عام من احتلال العراق: من المجتمع المدني إلى المجتمع الأهلي

 

 

 

بقلم : سالم الحداد

 

بعد عام من الهجوم الذي شنته قوات التحالف الاستعماري علي العراق بحجة انتزاع اسلحة الدمار الشامل مرة، ومحاربة الارهاب الذي صار العراق وكرا له مرة اخري والقضاء علي النظام الدكتاتوري وارساء الديمقراطية مرة ثالثة، وبعد ان فشلت القوات الغازية في ان تنجز هدفا واحدا من هذه الاهداف المعلنة، يتساءل المتابعون للشأن العراقي وللاوضاع السياسية في الوطن العربي عن الاسباب الحقيقية التي دفعت الولايات المتحدة الي المغامرة بأبنائها في حرب يزداد لهيبها يوما بعد يوم، والي انفاق قسط غير يسير من ميزانيتها التي يشكو المواطن الامريكي من وزر ضرائبها، هل الثمار التي جناها او التي يمكن ان يجنيها في مستوي التضحيات التي قدمها او التي يمكن ان يقدمها؟

 

نحن نعلم ان الالية المحركة للسلوك الرأسمالي هي آلية السوق، آلية الربح والخسارة ولا شيء غير ذلك. وكل ما يرفع من شعارات وكل ما يعلن من مباديء ما هو الا لذر الرماد علي العيون وتعتيم الرؤية عن الاهداف الحقيقية التي لن تكون غير المصالح الامريكية علي المدي المنظور وعلي المدي البعيد.

 

وعلي الضفة الاخري يتساءل المراقبون ايضا كيف تعامل الشعب العراقي مع هؤلاء الضيوف الذين اقتحموا بيته عنوة دون استئذان؟ هل كانت الحرب علي العراق حرب احتلال وتدمير ام اعادة بناء وتعمير؟ ما هي تداعياتها علي الوطن العربي: انظمة وشعوبا؟ لماذا تتردد الانظمة في القبول بنصائح العم سام بعد ان دعمها بالعقود الطويلة؟ لماذا لم تسارع في الدخول في مشروع الشرق الاوسط الكبير وهو بيت الطاعة الصغير؟ الا تخشي ان تحشر في خانة الارهاب؟ ثم ما هو لسان حال الجماهير العربية المكممة؟ أليست تتساءل في همس هل الحرب نعمة ام نقمة؟ هل يصدق عليها المثل العربي: رب ضارة نافعة؟

 

1- خلفية الاجتياح:

اولا: سقوط الدب الابيض

 

ما ان وضعت الحرب العالمية الثانية الساخنة اوزارها بين المحور والحلفاء حتي اندلعت حرب اخري باردة ـ وان كانت لا تقل ضراوة عن الاولي ـ بين المعسكرين الاشتراكي وفي مقدمته الاتحاد السوفييتي والرأسمالي وعلي رأسه الولايات المتحدة.

وقد قامت هذه الحرب ـ التي استمرت اكثر من اربعة عقود ـ علي تحقيق نوع من التوازن بين القوتين العالميتين وهو ما كان سببا في حفظ السلام العالمي، وحتي الحروب التي دارت في العالم الثالث فانها كانت محدودة في الزمان والمكان، وهي حروب بالوكالة بين المعسكرين اللذين تجنبا الصدام المباشر. لكن ما ان اعلن الاتحاد السوفييتي عن عملية الاصلاح البريسترويكا حتي بدأ مسلسل انهيار هذا المعسكر الي ان انتهي بالسقوط سنة 1989 وبذلك فسح المجال لامريكا لكي تتربع علي عرش العالم كقطب وحيد انتهز الفرصة التاريخية التي لم تكن في الحسبان، ليبسط هيمنته علي العالم، الاصدقاء والاعداء، الاصدقاء قبل الاعداء، وعلي الضعفاء والاقوياء، الضعفاء قبل الاقوياء.

