دلالات الحدث التونسي

 

 

 

بقلم الشيخ راشد الغنوشي

 

يبدو السطح التونسي هادئا لا يعكر صفوه شيء وقد انفتح الباب على مصراعيه أمام ما حرص عليه ابن علي وخطط له، من رئاسة مدى الحياة، وفي أسوأ الأحوال وتوقيا لكل المفاجآت، فقد ضمن حصانة تقيه مصيرا مشابها لأمثاله. وذلك أنّه:

 

إزاء ضغوط وتحديات الداخل:

 

-        أمكن له بكلّ يسر تمرير تغيير دستوري مفصل على مقاسه قد ضمن له الرئاسة المؤبدة والامن من الحساب. هذا إذا أمن قضاء الله الذي لا يرد.

 

-        تمكن من أن يزيح من وجهه كل منافس يملك ولو مجرد شبهة المنافسة

 

-        أسهم في منع قيام أي تكتل جاد في معارضته تاركا الجميع يصطرعون تحت مستوى السقف الذي حدده لهم يترافسون على فتات المائدة، دون حتى الوصول لحد الخطوط الحمراء الموضوعة لهم، ومنها حظر تكتلهم في وجه السلطة فضلا عن تكتلهم مع "النهضة" لفرض الإصلاحات التي يطالب بها الجميع بدل استجدائها. وقد ترك لكل منهم مهمة اختيار الاخراج المناسب ليفسر لأتباعه سر التزامه بخطوط النظام الحمراء.. فمنهم من عزف لحن الواقعية، ومنهم  من عزف على وتر الخطر الأصولي، وكأنه يردد مقولات منظّر البنتاغون هنتنغتون، من حيث اعتباره الصراع في العالم ذا طبيعة فكرية حضارية بين الاسلام والتمدن الغربي!! وليس صراع مصالح بين قوى هيمنية وقوى مستضعفة متضررة تقاوم بما أمكنها. والنتيجة دفع المعارضة الى مزيد من الصفرية، في الحساب النهائي من معادلة السياسة في البلاد.

 

-         أمكن له أن يقوم بهجوم ناجح صاعق على ما تبقى من مؤسسات مجتمع مدني طالما اعتبرت مداميك لقوة المجتمع ولسان دفاعه. ومن أبرز وجوه ذلك الهجوم سيطرة السلطة على قطاع المحامين الشبان والشيوخ وذلك من خلال تحالف خلايا حزبه مع قطاع من اليسار الشيوعي المتطرف أو الانتهازي على خلفية التخويف من شبح عودة الاسلاميين وبالخصوص أمام ظاهرة أوبة الشباب العارمة الى بيوت الله وكذا التلويح بشبح اللقاء بين الاسلاميين والسلطة والترويج لحوارات تدور في هذا الصدد!!! ورغم أن تحالف السلطة مع اليسار الذي كان قد استحرّ الجدل حوله في أوساط اليسار منذ بداية عهد7/11 على الخلفية نفسها: شبح اللقاء بين السلطة والاسلاميين، وكانوا يلوحون بالحالة السودانية، رغم أن ذلك التحالف المسؤول الرئيسي على حالة التردي ووضع الحضيض الذي تعيشه بلادنا اليوم، لم تتبعه كما كان المأمول حالة نقد ذاتي تنتج فطاما وتوبة، عودا بمناضلي كل أو حتى جل يساريي الامس ضد الامبريالية وقد غطت شرورها السهل والوعر، الى ساحة النضال، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث، أو على الأقل بالقدر القابل للحساب، بما يشكك في مقولة من شب على شيء شاب عليه. فقد يشب مناضلا حتى الموت ضد الامبريالية ويشيخ في حضنها وفي خدمتها متنعما برضاع لبانها. ولا يبعد أن كان ويكون لهذا التحالف آثاره المدمرة على الجامعة التي أمكن لسلطة القمع من خلال تحالفها مع اليسار تحييدها من معادلة الصراع بين الحرية والاستبداد في حين ظلت زمنا طويلا تقود مبادرات التحرر السياسي والاجتماعي لتنتهي إلى حال الشرذمة بين شرائح اليسار وسيطرة الحزب الحاكم عودا الى بدايات تأسيس الجامعة. فهل نجح اليسار في الحلول محل الاسلاميين في المواقع التي تعاون مع سلطة القمع لإخلائهم منها؟ كلا. هو اليوم أضعف مما كان عليه زمن الاغلبية الاسلامية في الجامعة.

