مسار التجميل الليبي
بقلم :رشيد
خشانة
مع مطلع الشهر المقبل
تكون مضت خمسة وثلاثون عاماً على وصول العقيد معمر القذافي إلى سدة الحكم، وبهذا
المعنى فهو أقدم حاكم في العالم العربي والعالم (بعد كاسترو). وقبل ثلاثة أسابيع
من الآن تمت إعادة بناء «المؤتمرات الشعبية الأساسية»، قاعدة الحكم في ليبيا، والتي
أسفرت عن «انتخاب» 1300 من أمناء المؤتمرات واللجان الشعبية الموزعين على 452 «مؤتمراً
شعبياً أساسياً». وهذا الجهاز الذي يتجدد كل أربع سنوات هو الذي يقرر سياسة البلد
الداخلية والخارجية، بما في ذلك التصديق على الموازنات وسن القوانين وحتى إعلان
الحرب.
وعلى رغم اطلاق اسم «سلطة
الشعب» على تلك الهياكل القاعدية في إطار «النظرية العالمية الثالثة» التي ابتدعها
القذافي، فإن الشعب لم يستفت أبداً لدى تشكيلها، إذ هي فروع لجهاز الحزب الواحد
الذي تسيره المخابرات ولا يختلف عن الأنظمة الشيوعية السابقة سوى في التسمية. فالمصطلحات
التقليدية تم استبدالها بأخرى من دون بذل جهد ابداعي ليحل «مؤتمر الشعب العام» محل
البرلمان أو مجلس الشعب، و«التصعيد» محل الانتخاب، و«الشعبيات» محل البلديات، و«أمين
اللجنة الشعبية» محل الوزير... وهلم جرا. وكأن الناس أغرار حتى يصدقوا أن هناك
نظاماً جديداً لمجرد تغيير التسميات والألقاب.
وليس أدل على خضوع «مؤتمر
الشعب العام» بما هو سلطة اشتراعية للجهاز التنفيذي من كونه ينتقل من الاشتراكية
إلى الليبرالية كلما غير «القائد» قناعاته، وهو اليد التي يضرب بواسطتها الطاقم
الذي يرغب بالتخلص منه و«يصعّد» الفريق البديل. وفي سياق التعديلات المحدودة التي
أدخلت على النظام السياسي استجابة لمقتضيات التطبيع مع أميركا وأوروبا أخضعت
المؤتمرات واللجان الشعبية الأساسية لعمليات تجميلية من ضمنها استبعاد الأميين
واشتراط حمل مؤهل جامعي واستبعاد «المقاييس العاطفية» التي قال مسؤولون انها كانت
معتمدة في الماضي لاختيار المرشحين، لكن من دون إثبات التخلي عنها اليوم. والأرجح
أن مسار التجميل سيستمر في المرحلة المقبلة فبعد اعادة بناء المؤتمرات الشعبية
الأساسية سيأتي الدور على «الشعبيات» (المحافظات) وصولاً الى المستوى المركزي أي
مؤتمر الشعب العام، من دون انتظار تغيير جوهري في بنية النظام السياسي بسبب الغاء
أي قوة ضغط داخلية منذ السبعينات وتركيز القوى الغربية على المطالبة بالانفتاح
الاقتصادي والتعاون في مكافحة «الارهاب» لقاء غض الطرف عن انغلاق النظام السياسي.
واللافت ان أميركا
وأوروبا اللتين مارستا ضغوطاً مختلفة على القذافي وحصلتا منه على ما تريدان وأكثر،
لم تضعا على لائحة الأولويات الاصلاح السياسي لقناعتهما بأنه لا يخدم سوى الليبيين
ولا يعني الشركات النفطية والمجموعات الاستثمارية الغربية. وعليه فإن إرساء
التعددية وانهاء شعار القذافي «من تحزب خان» وتكريس الفصل بين السلطات واشاعة
الحريات ما زالت أهدافاً بعيدة المنال. واستطراداً ستبقى الطاقات الكامنة في
المجتمع معطلة، والنخب مستبعدة من المشاركة، والحياة الثقافية والسياسية والصحافية
مجففة الينابيع.
ومع موافقة البلدان
الغربية الرئيسية التي لها كلمتها في تطور الوضع الليبي على «توريث» الحكم لسيف
الاسلام القذافي يرجح أن يسند لوالده منصب فخري على أن يحافظ النظام على سماته
الأساسية وكأنه لا توجد في البلد كفاءات وطاقات مؤهلة لقيادته في طريق أفضل. وهذا
يعني أن آلاف الكفاءات سيبقى محكوماً عليها إما بالهجرة الى الخارج (أو البقاء فيه)
أو الى الداخل، وأن البلد الذي تؤهله خصوبة ثرواته ومحدودية سكانه ليكون «سويسرا
العرب» سيظل محروماً من التنمية والكرامة.