غير ان اختفاء الدب الابيض كمنافس خطير لم يكن كافيا ليريح الولايات المتحدة، فقد لاحت في الافق البعيد ثلاثة اشباح اخري مرعبة رغم ان صورتها لم تكتمل بعد، لكن بدت ملامحها. تري من تكون هذه الاشباح؟ وكيف تحولت الي كوابيس مخيفة تسكن البيت الابيض؟

 

ثانيا: هاجس الاشباح

 

ـ الشبح الاول: انه اوروبا الاخت العدوة التي تسير بخطي وئيدة، لكنها ثابتة ومحسوبة نحو بناء وحدتها التي تنبأ بها الجنرال ديغول منذ الستينات، وما لبثت هذه الاخت تعلن عن تمايزها عن الاخت الكبري امريكا رغم ما يجمع بينهما من اواصر واهمها الحلف الاطلسي الذي لم يقع التفريط فيه مع انتفاء سبب وجوده وهو التصدي لحلف فرصوفيا المنحل، والتمسك بهذا الحلف يوحي بهاجس الخوف الذي يسكن الحلفاء من عدو مستقبلي، يعرفونه ويتوقعون خطره ويقرأون له كل الحسابات، لكنهم يرفضون الافصاح عنه.

 

ـ الشبح الثاني: انه الشرق الاقصي وفي مقدمته الصين الشعبية، فهذه الدولة التي يبلغ تعداد سكانها ربع سكان العالم تقريبا، نجحت في اقرار معادلة صعبة تكاد تكون غريبة في عالم السياسة والاقتصاد، فقد احتفظت بالحزب الشيوعي كتنظيم سياسي وحيد يؤطر الجماهير ويحفــــزها ويوعيها ويقودها، وهو نفس الدور الذي كان يقوم به مع زعيمه التاريخي ماوتسيتنغ في ترسيخ العقيدة الشيوعية، لكن مع تغيير في الخيار الاقتصادي، وهنا المفارقة، حيث لم تعد الاشتراكية هي الالية المحركة بل اقتصاد السوق الحرة العرض والطلب . وهي تخطو خطوات متسارعة نحو بناء قطب عالمي له طموحاته الاقتصادية والعسكرية والعلمية، لكن دون زوابع او ضجيج، ومما لا شك فيه انها ستلعب دورا مهما علي المسرح الدولي في حيز زمني لن يكون بعيدا، ومن الاكيد ان امريكا ليست مرتاحة للتطور الذي يشهده الشرق الاقصي خاصة انه لم يتخل عن لبوسه الثقافي الشرقي.

ولابد ان تتجه امريكا عاجلا ام اجلا الي هذه المنطقة وان تعمل علي عرقلة نموها. وضمن هذا التوجه السياسي يمكن ان ننزل محاولتها لتجريد كوريا الشمالية من سلاحها الاستراتيجي، وقد يكون ذلك مدخلا للهيمنة علي المنطقة، لكن حين يأتي دورها.

 

 

ـ الشبح الثالث: اما الشبح الثالث فهو العالم الاسلامي ويمتد من كراتشي في الباكستان شرقا الي نواكشوط في موريتانيا غربا، ويشكل الوطن العربي محور هذه المنطقة بما توفر له من موقع استراتيجي وثروة بترولية ورصيد حضاري من مخزون الحضارة العربية الاسلامية ومن طاقات شبابية متحفزة. وتعتبر المنطقة العربية الاسلامية الاغني من حيث الثروات ولكنها الافقر من حيث القدرات العلمية والتنموية، وما زالت لحد الان لم ترس مؤسسات المجتمع المدني، فالطابع الغالب عليها هو الاستبداد السياسي والتخلف الاجتماعي وتيقظ النزعة الدينية، وقد كانت هذه وما زالت محل جدل وتساؤل: هل هي صحوة اسلامية ام هي حركة ارتدادية وشد الي الوراء؟ وبقطع النظر عن هذه الاشكالية التي ما زالت متواصلة والتي من الصعب ان تحسم فكريا، ظهرت ارهاصات الوعي بالذات. ومن اهم اسباب ظهورها هو التحديات الخارجية وهي التي حفزت العرب والمسلمين الي العمل علي امتلاك اسباب القوة بما في ذلك الاسلحة الاستراتيجية، كما نلاحظ في الباكستان وايران والعراق.

