حول إغلاق مكتب الجزيرة في بغداد

قرار تعسفي يعكس تخوف الأميركان ومواليهم من الإعلام الحر

 

 

 

بقلم :د. أيمن الهاشمي

     - كاتب وأكاديمي من العراق

 

       لم تتعرض قناة فضائية لحملة مكثفة من الإدارة الأميركية  مثلما تعرضت وتتعرض له قناة الجزيرة، فقناة الجزيرة مازالت تتعرض إلى حملة عنيفة وهجوم لاذع من جهات عدة ولمختلف الأغراض والنوايا، وكلنا يتذكر هجوم وزير الأعلام العراقي محمد سعيد الصحاف على قناة الجزيرة لأنفلاتها من الضوابط القسرية التي وضعها النظام آنذاك لعمل الفضائيات حتى لا تكشف كل الأمور، ونتذكر كيف أن الصحاف هدد بإعتقال مراسلي الجزيرة وكانت تتعرض آنذاك للمضايقة الرسمية من السلطات العراقية، ومع ذلك مازال يتهمها كثيرون بأنها كانت بوقا للنظام العراقي السابق وكانت تمالئه وتدافع عنه.

 

        وتكررت الحملة على الجزيرة مؤخرا على لسان الرئيس بوش ووزير دفاعه رامزفيلد ووزير خارجيته كولن باول حيث أتهموا الجزيرة بأنها تشوه الحقائق وصورة الوجود الأميركي في العراق، كما سبق أن وجه رامزفيلد الأتهام للجزيرة بأنها تروج للأرهاب وتتعاون مع المقاومة العراقية. ونتذكر كيف أن الناطق الرسمي بإسم قوات الأحتلال في العراق الجنرال  كيميت لم يكن يفوت مؤتمرا صحفيا إلا وغمز من قناة (الجزيرة) وأتهمها بدعم الأرهاب، والتحريض على العنف ضد قوات الأحتلال، وحاولت الأدارة الأميركية الضغط على القيادة القطرية للتأثير عليها بإتجاه إجبار قناة الجزيرة عن سياستها الأعلامية الصادقة لكن تلك الضغوط فشلت.

 

             ثم جاء قرار الحكومة العراقية المؤقتة على لسان رئيسها بإغلاق مكتب الجزيرة في بغداد بتهمة (إثارة القلاقل في العراق) وقال إن حكومته شكلت لجنة محايدة راقبت برامج الجزيرة على مدى شهر وتوصلت الى قرار بأن الجزيرة تثير المشاكل في العراق، وبناء عليه أوصت اللجنة إغلاق مكتب الجزيرة في بغداد.

 

       الأمر الذي يثير الشبهات حول هذا القرار هو تزامنه مع تصريحات أركان الأدارة الأميركية وإتهامهم للجزيرة، بحيث ربط كثيرون بين تلك التصريحات وبين هذا القرار.

 

       وعلى الرغم من أن الجزيرة ليست منزهة من الأخطاء حالها حال كل البشر، ولنا عليها العديد من الملاحظات المهنية، والسياسية، إلا أننا وللأنصاف نجد قناة الجزيرة تسلك منهجا مهنيا مستقلا محايدا، هدفها خدمة الحقيقة وإيصالها للناس، رغم أن هذه الحقيقة تؤذي كثيرين في عالم اليوم الذي سادت فيه شرعة الغاب.

 

      الولايات المتحدة مثل غيرها من الأنظمة الثرية صاحبة الأمكانات الهائلة، فكرت في إسقاط الجزيرة من خلال بث قنوات فضائية منافسة أطلقوا عليها تسميات خائبة مثل (الحرة!!) وغيرها، لكن تلك القنوات رغم مئات الملايين من الدولارات التي صرفت عليها باءت بالفشل مع أول إطلالة خائبة لها، وبقيت الجزيرة تحلق في فضاء الكلمة الحرة والسعي الحر للحقيقة.

 

       لقد أسهمت نشرات الأخبار التي تبثها الجزيرة من مواقع الحدث، وبشخوص مراسليها الذين يتمتعون بالجرأة من أن تعرض الحقائق كما هي دون تزويق أو مونتاج ومن موقع الحدث الساخن، وقدمت من أجل ذلك عددا من (الشهداء) الذين إغتالتهم نيران أعداء الحقيقة، بدءا بطارق أيوب وليس إنتهاء بـ حميد رشيد. كما أن برامج الجزيرة الحوارية وبخاصة (الأتجاه المعاكس) و(أكثر من رأي) كان لها فضل كبير في تعرية الوجوه الكالحة والفراغ الفكري الخائب للعملاء الخونة الذين لا منطق ولا حجة لديهم سوى (السباب) و (الشتيمة) و إختيار أقذع الألفاظ في وصف مخالفيهم وبان للعالم العربي خواؤهم الفكري وبطلان حجتهم، وإنسياقهم الأعمى لخدمة الأجنبي المحتل. ورأينا كيف كان بعضهم (ملكيا أكثر من الملك) أو (أمريكيا أكثر من أمريكا) فخرجوا يبررون إنتهاكات الجنود الأميركان لحقوق الأسرى وتعذيب المعتقلين في أبي غريب، وكيف أنبرى أحدهم للقول أن سجن أبو غريب هو (فندق خمس نجوم!!) و (أن ماكان يحدث فيه أيام النظام السابق أفضع مما يحصل الآن على أيدي الأميركان… بعبارة أخرى أن مايحصل من قبل الجنود الأميركان هو (سلاطة!!) قياسا لما كان يرتكبه جنود صدام) وعجبا لهذا المنطق الفج!! وآخر يعترض على تسمية قوات أميركا بقوات إحتلال بل هي قوات تحرير!!!   ولولا الجزيرة ماكنا لنعرف مثل هذا المنطق الفج الأحمق الذي كشف سوءات العملاء وخوائهم الفكري!!

 

    لقد تمكنت الجزيرة أن تنقل وبتفوق الى العالم كله حقائق الأحداث في وقفة الفلوجة الصامدة، لذلك إتهموها أنها كانت تحرض على الأرهاب، حتى أن قائد القوات الأمريكية  في العراق طالب صراحة بخروج (أحمد منصور) من الفلوجة!!!، لأن رسائله الحية على الهواء من داخل الفلوجة كانت تعرض للعالم كله حجم المأساة التي عاشها أهل الفلوجة وإستهداف القوات الأمريكية للمدنيين الأبرياء… وكذا الحال في نقل الصور الحية من خلال مراسلي الجزيرة عن جرائم قوات الأحتلال في النجف وكربلاء والكوفة والبصرة والديوانية والعمارة والأعظمية وبعقوبة، لكن الأميركان وحلفائهم يريدون من الجزيرة أن تكون بوقا دعائيا للأميركان ولمجلس الحكم الأنتقالي، تخدم أغراضهم و (تتعامى ةتتغافل) عن نقل حقيقة مايجري في المشهد العراقي.

 

          لقد أسهمت الجزيرة في تعريف العالم بخيبة الأميركان المحتلين، وورطتهم في العراق، وفضحت زيف إدعاءات العملاء والخونة الذين جاءت بهم الدبابات الأمريكية، وكشفت للعالم كله أن الشعب العراقي شعب مجاهد مقاوم لا يرتضي ذل الأحتلال، وأنه يقف ضد الأحتلال بكل الوسائل المتاحة، وأن المقاومة العراقية الشريفة حق مشروع، وأن الكلام عن عناصر أجنبية، ومقاومة غير عراقية، هو محض هراء أختلقه الأميركان وعملاؤهم من أجل تبرير العدوان على العراق، مثلما أختلقوا بدعة (المثلث السني المقاوم) في حين كشفت كاميرات الجزيرة للعالم كله أن المقاومة عراقية، وأنها لا تقتصر على منطقة معينة بل أنها إمتدت لتشمل العراق كله من شماله الى جنوبه.

 

     إن قرار إغلاق الجزيرة ومنعها من التغطية والعمل في العراق، هو تكرار لمحاولات خنق الحريات الصحفية، ومنع الناس من معرفة الحقائق، وكان رد فعل المنظمات المهنية الأعلامية والصحفية العربية والعالمية هو الأستنكار لهذا القرار الدكتاتوري، المتسلط، الذي يشكل إعتداء صارخا على حرية الأعلام، وهو قرار أميركي بالنيابة!.

 

      لقد تمكنت الجزيرة أن تجعل من التلفزيونات الحكومية العربية مسخرة أمام شعوبها، ونجحت في إدخال الحقيقة الى كل أسرة عربية، ونقلت حقيقة مايجري في العراق بصدق وموضوعية، وكشفت عورات الغزاة وفضحت إدعاءاتهم بتحرير العراق، وإقامة نظام إنموذجي يكون قدوة لكل دول منطقة الشرق الأوسط.

 

      تحية للجزيرة، رغم وجود مآخذ لدينا نحوها، لكنها تستحق من العراقيين ومن العرب ومن كل المتعطشين للحقيقة والحرية، كل التحية والتقدير، وتحية لشهداء الكلمة الحرة أبطال الجزيرة طارق أيوب ورشيد حميد وغيرهم.