حديد أحمد عز يبني جدار الفصل العنصري في غزة:

إمكانية حدوث إنقلاب مدني يؤسس لقيام دولة فاشية في مصر

 

 

 

بقلم :محمد عبدالحكم دياب

 

تعيش مصر بين صورتين متناقضتين، عاشها مطار القاهرة الدولي يوم الأربعاء قبل الماضي.. فوجئ المسافرون، في ذلك اليوم، بحركة غير عادية، وطوارئ قصوي.. والسبب هو عودة جمال مبارك فجأة من ميونيخ تاركا أخاه الأكبر ووالدته، في صحبة الوالد المريض، وصورة أخري، يعيشها من يقع تحت طائلة القهر البوليسي ونموذجها ماوقع قبل سنتين لواحد من المصريين، ووردت تفاصيل ذلك في رسالة نشرت في منبر القدس يوم الاثنين الماضي. صورة مهاجر مصري ذهب في زيارة لمصر، مع زوجته الألمانية، بعد ست سنوات من الغياب، وفور أن لمست قدماه أرض المطار اقتيد إلي مبني مباحث أمن الدولة، في ضاحية مدينة نصر، معصوب العينين مقيد اليدين.. ألقي به في زنزانة تعرض فيها لصنوف التعذيب البدني والنفسي، لا يقل عن نظيره في أبو غريب ، علي مدي سبعة أيام، وكان المسكين، في زنزانته، لا يري شمسا ولا قمرا، ولا يسمع غير صراخ وبكاء وآهات المعذبين، وبعد هذا العذاب ألقوا به في شارع بعيد، بعد منتصف الليل، واشتكي لكل الجهات المعنية، قضائية وسياسية وأمنية، ولم ينظر أحد في طلبه. صورة من أحط صور يراها ويمكن أن يعيشها إنسان في مطار القاهرة تحت لافتة مكتوب عليها ادخلوها بسلام آمنين .

صورتان تعكسان تعامل الدولة البوليسية .. واحدة تكفل الحماية وأعلي درجات الاهتمام لجمال مبارك. حظه أنه ولد لأب يشغل منصب رئيس الدولة.. فأصبح من مالكي الدولة. ويحتل بذلك مكانة ما فوق المواطنة ، أما باقي المصريين الذين يمثلهم ذلك المسكين، الذي ضاقت به سبل الرزق، وذهب مهاجرا يكد ويتعب ويجتهد، مثل ملايين غيره أغلقت أمامهم الفرص. يعامل بطريقة غير آدمية تضعه في ما تحت المواطنة ، وما بين هذه الهوة التي تباعد بين المستويين ضاع المصري.. تائها، عاجزا، ضائعا، محروما، من أي درجة من درجات العدل أو المساواة.. تميز زائد لقلة بغير حق، وغبن شديد لغالبية علي غير أساس. وهذا من أهم عوامل إشعال نار الصراع الدائر الآن حول مصير نظام الرئيس مبارك، الذي يجمع المراقبون علي أنه لفظ أنفاسه، ولم يبق غير إجراءات الدفن.

الاستقطاب الجاري بين أركان النظام الغائب بين محورين. أولهما ممثل فيما يعرف بـ الحرس القديم ، يبذل غاية جهده في ترسيخ الوراثة السياسية . بمعني انتقال الحكم من الرئيس حسني مبارك إلي من يختاره من بينهم.. وفاء لمصالح ومنافع جمعت بينهم، ومحور آخر يدعو للوراثة البيولوجية . أي أن تكون بين نسل الرئيس ومن سلالة العائة الحاكمة . وعلي رأس هذا الطرف الرئيس مبارك نفسه والسيدة حرمه، مهما ادعيا ومهما صدر عنهما من تصريحات تنفي ذلك. بعد أن بدأنا نتابع موازين القوي وهي تميل إلي وراثة السلالة ، وهو ميل تم بقوة القرارات الرئاسية، حزبية ورسمية، وضغط الأم، جعلت أذرعة الإبن الأخطبوطية تطول كل شيء، وتصل إلي كل مكان في الدولة والمجتمع.

