قراءة في المشهد الفلسطيني

 

 

 

بقلم: عوني فرسخ

 

هذا الذي يجري في قطاع غزة والضفة الغربية تعددت ولا تزال في تفسيره وجهات نظر المحللين السياسيين العرب، كما تباينت إلى حد التناقض رؤاهم للواقع الراهن في فلسطين المحتلة. فهناك من تفاءل بما جرى ورأى فيه انتفاضة إصلاح، وهناك من نظر فيما يجري في ضوء عجز آلة الحرب الصهيونية عن قمع الانتفاضة وفشل المداخلات الدولية والإقليمية في تفجير الصراعات فيما بين السلطة والمقاومة فاتجهت إلى تفجير السلطة وحركة فتح من الداخل لحمل الرئيس ياسر عرفات على تمرير "الإصلاح" بالمواصفات الإسرائيلية – الأمريكية. وهناك من بلغ به التشاؤم حد الحديث عن وقوف السلطة على عتبة الانهيار والمجتمع العربي الفلسطيني في الضفة خاصة على مشارف نزوح جديد.

وفي مواجهة هذا التباين الحاد في وجهات النظر تواجهنا ثلاثة أسئلة محورية: أيها الأدق قراءة لحقائق الصراع ولمعطيات الواقع، والأكثر بالتالي موضوعية في تقوميه للحاضر وتوقعاته لاحتمالات المستقبل؟ وهل بإمكان الشعب العربي في فلسطين المحتلة، وبخاصة قوى المقاومة، الحيلولة دون التداعيات الخطرة لصراعات الأخوة – الأعداء في السلطة وفتح؟ وهل بمستطاع القوى القومية والإسلامية على مدى الوطن العربي عامة، والمشرق العربي خاصة، أن تقدم الحد الأدنى من واجبها تجاه تحد قومي في دوافعه وغاياته، بحيث تحول دون إعادة إنتاج مأساة سنة 1936 عندما أجهضت الثورة الفلسطينية بالتدخل الرسمي العربي استجابة للمطالب والوعود البريطانية؟

وأول ما يلاحظ في الإجابة عن الأسئلة الثلاثة السابقة أن تجربة الثلاث عشرة سنة لما يسمى "عملية السلام" وأحد عشر عاماً من الممارسة بموجب اتفاق أوسلو لم تؤد إلى أي تسوية، برغم مسلسل التنازلات العربية. والحديث متواتر في أجهزة الإعلام أن العملية التي راهنت عليها الأنظمة العربية وقيادة منظمة التحرير الفلسطيني وصلت إلى طريق مسدود. وفي ذلك البرهان العملي على صحة القول بأن الصراع الذي فجرته إقامة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على التراب العربي في فلسطين إنما هو صراع وجود ولا وجود، قانونه العام أن المعركة معه مستحيل فيها الوصول إلى تسوية على أساس التنازلات المتبادلة، بل يحسمها الطرف الأكثر كفاءة في إدارة الصراع وتوظيف القدرات والإمكانيات المتوفرة له التوظيف الأفضل، مما يجعله مؤهلاً لإجبار الطرف الأخر على الاستسلام الكامل لإرادته والخضوع التام لما يمليه عليه.

ولم يعد خافياً أن آلة الحرب الصهيونية، برغم مغالاتها في ممارسة أقسى درجات إرهاب الدولة من اغتيال واعتقال وتدمير، لم تستطع قمع المقاومة أو استلاب إرادة الشعب العربي في فلسطين المحتلة. ولقد دللت العملية النوعية في حي الزيتون ومعبر فيلادلفيا على أن لدى المقاومة القدرة على إبداع ما تواجه به تصعيد إرهاب الدولة الصهيوني، بل وكفاءة إبقاء "الأمن" الصهيوني تحت رحمة المقاومة حتى وإن تعذر عليها ممارسة العمليات الاستشهادية وراء ما يسمى "الخط الأخضر".