 

-        السؤال هنا لماذا يحصل تنسيق وتعاون على صعيد أكثر من قطر عربي بين التيار الاسلامي والتيار القومي وجزء من التيار اليساري، بل حصل مثل ذلك التنسيق في أكثر من قطر أوروبي بين الجمعيات الاسلامية وجملة من حركات اليسار والخضرالمناضلين ضد العولمة ولا يحصل شيء من ذلك اليوم في تونس بينما قد سبقت تونس الى مثل ذلك التنسيق خلال الثمانينيات؟ هل الامر يعود إلى أن إسلاميي تونس الأكثر من بين أمثالهم تطرفا؟ أم أن يساريينا هم الأكثر نقاء ايدولوجيا من بين أمثالهم؟ أم ماذا؟ من المسؤول عن الفشل في وقف زحف سلطة القمع على مؤسسات المجتمع المدني؟

 

-        أمكن للسلطة في زحفها على المجتمع أن تمضي في تطورها المتقهقرغير مبالية بمطالب الداخل والخارج وضغوطهما فتخيّب توقعات بدت في وقت سابق وشيكة الوقوع من مثل الاعتراف ببعض الجمعيات الحقوقية كالجمعية الدولية للدفاع عن المساجين وجمعية مقاومة التعذيب، وذهبت الظنون إلى أن الأمر قد يصل إلى حدّ الاعتراف ببعض الأحزاب وإطلاق سراح مساجين سياسيين أو كلهم!!.  بل لم تكتف بتخييب  تلك التوقعات بل عمدت الى المضي قدما في عقد محاكمات لشبان الانترنت وإصدار أحكام ثقيلة تصل حد التنكيل والترهيب ومهاجمة مؤتمر جمعية "راد أتاك". كما أصدرت أحكاما ثقيلة على لاجئين سياسيين سلموا من الخارج بل أكثر من ذلك صعدّت التعامل الانتقامي والثأري الوحشي مع المساجين في حين الامل لا يزال يراود عواطف أهلهم وتوقعات ساذجة من بعض أنصارهم أن تونس يمكن أن تشهد يوما من أيام العهد السعيد سجونا غير مكتضة بالمناضلين من أجل الحرية والاسلام. وكان من ذلك إقدام مدير سجن برج الرومي فتحي الشتيتي وعونه الملازم جمال الطرابلسي على جريمة وحشية: اغتصاب السجين السياسي المناضل نبيل الواعر. ولم تجد والدته المتفجعة التي تبحث عنه من سجن الى آخر لم تجد من مدير السجون وقد حكت له مصيبتها إلا أن يهزأ منها وممن تظن أنه سينصرها. مما يؤكد استمرار السلطة على نهجها في تقديم الحماية الكافية لأعوان القمع في ادمانهم على القمع والاجرام الوحشي  في ظل الامن من العقاب.

 

أما ضغوط الخارج والمتمحورة حول مطالب الاصلاح التي ضج العالم بخطاباتها المتصاعدة وبالخصوص من أفواه قادة الدولة التي تحكم العالم وحلفائها فانعقدت لها المؤتمرات الدولية التي جمعت الكبار ومعهم أحيانا بعض الصغار وتشكلت لمتابعة انجازها المكاتب الإقليمية ومنها مكتب في بلادنا، واتخذت خلال الاشهر الاولى من السنة نبرة جادة وبالخصوص في الايام العصيبة التي حفت برحلة رئيس دولتنا الى الولايات المتحدة فقد كانت الضغوط من أجل الاصلاح من الشدة أن تجاوزت أحيانا حدود اللياقة، وهو ما أدخل الرعب على قلوب حكام العرب الذين شعروا بالخيبة والحسرة والمقت إذ قد جوزوا جزاء سنمار على تعاونهم غير المحدود في ملف الإرهاب.. أما تلك الضغوط فقد تم تنفيسها وشفط دسمها ولو الى حين، وذلك:

 

-        بالنظر الى انشغال الامريكان قوة الضغط الأكبر لفائدة "الإصلاح" بهمّهم في العراق الذي خططوا ليجعلوا منه- فيما يزعمون- منارة في الشرق الاوسط تهدي الحائرين الى أنوار وبركات الديمقراطية الامريكية، وإذا بهذه القوة الهيمنية العسكرية تسيخ أقدامها في رمال العراق أمام تصاعد المقاومة ويتزلزل غطاؤها الاخلاقي في سجن بوغريب، بما جعل الواعظ الديمقراطي الامريكي يكاد يجف ريقه وبما جعله يستشعر مجددا حاجته لكل الذين أقصاهم من المشهد العراقي انفرادا بالمجد والغنيمة. هو اليوم يحتاج للأمم المتحدة ولأوروبا بل للعالم العربي لترقيع ما أمكن مما تمزق من الشرف الامريكي إن من خلال إصدار قرارات أممية أو على صعيد ارسال قوات عربية تحل محل الامريكي المرتبك في مواجهة العراقي الهائج. ففي كل ذلك تجد الادارة الامريكية نفسها في أمس الحاجة الى تجميد تناقضاتها مع أوروبا وتطمين الدكتاتور العربي أنه ليس مستهدفا باصلاحات قد تأتي عليه، بل إن له أن يتناول من طبق الاصلاحات المعروض عليه ما يشتهيه ويناسبه ويتوافق مع مستوى تطوره وبما يحفظ معتقداته الدينية!! التي بدا شديد الحرص عليها أشدّ حتى من الأصوليين .. لقد غدا القوم أحرص الورى على الدين درعا في وجه الاصلاح .. الإصلاح إذن ليس دواء مطلوبا تجرعه باعتباره مصلحة أمريكية ضرورية لتجفيف ينابيع الارهاب التي طالت شرورها القلب الأمريكي وإنما هو مطروح للاختيار والفرز. أمريكا اليوم مشغولة بنفسها بجنودها وسمعتها والتجديد لرئيسها. وكل ما عدى ذلك هو في هذه المرحلة على الاقل ثانوي. لقد نجح القوم الى حين في تنفيس الضغوط الاصلاحية الخارجية ملوحين أحيانا بالخصوصية الثقافية وكأن جوهر خصوصيتنا الاستبداد وأحيانا أخرى بالتخويف من الأصولية وأن المؤكد أنها ستستولي على السلطة إذا فتح الباب في وجهها.

