هل اصبحت دارفور بوابة للتدخل الاجنبي في السودان؟

 

 

 

 بقلم :د. محمد علي الفرا

 

في مقال سابق عنوانه »اضواء على مشكلة دارفور« كان هدفنا اعطاء القارئ خلفية كافية عن هذه المشكلة من حيث نشأتها وتطورها وانعكاساتها، وقلنا ان لا يمكن فصلها عن مشكلتي جنوب السودان وشرقه، وان ما يحدث الآن في دارفور يدل بوضوح على ان مخططات تقسيم السودان وتفتيته الى دويلات وكيانات صغيرة. كما كان عليه الحال في بداية القرن الماضي اصحبت جاهزة وعلى وشك التنفيذ.

وفي اثناء اشتداد الصراع الاستعماري في افريقية بين اكبر قوتين اوروبيتين وهما بريطانيا وفرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين طالبت فرنسا بضم دارفور الى تشاد المجاورة لاشتراكها في اصول سكانية واحدة، ولكن تمكنت بريطانيا من ضمها الى السودان منهية بذلك ما كان يسمى سلطنة دارفور التي استمرت من عام 1637 وحتى عام 1875م. اما جنوب السودان وسكانه أفارقة يدين بعضهم بالمسيحية في حين تنتشر الوثنية بينهم، فقد ضمته بريطانيا التي تستعمر مناطق واسعة في غرب افريقيا وشرقها وجنوبها ووسطها ثم مصر والسودان في شمالها. وكان سكان جنوب السودان يعتقدون انهم اقرب الى الاقطار الافريقية المجاورة لهم مثل اوغندة وكينيا واثيوبيا وزائير من السودانيين الشماليين الذين هم في الغالب من اصول عربية. ويبدو ان لارتيريه اطماعا في مناطق بشرق السودان الذي كان في الماضي جزءا من مملكة »البجة« التي امتد سلطانها فشمل ارتيريا. وبناء عليه يمكن القول بأن السودان الحالي كيان تشكل في الحقبة الاستعمارية التي تشكلت فيها معظم او جميع الكيانات الافريقية القائمة حاليا، وكذلك كيانات غالبية الاقطار العربية، وهذا يتضح من اشكال الحدود الهندسية بخطوطها المستقيمة او قليلة التعرج، وهي لذلك مصطنعة، ولا تعتمد على ظواهر طبيعية او مكونات اتنوجرافية تجعل منها حدودا مستقرة وثابتة يرضى بها السكان، ولذلك فإن الحدود تُعد السبب الاساسي والرئيسي في تفجر المشاكل والنزاعات بين معظم الاقطار الافريقية، بما فيها السودان، على الرغم من ان لكل مشكلة طبيعتها و سماتها وخصائصها، وكثيرا ما تتفجر المشكلة حينما يضعف سلطان الدولة وسيطرتها، او حين تتولى الامر الحكومة قد لا تحسن التصرف او لا تحظى بالقبول من غالبية المواطنين او يكون لها برنامج قومي او وطني او ديني او عقائدي طموح يتعارض مع مخططات القوى العالمية الكبرى او يهدد مصالحها. وقد ينطبق هذا القول على عدد من الدول الافريقية، ومنها السودان فمشكلة جنوب السودان قديمة يعود تاريخها الى الحقبة الاستعمارية، ولكنها تفجرت بعد استقلال السودان في عام ،1956 ورغبة سكان الجنوب بإقامة كيان مستقل بهم، لاعتقادهم بأنهم أفارقة وغير مسلمين بينما سكان شمال السودان غالبيتهم من العرب المسلمين.