 

ومن المعروف ان هذه الاسلحة كانت تتويجا لمسار علمي وتقني قطعته البلدان الصناعية اكان ذلك في امريكا وفي الاتحاد السوفييتي وفي اوروبا، لكنه في البلدان الاسيوية اخذ مسارا عكسيا مما اضطرها الي اقتناء بعض التكنولوجيات الجاهزة، وبعضها من السوق السوداء، ولقلب المسار هناك عدة اسباب منها

 

 

ـ الرغبة الملحة في حرق المراحل، فامتلاك تقنية متقدمة مثل تقنية الاسلحة النووية وغيرها سيساعد علي التسريع في تنمية البلاد علي مختلف المجالات الفلاحية والصناعية.

 

ـ اقناع البلدان النامية بأن البلدان الصناعية المسكونة بهاجس التفوق لن تمكنها من تحقيق التقدم المنشود الذي قد يجعل منها منافسا خطيرا يزاحمها.

 

- الاعتقاد الراسخ بانه لا سبيل لصد الاطماع الخارجية الا بامتلاك وسائل الردع وتحقيق التوازن العسكري الذي يرد العدوان ويحفظ السلم ويصون الامن الوطني والقومي.

 

ومن اهم القواعد التي تقوم عليها الاستراتيجيات والتي اصبحت الان واضحة للعيان بل معلنة، هي الحروب الاستباقية التي تقتضي ضرب العدو قبل ان يستكمل عدته وعتاده، فتسدد له الضربة القاضية وفي المركز الحساس.

 

واعتقد انه ـ لهذين السببين ـ وقع اختيار الوطن العربي والعراق بالذات كهدف استراتيجي، لكنه في نفس الوقت يعتبر الحلقة الاضعف سياسيا. فهو لا ينهض علي دولة واحدة متماسكة كأغلب دول العالم بل تتقاسمه كيانات قزمية متنافرة ومتناثرة اساسها القبيلة او العشيرة او الحزب الواحد او الزعيم الاوحد المتأله. اما اجتماعيا فان اغلب اقطار الوطن العربي لا يقوم بناؤها علي نسيج اجتماعي متجانس لا من حيث العرق ولا من حيث الدين ولا من حيث المذهب. غير ان هذا التنوع وان بدا عاملا من عوامل التشرذم فهو في الواقع مصدر ثرائها الثقافي لانه جاء نتيجة طبيعية للتراكمات الحضارية عبر التاريخ.

 

وضمن الوطن العربي يبرز العراق كقوة سياسية بدأت تتجاوز المحظورات، وتخرج عن الدوائر الحمراء التي رسمتها القوي الاستعمارية الكبري للصغار، فقد استرجع ثروته البترولية من ايدي الشركات الاحتكارية واستغل عائداتها لتحقيق انجازات علمية وصناعية وعسكرية، وبذلك بدأ يقطع بعض الخطوات الجادة علي درب التقدم الحقيقي الذي سيمكنه من احداث نوع من التوازن العسكري مع الكيان الصهيوني في المنطقة، وهذا ما لا تسمح به امريكا التي تحرص دوما علي منع اي قطر عربي من امتلاك آليات التقدم والمناعة.

ومن هنا نتبين ان الهجوم علي العراق يروم تحقيق جملة من الاهداف السياسية والعسكرية والاقتصادية والعلمية علي المدي المنظور والبعيد ففيم تتمثل؟

 

2- اهداف الاجتياح

 

أ ـ علي المدي المنظور: الاحتلال المباشر للعراق بعد ان عجزت عن توجيهه عن بعد، ومن ثم التحكم في تصريف ثرواته النفطية الحيلولة دون تحقيق التوازن العسكري مع الكيان الصهيوني الذي تحرص الولايات المتحدة علي ان تضمن له التفوق العسكري والهيمنة علي المنطقة.

ارباك وتهديد كل نظام عربي او اسلامي يفكر في السير علي درب العراق واجباره علي الدخول في بيت الطاعة بداية من الانظمة المجاورة، وهذا ما حصل مع النظام الليبي الذي اسرع برفع الراية البيضاء وسلم انجازاته العلمية ومستلزماتها للاوساط الامريكية.