الوالد بقراراته بني للابن حزبا داخل الحزب، هو حزب أمانة السياسات ، وبني له دولة داخل الدولة، هي دولة المجلس الأعلي للسياسات . وتبدو الأم، وقد نجحت في مسعاها، أكثر اطمئنانا وهي تري هذا الميزان يميل في الاتجاه الذي تمنته بحصر الوراثة في دائرة السلالة، ولهذا لا يعطي أي منهم أهمية للرأي العام الرافض، فيما يشبه الاجماع، للتوريث، بنوعيه السياسي والبيولوجي، بعد أن سيطرت أمانة السياسات، برئاسة جمال مبارك، علي مفاصل العمل الحزبي، واستولي المجلس الأعلي للسياسات علي صلاحيات مؤسسة الرئاسة، بما لها من هيمنة وتأثير علي كافة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

دخل جمال مبارك علي كل الخطوط، وأمسك بكافة الخيوط. بدءا من هيئة مكتب أمانة السياسات وتتكون من ثمانية أعضاء برئاسته ومعه أحمد عز مسؤولا عن العضوية، مما يكشف أن عضوية هذه الأمانة غير عضوية الحزب، الذي تنبثق عنه، بجانب أن العلاقة مع أحمد عز ليست علاقة صداقة أو زمالة. إنها تتجاوز ذلك إلي الشراكة، وقد علمت من أوثق المصادر وأوسعها اطلاعا أن مبارك الإبن شريك لأحمد عز في احتكار الحديد وهذا منح أحمد عز الحماية، ومنع عنه المحاسبة.. هذه الشراكة سهلت دورها في تصدير الحديد اللازم لبناء سور الفصل العنصري، الذي يقيمه شارون. وثالثهم حسام بدراوي مسؤولا عن التعليم، ومحمود محيي الدين مسؤولا عن الاقتصاد.

كان الهم الأول للمجلس الأعلي للسياسات هو القضاء علي استقلال الجامعات، وذلك باخضاع خمس رؤساء للجامعات المصرية إلي هيمنته. وهم رؤساء جامعات القاهرة وعين شمس والمنصورة وأسيوط وأكاديمية الفنون، ومعهم رئيسة الجامعة الفرنسية، ورئيس المجلس الأعلي للجامعات، وأمين المجلس الأعلي للتعليم الخاص، بالإضافة إلي عدد من عمداء الكليات. منهم عميد كلية تجارة الأزهر (بنات)، وعميدة طب القاهرة، وعميد طب عين شمس، وعميد هندسة المطرية، وعميدة زراعة القاهرة. وقد أذل الحرص والمال والسلطان أعناق هؤلاء. فقبلوا العمل تحت رئاسة جمال مبارك، الذي لم يعرف عنه تميز في أي شيء علمي أو أكاديمي، وكل ما عرف عنه نشاطه في مجال المال وتجارة الأوراق المالية والبورصات والسمسرة، وهذا يحدث عندما يجمع الأستاذ الجامعي بين التجارة والعمل الأكاديمي، وعلي سبيل المثال لا الحصر فإن رئيس جامعة القاهرة يشرف بنفسه علي استثماراته في مجال تربية الدجاج، بحيث لا يبقي لديه الوقت الكافي للجامعة، ولأنه مسنود من العائلة الحاكمة بقي في منصبه رغم هذه الإساءة البالغة لنفسه ولمهمته العلمية.

ويعمل لدي جمال مبارك في مجلسه عدد آخر من رؤساء ومديري أهم مراكز الأبحاث والدراسات في مصر، بدءا من مديرة مركز الدراسات واستشارات الإدارة العامة، ورئيس المركز القومي للبحوث العلمية، ورئيسة المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، ومديرة مركز البحوث الاجتماعية بالجامعة الأمريكية، وأغلب رؤساء اللجان البرلمانية في مجلسي الشوري والشعب، ففي الشوري يعمل لديه رؤساء لجان الاقتصاد والصناعة والتعليم والتشريع والصحة وتنمية القوي البشرية، بالإضافة إلي رؤساء أغلب لجان مجلس الشعب. وهي لجان العلاقات الخارجية والإسكان والإدارة المحلية والتشريعية والصناعة والصحة والنقل والموازنة والتعليم.

ويقوم بخدمته عدد من وكلاء لجان برلمانية للمالية والاسكان، والزراعة والشؤون الخارجية والأمن القومي، وخبير عسكري ورؤساء وزراء سابقين، وأمناء شباب، حاليين وسابقين، ورؤساء مجالس إدارات الشركات القابضة الكبري، للصناعات الغذائية، والصناعات الكيماوية، والنقل البحري والنهري، بجانب عدد من مستشاري الوزراء: مستشاري وزراء الاتصالات، والصحة، والشباب والتجارة الخارجية، ولم تسلم مؤسسات المعلومات والإعلام. فيعمل تحت رئاسته رئيس مركز المعلومات ودعم القرار التابع لرئيس مجلس الوزراء، ومدير مشروع الحكومة الألكترونية، ورئيس تحرير مجلة السياسة الدولية، ورئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، ورئيسة تحرير مجلة الديمقراطية، ورئيس تحرير مجلة الأهرام الاقتصادي، بالإضافة إلي الوضع الخاص للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، الذي يرأسه طاهر حلمي، أهم الشخصيات المصرية الأمريكية القانونية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الذي رتب لجمال مبارك زيارته الأخيرة لشيكاغو، وهذا المركز هو المطبخ الخاص لجمال مبارك، يدير منه شؤون الحزب والدولة، وهو مملوك بالكامل له.