اما مشكلة شرق السودان فقد بدأت حينما فاحت رائحة النفط فيه، وسال لعاب بعض الدول له بعد كشفه واستخراجه بكميات تجارية، والشيء نفسه قد ينطبق على دارفور التي يقال بأن هناك دلائل على وجود معادن ثمينة في باطنها واهمها اليورانيوم والنحاس والبترول.. وهذا يفسر لنا تطور النزاع الدائم بين الرعاة والمزارعين في هذه الولاية الواقعة في اقصى غرب السودان والتي تبلغ مساحتها نحو نصف مليون كيلو متر مربع. وهذا نزاع يحدث في جميع البلدان التي يختلط فيه الاقتصاد الرعوي بالاقتصاد الزراعي، فالاحتكاك والنزاع بين الرعاة الذين قد يعتدون بمواشيهم وأغنامهم وإبلهم على الاراضي الزراعية يؤدي الى صدام قد يتطور الى صراع مسلح، ولكن ليس من الصعب حله او احتواؤه بالطرق التقليدية وعن طريق شيوخ القبائل او القيادات الدينية، وقد تبين بأن تصعيد هذا النزاع في دارفور واتخاذه بعدا دوليا ناجم عن تدخلات اجنبية مشبوهة من دول لها مخططاتها واهدافها ومصالحها وأطماعها في السودان، وفي البلاد العربية وفي هذا الوقت الذي التقت فيه الاهداف الصهيونية بالمصالح الاجنبية وبخاصة الامريكية، وقد اشار الى هذا »مصطفى عثمان اسماعيل« وزير خارجية السودان حينما قال بأن »اسرائيل تقوم بدور كبير في تصعيد الاحداث في اقليم دارفور«، وان لديه من المعلومات ما يؤكد على ما تردد مؤخرا في اجهزة الاعلام من وجود دعم اسرائيلي، وستكشف الايام القادمة عن كثير من اتصالات اسرائيلية مع المتمردين ، وليس ادل على ذلك من ان سفير اسرائيل في الامم المتحدة عندما تحدث عن الجدار العنصري في الضفة الغربية بدأ حديثه عن دارفور وما يفعله العرب فيها، اضافة الى تحرك الجاليات اليهودية واثارة الاقاويل عن احداث دارفور، وتحاول الدول الاجنبية التي تتدخل حاليا في مشكلة دارفور التستر وراء مزاعم وادعاءات انسانية كالتذرع بتعطيل اعمال الاغاثة وانتهاك حقوق الانسان وايقاف ما يسمى بحرب الابادة والتطهير العرقي في هذه الولاية، وفي الوقت نفسه تصور المشكلة على انها حرب بين العرب والافارقة، وقد انطلى ذلك - للاسف على الكثيرين، وصدقه بعض الاعلاميين و الكتاب العرب الذين ليس لديهم معلومات كافية عن السودان واقاليمه وسكانه ومشاكله وهم يلقون باللوم كله على حكومة السودان ويحملونها وحدها المسؤولية فيما يحدث في دارفور، دون ان يحملوا المتمردين اية مسؤولية تذكر، ويطالبون الحكومة بنزع اسلحة »الجنجويد« التي سلحتهم بها، ولا يطالبون في الوقت بنزع سلاح المتمردين الذين يتلقون الدعم والسلاح من الخارج، ولا يحملونهم مسؤولية انسحابهم من المفاوضات بعد ان قوي مركزهم نتيجة التدخل الاجنبي ولا يشيرون انهم يبعثون الى المفاوضات شخصيات ثانوية لا قدرة لها على اتخاذ اي قرار حتى ولو كان بسيطا .

ونحن في قولنا هذا لا ندافع عن حكومة السودان ولا نهدف الى اعفائها من مسؤولياتها في دارفور وفي جميع ولايات السودان، اذ يبدو ان هناك قدرا من الحقيقة فيما يقوله بعض المراقبين المحايدين بأن تأخر الحكومة في علاج المشكلة وتهاونها بها وعدم تقديرها لابعادها الحقيقية وانعكاساتها وتداعياتها الحالية والمستقبلية، ادى الى تفاقمها وتعقدها واعطى الفرصة لتدخلات اجنبية، وفي الوقت نفسه اذا كنا ننكر ونستبعد حدوث اعمال ابادة وتطهير عرقي معتمدين في هذا على تقارير دولية محايدة، فاننا لا نستبعد ما يحدث في دارفور من انتهاكات لحقوق الانسان، ولا يسعنا الا ان نشعر بالمآسي التي يعاني منها سكان دارفور ولا نقلل من النكبة التي حلت بهم، ومعاناتهم جراء النزوح عن اوطانهم، ولا نظن بان حكومة السودان تنكر كل هذا، ولا نعتقد انها غير راغبة في حل المشكلة، ولا ندري اذا كانت الحكومة لم تستجب لما طالب به العقلاء بضرورة عقد مؤتمر وطني تحضره جميع الاطراف والاطياف السياسية في البلاد، بما فيها المعارضة، للتشاور والتعاون في حل مشاكل البلاد ومجابهة التحديات التي تواجهها اليوم وضد الاخطار التي تهدد السودان، ولا شك في ان عقد مؤتمر كهذا قد يجنب الحكومة ويرفع اللوم عنها، كما يجنب البلاد الكثير من المشاكل التي تعصف بوحدة السودان وتهدد امنه واستقراره ويبدو لنا ان عقد مؤتمر وطني عام كهذا قد يساعد على تدعيم الوحدة الوطنية ويجسدها على ارض الواقع، مما يكسب السودان مناعة قوية تستطيع احباط اي مخطط اجنبي طامع في السودان وموارده وثرواته وأراضيه .

واخيرا نقول بأن لا بد من دور عربي قوي وفاعل يساعد السودان في حل مشاكله، ويمكنه من التغلب عليها، وتدعمه في اجتياز محنته، والوقوف معه ضد الاخطار التي تهدده وتهدد وحدة ترابه وهي اخطار تهدد الوطن العربي كله ونحن نرحب بما صدر عن وزراء الخارجية العرب في مؤتمرهم الاخير الذي عقد في القاهرة من قرارات داعمة للسودان الا ان هذا التحرك العربي جاء متأخرا جدا ويتطلب مواصلة الجهود لتفعيل هذه القرارات حتى لا تظل حبرا على وق كما كان مصير جميع القرارات السابقة .