معارك النجف الراهنة
تطوير ميداني للمجابهات العسكرية والسياسية
بقلم :محمـد
العبـد اللـه
تشهد العديد من محافظات العراق إتساع رقعة
المواجهات المسلحة مع قوات الإحتلال الأمريكي _ البريطاني ودول التحالف المشاركة
معه ، مضافاً لها عساكر وعناصر الحكومة المؤقتة المعينة من المحتلين ، هذه
المواجهات التي تفجرت منذ أن وطأت أقدام الغزاة تراب الوطن الغالي ، في مقاومة
وطنية باسلة تلحق بقوات الغزو الخسائر الفادحة يومياً ، مما دفع بصحيفة الواشنطن
بوست مؤخراً للإعلان عن أن عدد القتلى في صفوف القوات الأمريكية يقارب خمسة عشر
ألف قتيل ممن يحملون الجنسية الأمريكية ، يضاف لهم بضعة آلاف أخرى من الذين طلبوا
الجنسية ، فوعدوا بمنحها إذا التحقوا بالخدمة العسكرية بالعراق ، ناهيك عن الآلاف
الأخرى من الجرحى والمعاقين الموزعين في مشافي القوات الأمريكية في العديد من
قواعدها الأوروبية ، وداخل أراضي الولايات المتحدة نفسها ، نتيجة التصعيد المنهجي
في عمل المقاومة ، مما دفع مجرم الحرب " جون أبي زيد " القائد الأبرز
للقوات الأمريكية في المنطقة ، للإعتراف بأن مايحصل في العراق من مجابهات مسلحة (تعترف
قيادة المحتلين بثمانين منها يومياً ، بينما تؤكد عدة مصادر مستقلة من داخل العراق
بوقوع مايقارب المائتين عملية) ضد قوات
الغزو " يشير إلى وجود قيادة مركزية تدير حرب عصابات منظمة ، يمتاز مقاتلوها
بحرفية مهنية ، تخصصية ،عالية " .
وتأتي المعارك العنيفة التي يخوضها " التيار
الصدري " ضد قوات الإحتلال وعملائه في العديد من محافظات الوطن المحتل ، منذ
عدة أيام ، لتنهي بالرصاص والدم ، الهدنة التي تم التوصل إليها بين الطرفين في
حزيران الفائت بترتيب ورعاية " البيت الشيعي " ، على إثر معارك نيسان
وأيار المنصرم . ومما يلفت نظر المراقبين في ذلك التطور المتسارع للمجابهات ،
المترافقة مع إتساع دائرة المعارك المسلحة
في المدن والبلدات التي يتواجد فيها أنصار السيد مقتدى الصدر ، أنها جاءت
لتعبر عن المأزق الذي تعاني منه حكومة إياد علاوي المكلفة أساساً بالمهمات الأمنية
، وبالتحضير لما يسمى ب " المؤتمر الوطني " والذي تأجل إنعقاده لمنتصف
الشهر الجاري ، ناهيك عن الفشل الكبير في توفير هذه الحكومة / الدمية للمتطلبات
الأساسية الضرورية للمواطن ( الماء ، الكهرباء والعمل ) . وفي الطرف المقابل ، كشفت هذه المعارك عن تطور بارز في الخطاب
السياسي للتيار الصدري كما عبّرعنه قائده
، والعديد من أركان قيادته في الأيام
الأخيرة . فالحكومة المؤقته التي عينها الحاكم بريمر قبل مغادرته المهينة للعراق ،
لم تستطع تحقيق برنامجها ، الذي يشرف عليه ويتابعه ، الحاكم الجديد ، نيغروبونتي
القابع في السفارة الأمريكية ، داخل مايسمى بالمنطقة الخضراء ، والتي حولتها
صواريخ وقذائف المقاومة الباسلة لمنطقة حمراء ملتهبة . فالفشل اليومي المتلاحق ،
والذي تحصده حكومة علاوي ، إنعكس في حالة إحتقان حادة تعاني منها شرائح هامة داخل
مكونات المجتمع العراقي ، نتيجة إنسداد الأفق أمام طموحاتها السياسية ، خاصة في
الأحياء والمدن والبلدات والعشائر ذات الأغلبية الشيعية الفقيرة ، فالهيمنة على
الدور السياسي للطائفة مازال مرهوناً بالمرجعيات الدينية المتعددة ، وبقوى سياسية
شاركت بكل الهيئات التي صنعها المحتل ، وشكلت " ديكوراً " قبيحاً للوجود
الأجنبي ، فهي تلعب دوراً مكملاً لقوات الإحتلال ، في العديد من المهام الأمنية
القذرة ( قوات "غدر" التابعة لمجلس الحكيم ، وتشكيلات مستولدة من قوى
عنصرية ذات حقد واضح على الإنتماء الوطني _ القومي ) وقد عبرت خطبة يوم الجمعة
الفائت للسيد مقتدى الصدر عن لغة سياسية _ مطلبية متقدمة ، شكلت نقلة نوعية في خطة
عمل التيار الصدري ، فرفض المشاركة بمهزلة ماسمي بالمؤتمر الوطني ، شكلت أزمة
جديدة لكل اللاهثين داخل الحكومة / الدمية
لاستيعاب هذا التيار ، ولجم طموحاته ، عبر " رشاوي " متنوعة ، كما جاء