ومما فاقم أزمة شارون وحكومته وجنرالات جيشه خاصة والتجمع الاستيطاني الصهيوني عامة قرار محكمة العدل الدولية بتأكيد عدم مشروعيه جدار الفصل العنصري والضم الاستيطاني، وعدم أخذها بإجماع غالبية قضاتها بأكذوبة "حق إٍسرائيل بالدفاع عن نفسها"، مما يعني إضفاء مشروعية أعلى هيئة قضائية دولية على المقاومة. وقد تأكد هذا بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 150 صوتاً مقابل 4 أصوات بإلزام إسرائيل تنفيذ قرار المحكمة الدولية بتفكيك الجدار والتعويض على المتضررين من الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين. الأمر الذي يؤكد عدم مشروعية كل الإجراءات الصهيونية في الأرض المحتلة سنة 1967، ويعزز بالتالي موقف القوى الملتزمة بالمقاومة خياراً استراتيجياً.

ومن هنا تدرك دلالة الضغوط الدولية والإقليمية على السلطة الفلسطينية للوفاء بما ألزمت نفسها به من اتخاذ إجراءات قمع المقاومة والتصدي لكل ما يهدد "أمن" محتلي وطنها ومغتصبي حقوق شعبها المشروعة. ولأن الرئيس عرفات يدرك التداعيات الخطرة لما هو مطلوب منه تنفيذه، فيما هناك من هو مستعد للقيام بكل ما يؤمن له مراكمة مكاسبه غير المشروعة. وعليه اشتدت الضغوط لتجريد الرئيس من صلاحياته في موضوع الأمن بالذات، واحتدم الصراع حول الصلاحيات بينه وبين رئيس وزرائه، الذي غدا أكثر قبولاً منه لدى صناع قرار التحالف الاستراتيجي الأمريكي - الصهيوني.

والذي يذكر أنه حين أبرم اتفاق أوسلو وظفت أجهزة الإعلام العربية والأجنبية في تسويقه وإشاعة أوهام قرب الوصول للحل العادل والشامل والدائم للصراع التاريخي. وفي زحمة الزفة الصاخبة التي شاركت فيها مختلف القوى المؤمنة بأن 99% من أوراق اللعبة بيد المياسترو الأمريكي غيبت الأصوات النادرة التي أوضحت ما انطوى عليه الاتفاق من ثغرات وتنازلات جوهرية، تدل على أن موقعيه ومروجيه مسكونون حتى النخاع بثقافة الهزيمة، بحيث باتوا مستعدين للقبول بأسوأ الحلول وفي ظنهم أن ذلك سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه وما تفرضه الواقعية السياسية. ولم يكن مستغرباً والحال كذلك أن تشيع ظاهرة إسقاط المحيطين والمتعبين أمانيهم الرغائبية على الواقع المأزوم، وأن يغلب الحديث عن الدولة والعودة وسنغافورة الفلسطينية.

وكان طبيعياً للغاية أن تؤدي أجواء الأحلام الوردية بالغالبية الساحقة من النخب السكوت على تفرد الرئيس بصناعة القرارات على مختلف الأصعدة، واستئثار رجالات فتح بمعظم المراكز القيادية، بل والاستهانة بالفساد المستشري في أجهزة السلطة. غير أن انسداد آفاق التسوية، وتبدد أوهام إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتفاقم حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وكنتيجة لتفاعل ذلك كله جدلياً اتسعت دائرة الناقدين لما كان مسكوتاً عنه من تفرد واستئثار وفساد. وذلك ما تشهده كل المجتمعات في الحالات المماثلة ويعتبر من مؤشرات وقوفها على عتبات تغيير جذري.