 

-        إلا أن حكام العرب المرهقين بضغوط الاصلاح وبالخصوص الخارجية منها عرفوا كيف ينفسونها الى حين مستخدمين الى جانب التخويف من الاصولية والفوضى وضياع المصالح الغربية، أسلوب تقديم الرشاوى سخية الى مصادر تلك الضغوط لشراء صمتها وتخفيف قبضتها، بما يجعل السؤال مشروعا عن مدى جدية الامريكان في الاصلاحات المطلوبة وأن التلويح بها بين الحين والآخر لا يعدو كونه سبيلا لتطويعها أكثر لخدمة المشاريع الأمريكية والصهيونية  واسلوبا في ابتزاز أنظمة دكتاتورية معزولة عن شعوبها.

 

وفي ما يتعلق ببلادنا فقد كان دورها مقدّرا في خدمة الخطّة الدولية في المنطقة القاضية بدفع الوضع العربي إلى مزيد من الضعف والهلهلة والتشرذم. ظهر ذلك جليا خلال ملابسات انعقاد القمة حيث أصرت الدولة المضيفة على فرض تنازلات على العرب غير مسبوقة مثل إصدار إدانة شبه صريحة للعمليات الاستشهادية بدل تقديم الدعم للمقاومة في كل من العراق وفلسطين.. إذ كان الخوف جديا أن تقضي الجامعة نحبها على القنطرة التونسية الرخوة فكان هم دوائر الجامعة عبور القنطرة بأي ثمن ولترحّل كل القضايا المهمة إلى المحطة الموالية .. ذلك إلى جانب ما بدا من غض الطرف عن النشاط الصهيوني فضلا عن الإمعان في فتح أبواب البلاد أمام مؤسسات النهب الدولي، وكل ذلك له تقديره وحسابه لدى مراكز الضغط في الولايات المتحدة والدوائر الغربية المتنفذة.

 

إن ما شهدت الساحة العراقية الستة الاشهر الاخيرة من ارتباك أمريكي وما نتج عنه من مضاعفات على الصعيد الدولي يلقي بظلال تفسيرية غير قليلة لمسالك السلطة إزاء قضايا الحريات والمجتمع المدني، غير أن الرياح المناسبة التي تهب على سفينة السلطة ليست دائمة، فاتجاهات الريح قلّب. بل ليس كل ما يهب عليها اليوم مناسبا من مثل تصاعد تيار المقاومة في المشرق العربي وتوسع تيار التحولات الديمقراطية في العالم والمنطقة من المغرب الى الجزائر وتركيا وحتى جاكرتا.. تحولات تستوعب كل التيارات بما في ذلك التيار الاسلامي المعتدل وهو ما يمثل تحديا لاستراتيجية الاستئصال التي لا تزال تصر على اعتبار الاسلاميين هوية مصمتة لا تضاريس ولا ألوان ولا تباينات داخلها بما يحشر بن لادن وأردوجان في كيس واحد، بينما تتزايد في الغرب أصوات العقلاء المنادية بأنه لا استقرار في العالم الاسلامي دون إدماج الاسلاميين غير المتوسلين بالعنف ضمن المنتظم الديمقراطي. وهو السر فيما يجده النظام التركي والمغربي والبحريني والاردني واليمني من تنويه غربي. كيف لا والأحزاب الكبرى في أندونيسيا أكبر دولة في عالم الإسلام إسلامية. فهل للتطرف الاستئصالي من مستقبل حتى وإن هبت الرياح – الى حين لصالحه فضلا عما يمثله تصاعد البطالة والفقر ونهب القلة لأرزاق الكثرة وانعكاسات العولمة على صناعاتنا وبالخصوص النسيج من قنابل موقوتة لا يشك أحد في انفجارها يوما، متفاعلة مع الاحتقان السياسي المتزايد.

 

غير أن السؤال الكبير في الحديث عن اصلاح النظام العربي والذي يعنينا هنا نظام بلادنا هل يتوفر على قابلية كافية للانصلاح أم أنه كما يؤكد الدكتور المرزوقي قد بلغ من التكلس وتغلغل الفساد حالة الميؤوس منه بما يجعل مطلب الوقت تغييرا شاملا يؤسس لنظام جديد وعقد جديد؟

 

لنا عودة إلى هذا الموضوع ان شاء الله

 

"إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب"