برجماتيين خبثاء  ، درسوا التاريخ والأثر، وتفهموا الأمثال والعبر، وأدركوا أن آفة الإمبراطوريات هو المال، اللازم لتحقيق الآمال، ولحفظ المكاسب، من كل مغصوب منه أو غاصب  ، فعزموا الأمر وعقدوا النية ، علي قتل القتيل بدون دية .

 

- وما الحل أمام هذا الشيطان المريد ؟

 

- أعكس مبدأهم.... تحقيق الأهداف وتعظيم العائد، بأقل تكلفة أو فاقد

 

- أمنعهم من تحقيق أهدافهم ، فإن لم يكن ، فالعمل علي أن تكون : عائداتهم متدنية ، ذات تكاليف عالية ، وخسائرهم عظيمة ،و فاقداتهم كثيرة>>

 

3 – المقال السادس من سلسلة (حرب العراق بين البشائر والنذائر) بعنوان (شعار العراق أولا .. دعوة عمالة أم جهالة أم انكسار) بتاريخ 30 مايو 2003(4):

 

<<أما الأمريكان فهم بلاء هذا الزمان، لسافل نوياهم وما في أعمالهم من حطة ونقصان، ولو كان العراق قويا ذو حكومة سوية، ما كان هذا الانهيار العجيب والانتكاس الغريب، ولقاتل الشعب كله، شيوخه قبل شبابه، نسائه قبل رجاله، في استبسال واستقتال، ولكان من المحال علي الأمريكان أن يجنوا ما جنوه ، بأبخس تكلفة وأعظم عائد ، وأكبر مكسب وأقل فاقد>>

 

4 – مقال (الإمبراطورية الأمريكية ، دورة حياة وحتمية السقوط(2) ، والإسلام هو الحل) بتاريخ 9 أغسطس 2003(5):

 

<<- من دراسات أكاديمية، ومن تحليلات تاريخية، وأراء لعلماء أجلاء، وشيوخ سياسة دولية فقهاء، توصلوا إلي أهم أسباب انهيار الإمبراطوريات، وهي موجزة فيما هو آت:

 

1 – التناقضات الداخلية في جسد الإمبراطورية.

 

2 – الإنحلالات الخلقية والانغماس في ملذات مكاسب الإمبراطورية.

 

3 –  التفاعل والمواجهة مع موجات الرفض والعداء .

 

4 – التكلفة المادية لتأمين قلب الإمبراطورية وصيانة جسدها.

 

5 – ظهور منظومات كونية توجد نفسها كبديل للإمبراطورية، وهي منظومات في الأغلب عقائدية، فكرية كانت أو روحية.>>

 

5 – مقال (إلي فهمي هويدي ، حسبك ممن يلعب بالوكالة عن جهالة أو عمالة) بتاريخ 7 يونيو 2003(6). ... وفيه قلنا عن العقائد والإستراتيجيات.

 

<<سبق أن تحدثنا عن عقيدة الأمريكان ونوياهم، وفيها قلنا: أنها المقاصد والعزم أو قل ما أنتوه وعلي نطاق زمني بعيد ألمدي خططوه وكما في علوم الإدارة الحديثة، فمن العقائد تأتي النوايا والرؤى، ومن النوايا تأتي الأهداف المقننة، ولتحقيق الأهداف لا بد من أعمال محددة، ولأداء الأعمال لابد من مصادر مُسخرة، وكل هذا في جدولة زمنية محضرة، ولا ننسي نقاط المراجعة والاختبار، للتأكد من صحة المسار . والشيء الغريب، والأمر العجيب، هو إعلان نوياهم ببجاحة، وطرح خططهم بصراحة، وتأمل تصريحات (باول) عن ما يسمي بالأجندة الأمريكية، لتغيير المنطقة العربية، في غضون العشر سنوات الآتية، فليس هناك ما يخشونه أو يهابونه، فهم قوة وحيدة مسيطرة ماجنة، ونحن فرائس، أليفة لطيفة، مستأنسة داجنة،  والخلاصة، أن نية الأمريكان في الحرب والعدوان والهيمنة والسيطرة واضحة جلية مهما تجملوا أو تحنجلوا، فالاجتياح آت .. عاجل .. بلا روية >>

 

6 – مقال (أساطين ساستنا وساسة الأمريكان، شطرنج وطاولة وسلم وتعبان) بتاريخ 26 يوليو 2003(7). ... وفيه قلنا عن العقائد والإستراتيجيات.

