مأزق الاحتلال

 

 

 

بقلم :سعد داود قرياقوس

 

ندرك تماما استحالة اعتراف الإدارة الأمريكية بمأزقها الكبير و بفشل مشروعها الاستعماري في العراق، إلا إن تخبطها الواضح وعدم استقرار نهجها وخطواتها المتعثرة تعبر وبشكل دقيق عن قناعتها بفشل احتلالها البشع وعجزها عن أنجاز برنامجها السياسي والعسكري في العراق والمنطقة.

ويبدو أن سمة الفشل لن تكون مقتصرة على برامج الاحتلال خلال المرحلة الماضية بل إن كل الدلائل تشير إلى حتمية فشل البرامج والمشاريع المستقبلية للإدارة الأمريكية، والى إن نتائج خططها للمرحلة القادمة لن تكن أفضل من تلك التي سبقتها. 

 

 لقد سعت إدارة بوش مستثمرة موقعها كقوة اقتصادية وعسكرية وسياسية عظمى، ومستخدمة هيمنتها على القرار السياسي الدولي إلى تدويل احتلال العراق، سواء عن  طريق دفع الدول الحليفة لها أو إرغام الراغبة في  تحسين علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الولايات المتحدة وكذلك إغراء الدول الطامحة  في المنح والمعونات الأمريكية إلى أرسال  قواتها المسلحة إلى العراق لإعطاء الاحتلال بعدا دوليا، و تقديمه كمشروع  تحالفي تتحمل مسؤولية  تنفيذه الأسرة الدولية ،  وليس مجرد احتلال انكلو- أمريكيا استعماري.

 

لقد نجحت الدبلوماسية الأمريكية قبل اشهر في دفع مجلس الأمن لإصدار قرار يمهد الطريق أمام بعض الدول المترددة لارسال قواتها إلى العراق لا سباب سياسية داخلية، فأصدر المجلس القرار المرقم "1511" ، الذي اتاح  للإدارة الأمريكية  فرصة الحصول على دروع بشرية لحماية  قواتها  في العراق ، إلا إنها فشلت  في وضعه موضع التنفيذ. الفقرات 13-16 والفقرة 26 من القرار المذكور تضمنت إنشاء قوة متعددة الجنسيات تحت قيادة موحدة للمساهمة في ضمان امن العراق واستقراره ، وطالبت الدول الأعضاء بتقديم مساعدات تحت هذا التفويض من ضمنها إرسال قوات عسكرية للمشاركة في هذه القوة. 

 

فشل الإدارة الأمريكية في تحقيق هذا الهدف كان واضحا ولم يقتصر على رفض الدول الأعضاء وخاصة تلك المعروفة بقدراتها العسكرية إرسال قواتها والمشاركة في سفك دماء العراقيين فحسب، بل والاهم، إن العديد من الدول التي سبق لها وان خضعت للابتزاز الأمريكي وأرسلت  قواتها إلى العراق عادت و سحبت قواتها  للعديد من الأسباب السياسية والأمنية.

 

هناك جملة من العوامل التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى التفكير في صيغة جديدة  تتيح لها السيطرة على متغيرات المعادلة العراقية الصعبة.  وتقلل من تأثيرات المأزق العراقي على نتائج الانتخابات الرئاسية القادمة.  فالفشل المتراكم لسلطة الاحتلال في تسويق احتلالها والسيطرة على مفردات الملف الأمني، يقابله التصاعد الكبير في حجم و نوعية عمليات المقاومة السياسية والمسلحة المضادة لوجود الاحتلال، وإصرار إطراف وطنية ذات قواعد جماهيرية واسعة على رفض مشروع الاحتلال وعدم التعامل مع سلطة الاحتلال وهيئاتها ورموزها بأي شكل أو صيغة، بالإضافة إلى بوادر الفشل المبكر لحكومة علاوي في السيطرة على مفردات المشهد العراقي ، خاصة عجزها عن  السيطرة على الجوانب الأمنية والحد من تصاعد حدة المقاومة العسكرية ضد قوات الاحتلال وضد أجهزتها ، كل ذلك دفع الإدارة الأمريكية إلى البحث عن حل آخر يبرقع بغطاء إسلامي هذه المرة .

 

المشروع الجديد الذي قدمته السعودية وأطلقت عليه صفة " مبادرة سعودية " هو في الواقع خطة أمريكية أريد بها إتاحة ، وفقا لحسابات الإدارة الأمريكية، هامش أضافي للمناورة، وفسحة استراحة قصيرة بعيدا عن غبار معارك المقاومة العراقية المزعجة  في موسم الانتخابات القاسي. هذه الفكرة أو المبادرة الجديدة تقوم على إرسال قوات من دول عربية وإسلامية تحت مضلة إسلامية بإدارة وتمويل سعودي للانضمام إلى قوات الاحتلال وإسنادها في السيطرة على الشارع العراقي الصعب المراس.

