إغلاق مكتب الجزيرة في بغداد...استبداد إعلامي فما هو المطلوب؟

 

 

 

 

بقلم : سري سمور

 

كان على مراسل قناة الجزيرة في بغداد أن يقول:"الطائرات الأمريكية ترش قطع الحلوى والنقود على أهالي الفلوجة!" وكان على فنيي كاميرا التصوير الخاصة بالقناة إظهار الدمار والقتل على شكل بساتين وحدائق غنّاء تعج بالحياة وتزخر بابتسامة الناس وفرحهم وطربهم! كان على طاقم الجزيرة تصوير ما يجري في النجف على أنه حماية من المارينز لمرقد الإمام علي كرم الله وجهه من اللصوص والعابثين وأن المارينز يبذلون كل جهد لحماية النجف وزائريها!

 

قد يبدو الكلام سخرية لكن واقع الحال يظهر أن هذا هو المطلوب فعلا من قناة الجزيرة ومن كل قناة تعمل في العراق،فبعد أن أظهرت كاميرا الجزيرة وصوت مراسليها بعضا من تفاصيل حقيقة الوضع في العراق ضاق الأمريكيون والحكومة المؤقتة المعينة من قبلهم ذرعا بمكتب الجزيرة فقرروا إغلاقه وبذلك يرسلون رسالة واضحة لكل الفضائيات والطواقم الإعلامية مفادها أن عليكم تشويه المقاومة ودمغها بالإرهاب وتحسين صورة الجندي الأمريكي ووصف الطائرات التي تقذف بقنابل الموت والدمار على الناس بأنها حمائم سلام بيضاء!

 

بهذا تتضح صورة الاستبداد الإعلامي بوضوح لتكشف عن الوجه القبيح لمشروع الحرية الأمريكي الذي بشرت به واشنطن بعد احتلال العراق إنه استبداد وتزوير للحقيقة وكذب وغش تحت مسمى الحرية والديموقراطية ولا يوجد تفسير آخر لما فعله الأمريكيون بوسائل الإعلام سواء أثناء الحرب حين قصفوا فندق فلسطين وقتلوا مجموعة صحافيين من بينهم مراسل قناة الجزيرة طارق أيوب أو بعد الحرب حين تصرفوا ذات التصرف مع قناة العربية ،ولم يسلم الإعلام العراقي المحلي من التضييق عليه خاصة ما قام به بول بريمر من إغلاق صحيفة "الحوزة الناطقة " فالمحتل الأمريكي يريد فضائيات تعزف في جوقته بناء على ما يختاره من ألحان وصحفا صامتة إلا عن ترويج ما يريده المحتل.

 

إنها شريعة "ما أريكم إلا ما أرى" تتجسد في فرعون عصرنا فحرية الإعلام التي يتغنى بها الأمريكيون ويطالبون بنشرها في الدول العربية والإسلامية هي حرية الإعلام العاري المتحلل من كل القيم الدينية والتقاليد الاجتماعية الموروثة،وحرية الإعلام العميل الذي يفتح الباب واسعا لدعاة التطبيع مع تل أبيب وحرية إعلام المروجين والمزغردين بالمخلّص القادم من أزقة وشوارع الجريمة والمخدرات في نيويورك وشيكاغو...أما الإعلام الذي يظهر الصورة كما هي دون رتوش ودون تزيين فهو إعلام تمقته واشنطن وتريد إسكاته بأي ثمن وبأي أسلوب.

 

قرار إغلاق مكتب قناة الجزيرة هو قرار أمريكي وإن جاء بغطاء من رئيس الحكومة المؤقتة وهو قرار له نعمة وفائدة هي إرساء اليقين للمتشككين في نوايا أمريكا الحقيقية ولقد  فضح القرار وكشف حقيقة ما بشرت به واشنطن من حرية ومحاربة للاستبداد.

 

يجدر بكل الفضائيات العاملة في العراق خاصة تلك التي تؤمن بالموضوعية والأمانة المهنية في تغطية الأحداث التضامن مع قناة الجزيرة بحزم حقائبها وترك العراق إلا إذا تراجع إياد علاوي ومن هم خلفه عن قرارهم،فهكذا يكون التضامن وليس عبر بيانات شجب واستنكار لا تسمن ولا تغني من جوع،وقد يرى البعض أن هذا النوع من التضامن(ترك الفضائيات للعراق) يزيد من مشكلة حجب الحقيقة ويسهل على الأمريكيين عمل ما يشاؤون دون أن يعلم أحد ،ولكن لو نظرنا للأمر من زاوية أخرى لوجدناه صوابا وفيه توحيد لجهود العاملين على إظهار حقيقة المشهد العراقي وحشر لسياسة الاستبداد الإعلامي  في الزاوية ، فهل تستجيب الفضائيات التي تعتبر نفسها شقيقة للجزيرة لواجبها في التضامن مع الشقيقة؟!