 

<<ليس إعجابا ولا انبهارا، بل تجريدا في التقييم والتحليل، فرؤيتهم كانت واضحة Vision، أفرزتها، كما قلنا، عناصر ديناميكية بيئتهم وطبيعتهم، ومن ثم حددوا أهدافهم طويلة ألمدي والمرحلية، في إطار ما يسمي بالإستراتيجية، وافتعلوا الأزمات، واستغلوا الصراعات، وأحسنوا استخدام المصادر والكوادر، وكافة أنواع الأسلحة التقليدية والغير تقليدية، المعلن منها والمخفية، وأجادوا أعمال المخابرات، لحسم الخلافات، وجندوا العملاء، ومنهم رؤساء وعلماء، وكل هذا في منظومة جهنمية، أدَارتها جهة خفية، ولكن الغريب والأمر العجيب، هو تتابع التنفيذ، من إدارة إلي إدارة، ليس بفهلوة وشطارة، ولكن طبقا لمخطط سابق الإعداد، مُحدد مُجدول قوي الأوتاد، وكما يقول النقاد و الكٌتاب، كأنه منقول من كتاب، يعني.. زي الكتاب ما بيقول، ويعني برضه..  ماشيين بالأصول، ونقصد هنا .. الأصول العلمية والتقنية والتطبيقية. وفي هذا قلنا، أنه تقدير لقوة عدوك، وحُسن تقييم خصمك، لنأخذ من علمه وسحره، ونرد كيده في نحره>>.

 

7 – مقال (أمريكا والأمريكان، بيت مليح وشعب قبيح) بتاريخ 19 يوليو 2003(8). ... وفيه قلنا عن استقطاب الكوادر:

 

<< موجة الهجرات الشرعية (استقطاب الكوادر): الإدارة ليست فهلوة أو شطارة، بل علم وفن ومهارة، وهي حُسن استخدام الموارد، وتخصيص الكوادر، لأداء الأعمال، بأحسن (أجود) الأفعال، وتحقيق الأهداف بأقل تكلفة وأعظم عائد. والموارد كثيرة، وأهدافهم كبيرة، ولا ينقصهم إلا الكوادر، فجعلوا العالم كله مصدرا لكوادرهم، سواعد بشرية، عقول فكرية، نوابغ علمية، الكلّ مرحبا به في أرض الرخاء، شريطة الانضواء تحت اللواء. وأجادوا الاستقطاب، فجاءوهم في أسراب، هذا طمعا في مال وجاه، وهذا عن حب وإعجاب، وهذا هربا من جحود أهله، وتهميشا في وطنه، وهذا طفشان من جور السلطان. والأمثلة كثيرة: علماء صواريخ ألمان، لطفي زادة (صاحب نظرية الفاظية) من إيران، الباز وزويل (وأسامة فياض) من أرض المحروسة، وأيضا من سوريا و لبنان، والهند وباكستان، ومن كوريا والصين وتايوان، ولو عاوز من بلاد الواق الواق .. حاتلاقي كمان

 

وفيها أيضا قلنا عن عقيدتهم الرأسمالية البرجماتية وأهمية الفرد في حياتهم:

 

<<عقيدتهم مشتقه من الفلسفة الرأسمالية، فلوس وبنوك وبيزنس وربحية، يعني المكسب والخسارة هو الأصل، والتكلفة العائد هو الفصل، لذا .. فكل الحسابات كَمْيّة Quantified، لا فهلوة .. ولا شطارة .. ولا مجاملات عاطفية  – ونظرا لعيشة الرفاهية، والحياة المُلهية، فحياة البني أدم عندهم غالية شوية، قتيلهم يزلزل أركانهم، فما بالك بألف أو ألفين لو يروحوا في غمضة عين (وتذكروا معي هروب ريجان من لبنان، وذبح سرية مارينهم في الصومال) – وبالمناسبة .. كانت هذه هي الورقة التي يلعب عليها صدام، ولكن لخيانة وعمالة وجهالة .. لم ينل المرام>>.