ويكثر في أوساط علماء الاجتماع السياسي المشهود لهم بالموضوعية القول بأن الفساد في عصر العولمة والشركات متعددة الجنسيات صار له منظروه، الذين يبررونه باعتباره من أبرز أدوات مراكمة المكاسب والأرباح. والواضح أنه كلما كان القطر محدود القدرات الإنتاجية وأكثر اعتماداً على المعونات والتسهيلات المصرفية الخارجية كلما كان الفساد أكثر استشراء في ساحته. ولأن السلطة الفلسطينية لم تبذل الحد الأدنى من الجهد لتطوير اقتصاديات القطاع والضفة، ولأنها لم تحاول تطوير آلية الاعتماد على الذات الفلسطينية في تغطية معظم احتياجاتها المالية، كما كانت عليه الحال قبل تسلم الرئيس عرفات وأركان فتح قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. ولأن الدعم العربي والدولي غدا هو المصدر الوحيد للتمويل لم تفقد السلطة الفلسطينية استقلال قرارها الوطني فحسب، وإنما غدت أيضاً الساحة التي يتميز فيها الفساد بتعدد مصادره. والمستجد على هذا الصعيد أنه وقد بات الرئيس عرفات مطلوباً تهميش دوره تناسى صناع القرار الدولي والإقليمي دورهم في إشاعة الفساد في أجهزة السلطة وسكوتهم الطويل على ممارسيه. وفجأة اشتدت ضغوطهم لفرض "الإصلاح" وفق مواصفاتهم وبحيث يأتي بمن يخدمون أغراضهم أكثر من الرئيس عرفات برغم ما قدمه من تنازلات مجانية.

وبالنتيجة غدا أركان السلطة وقادة فتح التاريخيين يواجهون ضغوطاً ذات بعدين متمايزين: ضغط نخبوي وجماهيري عربي عام وفلسطيني خاص يطلب إصلاحاً سياسياً وإدارياً ومالياً بما يعزز إرادة شعب الصمود في الضفة والقطاع، ويمكن المقاومة في مواصلة إبداعاتها بحيث تفرض على التحالف المضاد تلبية الحد الأدنى من المطالب الوطنية المشروعة، ألا وهو إقامة الدولة كاملة السيادة على ما احتل سنة 1967. فيما استهدفت الضغوط الأمريكية والأوروبية والرسمية العربية فرض "إصلاح" يصب في قناة تعزيز إجراءات قمع المقاومة وإضعاف إرادة ممانعة القبول بشبه دولة تلتزم بمتطلبات "الأمن" الصهيوني وتوفر العمالة الرخيصة التي تحتاجها الصناعات الإسرائيلية النامية والكمبردور العامل في تسويق المنتوجات الصهيونية في المشرق العربي.

وفي مواجهة واقع فتح المأزوم تمايزت فيها ثلاثة أجنحة بينها تناقضات حادة: جناح الرئيس عرفات والباقين على موالاته لسبب أو لآخر، والجناح الذي ينطق بلسانه محمد دحلان الطامح لأن يكون رجل فتح القوي. وجناح العناصر التي لما تزل وفية للثوابت الوطنية التي اكتسبت على أساسها فتح دورها التاريخي. وهو الجناح المطالب بالإصلاح الحق والرافض الضغوط الأمريكية والمتحفظ على المداخلات الرسمية العربية، والذي لم يقطع شعرة معاوية مع الرئيس عرفات، والذي تمثله قيادات كتائب شهداء الأقصى الملتزمة بالمقاومة خياراً استراتيجياً.

ويلاحظ أن فصائل المقاومة الأخرى وهيئات المجتمع المدني في الضفة والقطاع لم تستجر لصراعات أركان السلطة ونزاعات أجنحة فتح. كما أن هذه النزاعات وتلك الصراعات لم تحدث انشطاراً عمودياً في أوساط الجماهير، وإن أجمعت القوى، والعناصر الوطنية والإسلامية على المطالبة بالإصلاح الذي يجتث الفساد من جذوره، وعلى رفض الاحتكام للسلاح في النزاعات والصراعات الفتحاوية، وأن يكون الحوار الديمقراطي سبيل حسم الخلافات في الساحة الفلسطينية. الأمر الذي يدل على ما بلغه الحراك الوطني الفلسطيني من تطور في علاقات نخبه وقواه على الرغم من اتساع وكثافة المداخلات العربية والدولية.