 

ب ـ علي المدي البعيد: عرقلة كل المجهودات الجادة الساعية لامتلاك الامة العربية آليات التقدم العلمي حتي تبقي سوقا لاستهلاك انتاجاتها ومصدرا لابتزاز ثرواتها.

التحكم في الثروة البترولية من منابعها، فقد صارت هناك قناعة لدي الغرب الاستعماري عموما بأن البترول سلاح خطير في الحرب والسلم، فلا يجب ان يبقي وسيلة تهديد لدي العرب يشهرونه في وجهه مرة اخري كما فعلوا في حرب 1973.

غير ان الولايات المتحدة تري ابعد من ذلك، فهي تريد ان تتحكم في اكبر مخزون عالمي يتغذي منه الاقتصاد العالمي، وبذلك تجعل التنمية الاقتصادية تحت رحمتها، فلا تفتح المضخات الا لمن تريد وبالحجم الذي تريد وبالسعر الذي تريد انتاجا واستهلاكا واسعارا. وهذا هو السبب الحقيقي والمسكوت عنه لتحفظ العديد من الدول الكبري علي غزو العراق، وهي تدرك ايضا جدية التصريح الذي ادلي به وزير الخارجية الامريكي عندما قال: اننا نحتاج للخليج ونفطه في مواجهة الشرق الاقصي واوروبا الموحدة .

وبالاضافة الي هذه العوامل الاستراتيجية المتعلقة بمكانة امريكا ودورها في العالم يمكن ان اضيف العامل الثقافي الديني الذي اصبح يسكن جزءا هاما من الرأي العام الامريكي بل انه تسلل حتي الي البيت الابيض تحت تأثير الكنيسة الانجليكية المتهودة دينيا والمتصهينة سياسيا.

ويقوم ايمان هذه الكنيسة علي الاعتقاد بقرب عودة السيد المسيح الي الارض ليحكم العالم الف عام قبل نهاية الكون يملأ خلالها الارض عدلا بعد ان ملئت جورا، ومن اجلي علامات ظهور عيسي عليه السلام، عودة بني اسرائيل الي القدس ووحدتها منذ 1967.

ولتحقيق هذا الوعد الالهي تعمل الكنيسة الانجليكية علي ايصال من يحمل قناعاتها الي البيت الابيض، وتعد ادارة بوش الابن او المحافظين الجدد افضل من يسعي لتحقيق هذه النبوءة، وفي هذا الاطار يتنزل دعمها اللامحدود للكيان الصهيوني. وليس من باب الصدفة ان تزدحم المصطلحات الدينية علي لسان بوش الابن فينعت حربه علي العراق بانها حرب مقدسة ويطلق علي الدول التي لم تدخل بيت الطاعة بانها محاور الشر والدول المارقة.

هذه تقريبا مجمل الاسباب التي دفعت الولايات المتحدة وحلفائها للهجوم، فكيف يبدو المشهد السياسي في العراق بعد عام من هذا الهجوم؟

 

المشهد السياسي بعد اختفاء النظام المركزي الوطني العراقي

 

اولا: من السقوط الكيفي المفاجيء الي التدمير المنهجي المفاجيء

 

بدأت الحرب كما هو معلوم في 20 اذار (مارس) 2003 وسقط النظام بشكل مسرحي درامي وقع اعداده سلفا من خلال اسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في 9 ابريل 2003 وتصور العديد من المراقبين ان امريكا قد انجزت ما كانت تخطط له من الانتصارات استنادا الي المقولة البسيكولوجية التي بنت عليها حربها الساخنة الصدمة والترويع وفعلا صعقت الجماهير العربية بل ان الكثير من الفاعليات السياسية والاعلامية وحتي العسكرية اصابها الذهول، لانها لم تكن تتوقع ان تنهار تحصينات العاصمة بتلك السرعة، وبتلك السهولة بعد ان هول النظام من قوة مناعتها.