 

<< أجاد الأمريكان استقطاب العلماء، وأجزلوا لهم العطاء، ويسروا السبل والأوضاع، للتفوق والإبداع، فتفوقوا وتألقوا .. وشبعوا بعد أن كانوا جياع، وأُشير لهم بالبنان .. بعد أن كانوا في أوطانهم صٌياع  – فجعلوا أمريكا منارة العلم، وقبلة المعرفة، وأوائل صناع التقنيات وأرباب التطبيقات، وفي ذلك لا جدل ولا جدال، بل تسليم وإذعان، وإقرار وبيان، ولا يعني ذلك الانصياع والخنوع، أو الإستكانة والخضوع، بل تقديرا لقوة عدوك أو من يريد أن يلتهمك، وكمبدأ، تحول لنهج وأسلوب، فالعلم والمعرفة والأسلوب المرجعي العقلاني هو الأساس في أعمالهم وأفعالهم، ومن هنا ظهر مبدأ تحقيق الأهداف وتعظيم العائد، بأقل تكلفة أو فاقد، وهي النظرة الهندسية لزيادة الفاعلية Efficiency  .  والحروب عندهم علم وفن وتقنية وتطبيق،  يسمونها نظم الصراعات ويمثلونها بالمباريات  Games، والنوايا والإستراتيجيات محسوبة حسب الإمكانيات، وقديما قالوا من حسب الحسابات، في الهنا بات، والحسابات عندهم بالحاسبات، وعندنا بالفهلوة والمجدعة والهمبكة والمَنَفِلات (جمع مَنَفِلة، لإدارة الأزمات، وتنفع برضه لأصحاب الفكر والآراء وهذا النوع من المقالات، وكمان العالي من الأصوات) – المهم، عندهم (مش عندنا) يقوم مخططي المباريات، بصناعة الأزمات، ومن ثم .. يتم الاستدراج، بنعومة ... وأحيانا بخشونة إلي حيث الهلاك، وهناك، ودون أن تدري، تلاقي نفسك (كش مات).

 

8 – مقال (الإمبراطورية الأمريكية دورة حياة وحتمية سقوط (3)، دفاع وتضاد وهجوم مضاد) بتاريخ 16أغسطس 2003(9). ... وفيه قلنا عن الوقاية والعلاج:

 

<< وماذا عن العلاج والوقاية، وما ذكرته من دفاع وتضاد وهجوم مضاد؟

 

علاج ما وقع هو وقاية مما سيقع ، ودعنا نحدد ما قصدناه من مجمل المصطلحات. فالدفاع أساسا للاتقاء ورد الشر ومنع الإيذاء، والتضاد هو الاختلاف والتباين وعدم الاتفاق، أما الهجوم المضاد فهو نشاط ايجابي لاستعادة الخسائر أو منع حدوث المزيد من الخسائر (منع زيادة مكاسب للعدو). هذا عن الكلام ومجمله، أما تفصيله وتخصيصه فيكون في النقاط الآتية:

 

1 - أهمية القناعة والاقتناع بالتضاد، فنحن وهم علي اختلاف وتباين وعدم اتفاق، لا ننبهر بهم، ولا ننساق لزيف تبريرهم وادعاءهم، ولا نبني قصورا في الهواء علي واهي وعودهم، ودائما يكون الشك قبل اليقين في سلامة أقوالهم.