 

من الواضح  إن المحاولة الأمريكية الجديدة تعكس قلقا أمريكيا وعربيا رسميا مشتركا من تطورات الوضع في العراق وتداعياته، وخوفا من احتمالات نجاح المقاومة العسكرية في تحقيق انتصارات إستراتيجية حاسمة. هذا القلق عكسته تصريحات بعض المسئولين العرب التي عبرت عن  قلقهم من ما وصفوه " تصاعد وازدياد الإرهاب في العراق" ومخاطر تزايد التطرف وآثار ذلك على امن واستقرار المنطقة!؟ 

 

من المؤكد أن وصول مشروع الاحتلال إلى طريق مقفل النهاية بعد إن برهنت مرحلة التدويل فشلها اجبر الإدارة الأمريكية على التفكير في تجربة " اسلمة" الاحتلال للخروج من مستنقع العراق المتعدد الأبعاد. الفكرة تهدف في ظاهرها إلى تشكيل قوة عسكرية من عدد من الدول الإسلامية الحليفة للإدارة الأمريكية بأشراف وتمويل سعودي لغرض المساهمة " في توطيد الأمن والاستقرار في العراق". إلا إن أهدافها الحقيقية تختلف جذريا عن تلك المعلنة، واهم تلك الأهداف :

 

أولا. الهدف الأساس من التحول الجديد في نهج الاحتلال هو توفير فرصة  للإدارة الأمريكية لإعادة ترتيب أوضاعها في هذه الفترة الحرجة. المبادرة إذا ما تحققت فأنها ستقدم دعما سياسيا للرئيس الأمريكي في حربه المصطنعة ضد الإرهاب. فنجاح بوش في الاحتفاظ  بالبيت الأبيض يتوقف على اعتبارات عدة أبرزها ، تفاعلات الوضع في العراق. 

 

ثانيا. تنفيذ المشروع يوفر غطاء إسلاميا لتواجد القوات الأجنبية في العراق ويمنحها  شرعية عربية وإسلامية ، ويمد حكومة علاوي بشرعية عربية من خلال اعتبارها جزء من الهيكل السياسي العربي .

 

ثالثا.  تواجد قوات إسلامية وعربية سيساهم في  خلق عازل عسكري بين قوات الاحتلال وقوات المقاومة، بالشكل الذي يقلل من الخسائر البشرية لقوات الاحتلال، ويحمل القوات الإسلامية والعربية خسائر بشرية ومادية يمكن استخدامها إعلاميا

 

لاحقا في إضعاف الدعم الشعبي العربي والإسلامي للمقاومة العراقية.

 

رابعا.  التدخل العربي والإسلامي يمكن استثماره مستقبلا لتوسيع وتغيير تركيبة   المساهمة  الدولية في  احتلال العراق  وتساعد على تخفيف تردد منظمة الأمم المتحدة في المساهمة في إدارة العراق المحتل وتدفعها إلى الضلوع  في ادوار تساعد على  تخفيف أعباء  سلطة الاحتلال .

 

 ثمة سؤالان مهمان يطرحان نفسيهما الأول، لماذا اختارت الولايات المتحدة المملكة العربية السعودية للإشراف على هذا المشروع ووضعه موضع التنفيذ؟.

 

 والثاني، هل باستطاعة الأنظمة العربية والإسلامية تسويق الفكرة إلى شعوبها التي أبدت موقفا رافضا للوجود الأمريكي في العراق والمنطقة؟ 

 

بتقديري هنالك سببان أساسيان ساعدا الإدارة الأمريكية في إلقاء أعباء هذا المشروع الفاشل على اكتاف المملكة المرهقة في مشاكلها الداخلية ، اولهما ، إن العائلة المالكة في موضع ضعيف لا يمكنها رفض هذا التكليف الأمريكي في المرحلة الراهنة. والسبب الثاني يكمن في قدرة المملكة المالية على تمويل هذا المشروع  ولاسيما في ظل الانتعاش الذي يشهده سوق النفط والارتفاع الكبير في أسعار النفط.  تكليف الحكومة السعودية في إدارة المشروع صوريا وإبقاء المحرك الأمريكي خلف الستار يساعد الإدارة على تجنب مخاطر فشل المشروع  بالإضافة إلى إلقاء عبء تكاليف المشروع المالي! ة والسياسية على عاتق المملكة السعودية.

 

وبقدر تعلق الأمر بالسؤال الثاني، فبتقديري إن الحكومات المساهمة في التوليفة الإسلامية ستبرر مساهمتها على أساس كونها مستندة على مبررات وضرورات وطنية ملحة وبمعزل عن المشروع الأمريكي. وعليه فانه من المتوقع إن يركز الخطاب السياسي لتلك الدول على ربط المشاركة في الحرب على الإرهاب في العراق وإيقافه قبل الانتشار إلى مدنها.  وانطلاقا من ذلك فان الأجهزة الإعلامية الرسمية في العديد من الدول الإسلامية والعربية بدأت مؤخرا في طرح مخاوفها من تدهور الوضع في العراق، وإمكانية انتشار الإرهاب إلى دول الجوار في حالة سيطرة الإرهابيين على مقاليد الأمور. المطروح ألان أمام المواطن العربي والإسلامي إذن هو أما دعم وإسناد مساهمة ألدوله في التحالف الجديد أو مواجهة تبعات قدوم الإرهاب إلى مدن وشوارع  تلك الدولة!

 

إن استعراض تطورات الموقف في العراق خلال المرحلة الماضية، ولاسيما التصاعد  الحاد في مقاومة شعب العراق، ورفضه لمشروع الاحتلال، وفشل الإدارة الأمريكية في تسويق مشروعها الاستعماري ، بالإضافة إلى صلابة موقف الشعوب العربية والإسلامية الرافض للهيمنة الأمريكية والدا عم لموقف شعب العراق في نضاله ضد قوات الاحتلال ، يظهر حقيقة أن فرص  نجاح هذه المبادرة لن تكون أفضل من سابقاتها.

 

 لقد عبر شعب العراق وقواه الوطنية عن رفض المشروع الجديد ولأي مشروع لا يتضمن الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال وأعوانه وتصفية آثار الاحتلال. ومن المؤكد إن شعب العراق لن يفرق بين داعمي الجهد الحربي للاحتلال على أساس الجنسية والدين والعرق