 

فرغم ما تتمتع به القوات العراقية من كفاءة حرفية قتالية اكتسبتها في حرب الخليج الاولي ضد ايران وفي حرب الخليج الثانية ضد العدوان الثلاثيني، ورغم تعدد فرقها فانها لم تستطع ان تصمد اكثر من عشرين يوما. ويكاد كل المحللين من سياسيين وعسكريين ـ بما في ذلك العديد من ضباط الحرس الجمهوري ـ يتفقون علي ان هناك سببا رئيسيا تتضاءل امامه كل الاسباب الاخري والذي يمكن اختزاله في اهتزاز معنويات المقاتلين، وهذا ما عبر عنه احد ضباط الحرس الجمهوري للرئيس صدام حسين مباشرة قبل اندلاع الحرب، عندما سأل القادة قائلا: ماذا تقرأون في عيون جنودكم؟ فأجابه هذا الضابط: اني قرأت في عيونهم سؤالا يتردد لديهم هو هل ننتصر في هذه المعركة؟ فسجل صدام حسين ملاحظة علي ورقة ثم مررها الي ابنه قصي الذي سجل بدوره ملاحظة علي نفس الورقة ثم ارجعها الي والده. اثر هذا الاجتماع تعرض هذا الضابط للوم العديد من زملائه لا اعتراضا علي ما قال بل خوفا علي مصيره.

 

ويعترف هذا الضابط بانه لم يشعر بالارتياح والاطمئنان علي حياته الا يوم ان اندلعت الحرب ولم يعد هناك مجال للانتقام منه. والاكيد ان بقية الضباط لهم ما يقولون لكنهم لا يتمتعون بجرأة هذا الضابط، ومع ذلك سكنه الخـــوف. والســــؤال المطــــروح هو اذا كان الحذر والخوف والنفاق هو الطابع السائد بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية في مثل هذه الظروف الصعبة، فكيف نتصور العلاقة بين الــــنظام والشعب؟ انها الهوة السحيقة التي تباعد بينهما، وهي الارضية الخصبة للانهزامية التي تتسلل لنفسية المقاتلين قبل ان يتصدوا لاعدائهم، وحسب ما اكده هذا الضابط فان هذا الانهيار النفســــي كان نتيجة طبيعية لغياب المقاييس الموضوعية في اســـــناد المســـــؤولية في الدولة وفي الجيش بالذات، فالمعيار المحدد لتولي المسؤولية هو الولاءات لا الكفاءات ويضرب هذا الضابط مثلا علي ذلك هو تعيين قصي علي رأس الحرس الجمهوري بالرغم من عدم امتلاكه للمؤهلات العسكرية التي تخول له تولي هذه المهمة الاستراتيجية.

اخلص من كل هذا، الي انه لا يمكن التشكيك في وطنية الجيش العراقي ولا في كفاءاته المهنية، وانما الخلل يكمن اساسا في عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وهذه الافة ليست خاصة بالنظام العراقي بل تكاد تكون ظاهرة عامة في كل اقطارنا العربية، وهذا ما ولد ازمة الثقة بين الشعوب وحكامها وكان سببا في افلاس مشاريعنا.

 

واثر هذا السقوط المفاجيء تحول العراق من الحكم الاستبدادي الشمولي الي التدمير المنهجي الشمولي. ولم ينحصر هذا التدمير في تحطيم القدرات العسكرية وتدمير تجهيزاتها وضرب مواقعها بل طالت المرافق الضرورية للمواطن العراقي مثل الماء والكهرباء ولم تسلم من المؤسسات الحيوية الا وزارة النفط وفي النفط الداء والدواء. ولم يعد بالامكان الحديث عن دولة عراقية بالمفهوم العلمي للمصطلح، فقد تعرضت لنمطين من النهب:

 

ـ نهب عشوائي مارسته الفئات المهمشة من الدهماء بغرض الحاجة والانتقام.

ـ نهب منظم والذي طال الكنوز المتحفية والوثائق الجامعية وأتلف المؤلفات التراثية والاجهزة المخبرية في الجامعات ومراكز البحوث، وتواصل هذا النمط طيلة عام كامل من الغزو، ولم يكتف بالمؤلفات القديمة والحديثة بل اتجه الي المبدعين من المفكرين والعلماء، ويتحدث العارفون عن مئات عمليات الاغتيال التي ذهبت ضحيتها ادمغة العراق.