 

2 -  أولي خطوط الدفاع تٌبني من داخلنا، فالاختراق لا يكون إلا من الثغرات، ونسيج المحروسة مُهلهل بثقوبه، بداية من دستوره، وما يحويه من تعاظم وتجاوز سلطة الرئاسة، وتحويل الجمهورية الدستورية إلي ملكية وراثية، وضعف المؤسسات وتحويلها إلي ديكورات. ومن ثم لا بد من إعادة بناء الكيان الديموقراطي للدولة، وأهمها تغيير وليس مجرد تعديل الدستور، وضرورة تحديد مدة الرئاسة وتكرارها (المدة 4 سنوات، بحد أقصي فترتين)، وأهمية وضع معايير (تعيين نائب الرئيس)، ووضع وإرساء قواعد الرقابة والحساب من السلطة التشريعية (البرلمان)، للحكومة التنفيذية، وتطهير المحليات من العصابات – والأهم الأهم .... الوعي الشعبي بالانتخابات.

 

3 - ضرورة العمل علي تعظيم تكلفة الاحتلال، من مال وأرواح، بإذكاء روح المقاومة ومباركتها، والعمل علي دعمها ومساندتها، وإن كان هناك عجزا ماديا من قبل الحكومات، فعلي الأقل بالمعنويات، وتفعيل دور الأحزاب والهيئات الغير حكومية، في مساعدة المقاومة العراقية. وهذا ليس عن منة أو ترف، بل لتعلم قوات الاحتلال بباهظ تكاليف تجربتهم، وبالتالي الانسحاب والفرار وعدم التكرار – وهذا ندرجه علي استحياء في تصنيف الهجوم المضاد.

 

4 - إن كانت فكرة (القومية العربية) قد وئدت في السبعينات، عن جهالة أو عمالة أو فساد السياسات، فالأجدر بنا الآن أن نرد الأمر لأصله، ونعود برابط الأمة إلي جذره، ألا وهو الدين وقوة اليقين>>.

 

وشكرا هيكل ،،

 

المحروسة في الأربعاء 11 أغسطس 2004 م

____________________________________________________________________

 

(1) محمد حسنين هيكل، برنامج (مع هيكل)، قناة الجزيرة الفضائية، الخميس 5 أغسطس 2004

(2) هشام الناصر، (حرب الخليج وفن إدارة الأزمات)، جريدة الشعب الإلكترونية، 4 أبريل 2003.

(3) هشام الناصر، (حرب العراق بين البشائر والنذائر(5)، الاجتياح الأمريكي بطريقة أربعة – أثنين – أربعة)، جريدة الشعب الإلكترونية، 23 مايو 2003

(4) هشام الناصر، (حرب العراق بين البشائر والنذائر(6)، شعار العراق أولا .. دعوة عمالة أم جهالة أم انكسار)، جريدة الشعب الإلكترونية، 30 مايو 2003.

 (5) هشام الناصر، (الإمبراطورية الأمريكية، دورة حياة وحتمية السقوط (2)، والإسلام هو الحل)، جريدة الشعب الإلكترونية،  9 أغسطس 2003

(6) هشام الناصر، (إلي فهمي هويدي ، حسبك ممن يلعب بالوكالة عن جهالة أو عمالة)، جريدة الشعب الإلكترونية،  7 يونيو 2003

(7) هشام الناصر، ( أساطين ساستنا وساسة الأمريكان، شطرنج وطاولة وسلم وتعبان)، جريدة الشعب الإلكترونية،  بتاريخ 26 يوليو 2003

(8) هشام الناصر، (أمريكا والأمريكان، بيت مليح وشعب قبيح)، جريدة الشعب الإلكترونية، 19 يوليو 2003

(9) هشام الناصر،  (الإمبراطورية الأمريكية دورة حياة وحتمية سقوط (3)، دفاع وتضاد وهجوم مضاد)، )، جريدة الشعب الإلكترونية ، بتاريخ 16أغسطس 2003