وكل المؤشرات تدل على أن الشعب العربي في الضفة والقطاع المحتلين، وبخاصة أجياله الجديدة من الشباب والصبايا صقلت إرادتها في سجون ومعتقلات العدو بحيث غدت عصية على التطويع والتركيع مهما اشتدت الضغوط. فضلاً عن أن التجارب المرة في الشتات أصلت في الفكر والوجدان اليقين بأن مقاومة العدو والصمود في أرض الآباء والأجداد إنما هو الأكرم والأسلم والأشرف. وعليه يبدو جلياً استحالة العودة لما كان سنة 1967، والأكثر استحالة النزوح الكثيف مهما اشتدت المعاناة. وإن كان ذلك لا ينفي احتمال الخروج للعمل في المحيط العربي وخارجه دون أن يعني ذلك التخلي عن الهوية التي تمكن حاملها من الإقامة الدائمة في فلسطين المحتلة. وعليه يغدو غير واقعي ولا موضوعي الحديث عن التداعيات الخطرة المحتملة لنزوح متوقع من الضفة الغربية إلى الأردن.

كما أن صراعات أركان السلطة ونزاعات حرس فتح القديم، وإن بدت غاية في الخطورة، إلا أنها توفر فرصة تاريخية لكل من جناح فتح الشبابي، كما لبقية فصائل المقاومة وهيئات المجتمع المدني المتحررة من التمويل الخارجي وما يترتب عليه من التزامات. كل هذه القوى غدت مسؤولة عن ممارسة دور في أحداث انتفاضة إصلاحية على المحاور السياسية والإدارية والمالية، تعزز خيار المقاومة، وتدفع باتجاه إقامة القيادة الجماعية الملتزمة بالثوابت الوطنية والقومية واعتماد مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإخضاع القيادات على كل المستويات للمحاسبة والمساءلة والتغيير. والانعتاق الكامل من نهج أوسلو، وبخاصة الافتقار للاستراتيجية الشاملة والدائمة لإرادة الصراع مع التحالف الأمريكي – الصهيوني. وما يترتب على هذا القصور الفادح من نتائج مدمرة في التفاوض مع الصهاينة ليس أقلها الاتفاق على التنسيق الأمني، والتهاون تجاه العملاء، والتفريط بالثوابت الوطنية، والاستهانة بحقوق الأسرى والمواطنين كافة.

ولأن الرئيس عرفات لما يزل له رصيد جماهيري على الصعيد الوطني الفلسطيني والقومي العربي، ولأنه يتعرض لمحاولة تهميش أمريكية – صهيونية فإنه على الرغم من كل ما يؤخذ عليه لا يجوز مطلقاً القبول بتحميله وحده عبء الفساد الذي يشاركه المسؤولية عنه الأعلى صوتاً في انتقاده هذه الأيام. والموقف الموضوعي منه في المرحلة الراهنة ما دعا له شيخ مناضلي فلسطين بهجت أبو غربية، بالإبقاء عليه قائداً رمزاً بلا صلاحيات. ليس فقط تجاوباً مع كونه لما يزل يحظى بتأييد ما يجاوز 50% من شعب فلسطين وجماهير الأمة العربية، وإنما أيضاً لتأكيد اختصاص شعب فلسطين وحده في اختيار رموزه القيادية وإعفائها من المسؤولية، باعتبار ذلك أول شروط السيادة الوطنية.

ويظل قيام الجبهات الوطنية العربية الملتزمة بالثوابت القومية، وتكاملها في جبهة قومية عربية، إنما هو الدرع الواقي للحراك الوطني في كل قطر عربي، والأداة الأقدر للحد من الآثار السلبية لاستشراء الخضوع الرسمي العربي للضغوط الأمريكية والمداخلات الأوروبية، وتجنيب كل من المقاومة الفلسطينية والعراقية ما يخطط لها في دوائر الاستخبارات الأمريكية والأوروبية والصهيونية. وبمقدار ما تتحقق الجبهات الوطنية التي تضم من بقي وفياً لشعبه من عناصر التيارات القومية والإسلامية والليبرالية والماركسية، بقدر ما تؤكد نخب الأمة جدارتها في زمن التغول الأمريكي والعربدة الصهيونية والانسحاب الرسمي العربي. بل وانتمائها إلى الظاهرة الأكثر نبلاً في تاريخنا المعاصر، ظاهرة المقاومة في الزمن الصعب. وهذا هو التحدي.