 

فالنمط الثاني من النهب يحيلنا علي نمط اللصوص واهدافهم، فهو لصوص واعون بأهمية المخزون العراقي القديم والحديث فيسعون الي:

ـ تجريده من ذاكرته مصدر فخره، لذا ذهب المحللون الي توجيه الاتهام الي اجهزة المخابرات في الكيان الصهيوني والمافيا المختصة في سرقة الاثار العالمية النادرة وكذلك الي الضباط والجنود الغزاة من الامريكان والانكليز، كما فعل اسلافهم الاوروبيون عندما احتلوا الوطن العربي مشرقا ومغربا واكتشفوا اهمية مخزون حضارته العريقة.

ـ حرمانه من انجازاته العلمية الحديثة ومن رجالاتها، وهي رهان تقدمه بعد ان انفق الاموال الطائلة في اعدادها وتكوينها.

 

ولم يجد العراق من يحمي مؤسساته من التدمير لان النظام الذي كان ساهرا عليها والذي كان سببا في وجود العديد منها، كان نظاما شموليا مترابطا بداية من قاعدة هرم السلطة الي قمته، فلا مجال فيه لحياد الادارة او لحياد الامن او لاستقلالية القضاء، وقد استغل الغزاة هذه الصبغة الشمولية وما نتج عنها من تسيب كامل، ليشجعوا علي عملية التدمير الشامل بحجة انتقام الشعب من النظام الشمولي. غير ان الشعب سرعان ما تدارك امره واستنفر قواه ومنع الانهيار الكامل وانقذ ما امكن انقاذه. فالي ماذا استند في عملية الانقاذ؟

 

ثانيا: من المجتمع المدني الي المجتمع الاهلي

 

قبل ان تظهر الدولة التي لم يتجاوز عمرها ثمانين سنة تقريبا كان العراق ولاية من ولايات الدولة العثمانية، وتقوم البنية الاجتماعية في كل ولاية من هذه الولايات علي دعامتين اساسيتين: هما العشيرة كرابطة اجتماعية والاسلام كرابطة عقائدية. وعن الاسلام تتفرع المذاهب واهمها المذهب السني والمذهب الشيعي.

 

وبالرغم من ان القطر العراقي قطع اشواطا هامة في تركيز مؤسسات الدولة الحديثة مثل المؤسسة الحديثة والسلط الثلاث والاحزاب السياسية والمنظمات الثقافية والاجتماعية والنقابية الا انها لم تأخذ مداها من الرسوخ في لا وعي المواطن العراقي، بالاضافة الي ان الانظمة السياسية التي قامت في العراق لم تهتم بما فيه الكفاية بتأصيل مفهوم الوطنية لدي المواطن، فقد كانت اهتماماتها تتجه الي الزعامات السياسية سواء أكان ذلك في العهد الملكي او في العهد الجمهوري، كما ان الموروث الديني والمذهبي في العراق هو الذي يحتل المرتبة الاولي في سلم الولاءات، ونتيجة لغياب الوعي بمفهوم الدولة ودورها في وحدة المجتمع فان كل المؤسسات التي قام عليها النظام انهارت دفعة واحدة لتفسح المجال لعودة مؤسسات ما قبل الدولة وهو ما يمكن ان نطلق عليه المجتمع الاهلي الذي ينهض علي الرابطة الدموية والدينية في مقابلة مع المجتمع المدني الذي يستند الي المؤسسات.

 

وسرعـــــان ما ظهــــرت العشـــــيرة لتحمي ابناءها ليس في الريف فقط اين كان وما زال لها حضور فاعل، بل ان نفوذها امتد الي المدينة، فظهرت كمظلة جديدة قديمة عوضت مظلة الدولة التي اختفت مؤسساتها. وفــــي موازاة مــــــع الرابطة العشائرية برز المسجد كمؤسسة دينية يقوم بدوره علي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يعظ من ناحية ويتصدي للصوصية من ناحية اخري.