شبكة ممتدة تسيطر علي الهيئة العامة لسوق المال، وعلي مديرة برامج الصحة بمؤسسة فورد فاونديشن، وعلي الأمين العام للصندوق الاجتماعي، وعلي الهيئة العامة لقصور الثقافة، وعلي مركز بحوث البناء والاسكان، وعلي رئيس شركة المقاولون العرب، وعلي رئيس المركز الإقليمي لتعليم المرأة، وعلي رئيس بنك القاهرة، الذي هو رئيس اتحاد البنوك، وعلي نائب رئيس البنك العربي الافريقي، وعلي رئيس اتحاد الصناعات، ورئيس اتحاد الغرف التجارية، ورئيس منتدي مصر الاقتصادي، ورئيس جمعية رجال الأعمال بالقاهرة، ورئيس جمعية رجال الأعمال بالاسكندرية، ووكيل اتحاد الصناعات، ورئيس غرفة الصناعات الكيماوية، ومستشار مكتب اليونسكو الإقليمي.

وبذلك سيطر الإبن علي كل شيء ولم يبق للأب إلا أجهزة الأمن والشرطة والقوات المسلحة والقضاء، وهكذا نجد أن خطة التوريث التي أعدت باحكام، لن يوقفها التصريح الأخير للرئيس حسني مبارك. فلا قيمة له أمام ما هو موجود علي أرض الواقع. ويتضح لنا من كل هذا أن الوريث صار مؤهلا للقيام بانقلاب مدني ، قد يتفوق علي الإنقلابات العسكرية. ولا يقلل من احتمالاته إلا التصدع الذي بدأ في هذه الشبكة، وقد كنا قد أشرنا إلي هذا من عدة شهور، بعدما بدأ الإبن يضع مسافة كبيرة بينة وبين تابعيه، فبعد أن كان يصحبهم في جولاته واجتماعاته، أصبح يطلب منهم أن يذهبوا قبله، ليكونوا في استقباله، ثم يحضر وحده مع حراسه ومرافقيه.

جمال مبارك يتربع علي رأس شبكة شديدة الكراهية للشعب، ولا تتوقف عن الانتقام منه، هذا الموقع الذي احتله يمارسه بعبوس وتعال واستكبار لم تشهده البلاد منذ الهيمنة التركية، وهنا نحتاج وقفة أمام هذا السلوك. فـ العائلة الحاكمة من أصول اجتماعية بسيطة. نصفها المصري عادي جدا، من كفر المصيلحة في ريف المنوفية، ونصفها الأجنبي أقل من ذلك بكثير، من عمال مناجم ويلز البريطانية، وبدل أن يكون ذلك مصدر فخر، لكفاحها الذي ميزها عن الملايين غيرها. يجعلها تحمل لواء الدفاع عن مصالح مجموع الناس، ذوي الأصول الشبيهة، وهم الغالبية، تحكمت فيها عقدة الغني وجمع المال و التكويش وأصبحت مثلها مثل أغنياء الانفتاح ، ممن حققوا صعودهم علي أشلاء البسطاء ومن قوت الفقراء وعرقهم.

غطوا عقدة الغني بتبني قيم متخلفة وأيديولوجية عنصرية تبرر الاستغلال والاستبداد والإفقار. برروا بها تسليم البلد لمن هم علي شاكلتهم، ممن يسمون بـ الشبعانين ، بدعوي أنهم ليسوا في حاجة للنهب أو السرقة، بينما تثبت الأيام أن هؤلاء الشبعانين فتكوا بالناس، وحرموهم من لقمة عيش كريمة، غير مغموسة بالذل.. خصخصوا كل الحقوق لحسابهم، وحرموا الجوعي من حق الحياة، وكل ذلك من اجل التقدم خطوة، تنقلهم من هيمنة الدولة البوليسية الذي صنعها استبداد الأب ، إلي سطوة الدولة الفاشية التي تبنيها عنصرية الإبن. فبفكره التجديدي قسم الشعب في مصر إلي شعبين، قلة من المتخمين واللصوص والنهابين لها كل الحقوق، وغالبية من المعدمين ومحدودي الدخل. تحولوا من أحرار إلي أقنان. الدولة الفاشية القادمة من المتوقع أن تعبر عن نفسها وتخرج من رحم المؤتمر الثاني للحزب الوطني الحاكم، في أيلول (سبتمبر) القادم، ولهذا قصة أخري.