تضمينها لقضايا يومية مباشرة تعاني منها الجماهير ، فمسألة تشكيل إدارة مدنية في
النجف وسواها ، تكون بديلاً عن أدوات الواقع المفروض الحالي ( المحافظ ومندوبي
هيئات الحكومة ) دفعت مع عوامل كامنة أخرى
بقوات الإحتلال وعملائها من العراقيين للبدء بالهجوم على مواقع جيش المهدي
، ومكاتب التيار الصدري ، في محاولة مستميتة لسحق دعاة هذا الخط ، لأن نجاح
أطروحاته الجديدة ، سيشكل هزيمة لبرنامج
الحكومة والأحزاب والقوى المنضوية داخلها ، ولهذا كانت الحملات العسكرية الوحشية
التي تشنها القوات الغازية ضد شعبنا في النجف ، والتي امتد حقدها وعنصريتها ليطال
المقابر ، والمراقد الدينية ، تعبيراً جديداً عن مخطط راهن يستهدف الإنفراد بهذه
القوة الشعبية لسحقها ، الأمر الذي أدى إلى استبسال بطولي في مواجهة هذه الحملة
الدموية الجديدة ، وقد تجلى ذلك في العديد من العمليات الهجومية التي استهدفت
مواقع قوات الإحتلال ومراكز قوات الشرطة ،
الممتدة من بغداد إلى البصرة ، مروراً بكربلاء والعمارة والناصرية والحلة ، ليكمل
بوحدة ملحمية وطنية ، المجابهة المتصاعدة في الموصل وكركوك وتكريت وبعقوبة
والأنبار . هذه الوحدة الميدانية التي تحتاج من السيد الصدر وانصاره إلى تبني
برنامج عمل مشترك مع كل القوى الوطنية المقاومة ، يضع في أولوياته ، العمل على
تمتين وحدة النسيج الإجتماعي السياسي الوطني ، بعيداً عن أية حسابات طائفية ضيقة ،
سواء في اللغة السياسية المتداولة في بيانات ، وخطب هذا التيار ، أو في ميدان
العمل العسكري ،والتشبث بمواقف سياسية صلبة ، لاتتم المساومة عليها ، أمام الصفقات
التي يسوقها مايسمى بالبيت الشيعي ، ولهذا
فتطوير درجة التنسيق بين كافة القوى والتشكيلات التي تخوض المعارك اليومية " العسكرية
والجماهيرية " مع قوات الإحتلال وعملائه ، تشكل الضمانة الأكيدة ، وصمام
الأمان من أجل إلحاق الهزيمة بالمحتل .
إن إنعكاسات التطورات الميدانية على رموز
الحكومة / المهزلة ، تؤكد على فداحة الخسائر العسكرية والسياسية التي لحقت بها ،
فمسلسل التصريحات اليومية لعلاوي والنقيب
يشير إلى إنهيار عصبي
تعاني منه هذه الرموز ! فما بين طرد المواطنين المدافعين عن المقدسات (كل تراب
الوطن مقدس ) إلى خارج العراق ، إلى إعتبار كل الغيورين على حق الإنسان بوطن حر
يؤمن الحياة الكريمة له ، قطاع طرق وخارجون على القانون ، تبرز أزمة " المحكومين
" من نيغروبونتي ، والمعينون في الحكومة / الدمية ، والتي يحاول علاوي وطاقم
عمله التخفيف منها ، عبر زيارتهم للنجف (تحت حراسة العشرات من القوات الأمريكية ،
وعناصر الحماية الخاصة من المرتزقة ،التي توفرها الشركات الأمنية ) في محاولة بائسة لشراء الذمم ، ولرفع معنويات
عساكره ، وموظفيه في المحافظة . إن هذه
الحكومة الشكلية ، تنتقل من أزمة إلى أخرى ، نتيجة إمتدادها لمجلس الحكم المنهار ،
ولفشلها في تحقيق ماطـُلب منها ، ولهذا تتخبط في كل ماتقوم به يومياً (العودة
لتطبيق حكم الإعدام ، دعوات لتسليم الأسلحة وحل المليشيات " المقصود جيش
المهدي " وليس قوات الحكيم والبيشمركة الطالبانية _ البرازانية ... ) .
إن المعركة التي يخوضها التيار الصدري الآن ،
تتطلب من المرجعيات الدينية الشيعية ، توفير الغطاء السياسي / المعنوي لحماية هذا
التيار في مواجهة سياسة الإقصاء والقتل
التي يتعرض لها ، بواسطة قنابل وصواريخ الدبابات والطائرات الأمريكية _ البريطانية
، ورصاص القوات المتحالفة معها ، وبتصريحات القوى السياسية المرتبطة بخطط المحتلين
. كما يتطلب ذلك أيضاً ، تصعيد العمليات العسكرية في كل مدن وبلدات الوطن ، من أجل
تخفيف الضغط عن النجف والعمارة والكوت ، وكل هذا مرهون بوجود أعلى درجات التنسيق
بين كافة التشكيلات المقاتلة . إن معركة تحرير العراق ، مهمة وطنية عامة ، يسمو
فيها المقاتلون على إنتماءاتهم الطائفية والأثنية والجهوية ، لأن الإنتماء الأول
والأخير هو للوطن الواحد والموحد .