دارفور وإنقاذ ما يمكن إنقاذه

 

 

بقلم :ياسر الزعاترة

 

بعيداً عما يقوله الإعلام الغربي والأمريكان وكوفي أنان، فإن مأساة إنسانية كانت ولا تزال تقع بالفعل في منطقة دارفور بغرب السودان، والسبب هو دعم، وأقله سكوت الحكومة السودانية على ممارسات مليشيات «الجنجويد» التي تحركت في سياق أزمة بدأت بعد شروع السكان في الاحتجاج على تهميشهم لفترة طويلة، الأمر الذي لم يبدأ إلا بعد أن طفح الكيل بالنسبة إلى هذه الفئة باعتراف جهات كثيرة وليس فقط حسن الترابي وحزب المؤتمر الشعبي الذي اتهم بتحريض السكان ضد الحكومة، كما أعلنت الحكومة قبل أن تزجه في السجن.

 

والحال أن قصة دارفور هي استمرار للفشل السياسي الذي لازم حكومة الإنقاذ خلال السنوات الأخيرة، سيما بعد أن وقع الطلاق بينها وبين راعي مسيرتها الدكتور حسن الترابي بسبب دعوته للانفتاح على القوى الشمالية وإنشاء ديمقراطية حقيقية بعيداً عن الفئوية الحزبية وباتفاق شامل على المرجعية الإسلامية للدولة.

 

والحال أن الفشل المذكور هو الذي قاد بدوره إلى مسلسل التنازلات الخطير في مشاكوس ونايفاشا، الأمر الذي لم يهدد الجنوب ويضعه رهن قرار جارانج بالانفصال فقط، وإنما صعّد آمال هذا الأخير بحكم السودان كله وتغيير هويته العربية والإسلامية. ويكفي أن يتحدث الدكتور قطبي المهدي، مستشار الرئيس السوداني عمر البشير عن «اندلس جديدة» في السودان، فيما يطالب قادة آخرون من الحزب الحاكم بفصل جنوب السودان عن شماله من أجل المحافظة على الشمال، الأمر الذي يعكس حجم المخاوف التي تنتاب المخلصين في الساحة السودانية والحزب الحاكم من مغبة ما جرى وما تم الاتفاق عليه بين الحكومة وحركة التمرد تحت طائلة الضغوط الأمريكية الرهيبة التي لم تدع أمام الحكومة غير الخضوع، على أمل أن يجنبها ذلك نهاية بائسة وخروجاً مهيناً من السلطة.

 

لو كانت العلاقة مع شركاء الأمس وقوى الشمال جيدة لما اضطرت حكومة الإنقاذ إلى تلك الاتفاقات التي تهدد الجنوب والشمال معاً وليس الجنوب وحده. أما قصة دارفور فهي في واقع الحال استمرار لذلك النفس الفئوي الذي أفضى إلى تهميش جزء أساسي من السكان ودفعهم دفعاً نحو التمرد ومن ثم قمعهم بأساليب لا تنسجم بحال من الأحوال مع الأعراف والقيم الإسلامية، سيما وأنهم مسلمون لهم حقوقهم شأنهم في ذلك شأن الآخرين.

 

لا خلاف على أن الولايات المتحدة وبريطانيا تريدان استغلال ما يجري في دارفور من أجل المضي قدماً في سياسة تركيع السودان ودفعه نحو استحقاقات الأندلس الجديدة التي تحدث عنها مستشار الرئيس السوداني، أو تقسيمه وضم الغرب إلى الجنوب وتهديد الدولة العربية الأهم (مصر) من أجل مزيد من تركيعها ومعها تركيع الوضع العربي برمته. لكن ذلك لا ينفي الأخطاء التي وقعت قبل وبعد دارفور، وهي أخطاء إذا لم يجر إصلاحها فإن الأوضاع ستزداد سوءاً وسيتسع الخرق على الراتق، الأمر الذي يهدد السودان وهويته ويهدد مصر ومن ورائها الأمة، سيما وأن واشنطن في حاجة إلى عملية التفاف جديدة على المنطقة بعد ملامح فشل مشروعها في العراق.

 

نتمنى أن تبادر حكومة الإنقاذ إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر رص صفوف الشعب السوداني وقواه الحية بعد رفع المظلمة عن أهالي دارفور، وذلك من أجل الحيلولة دون أندلس جديدة، ودون نجاح المشروع الأمريكي الصهيوني فيما فشل فيه في العراق.