أخطر من العدوّ : المرتدّون

 

 

بقلم : الدكتور محمد بسام يوسف

 

لم يعد خافياً على أي مسلمٍ في الأرض، الدور المدمِّر الذي تقوم به فئات من الناس المحسوبين على المسلمين والأمة الإسلامية، فقد لعب هؤلاء -ويلعبون- أخطر الأدوار على الأمة، لأنّ العدوّ مهما بلغت قوّته، فإنه لن يستطيع أن يدمّر إلا سياج الأمة الخارجيّ .. أما هؤلاء وأمثالهم، فإنهم يتغلغلون في صفوفها باسم إخوّة الديِن أو العروبة، فيفتّتون الأمة من داخلها، ويُعمِلون فيها معاول التدمير الداخليّ : تدمير العقيدة، وتدمير الفِكر، وتدمير الثقافة، وتدمير الأخلاق، وتدمير كل بذرةٍ خيّرةٍ يمكن أن تُغرَسَ في تربة الأمة الصالحة!..

لقد وعى عدوّنا على مرّ التاريخ، ذلك الدور المدمّر الذي يمكن لتلك العناصر المحسوبة على المسلمين من إتقانه وإنجازه، فوفّر على نفسه القيام بدورٍ مكلفٍ ولا يؤتي الثمار التي يحققها له أمثال تلك الفئات الخائنة، التي باعت دِينها وأمّتها ووطنها بثمنٍ بخس، بعد أن فقدت الضمير الحي، والمروءة والشهامة، وقبل ذلك باعت كرامتها وشرفها في سوق النخّاسة .. فكان من هؤلاء الباطنيون والحشاشون والطوسيون والعلقميون وأعوان بن سبأ وغيرهم .. وكان منهم حديثاً هؤلاء الذين نشهدهم صباح مساء يتباهون بخياناتهم ومروقهم ونذالتهم، ويتجرّؤون بخسّتهم وانحطاطهم وحقدهم المركّب الأعمى، على أمة العرب والإسلام، وقد وجدوا لأنفسهم مكاناً مرموقاً في هذا العصر الأميركيّ الغربيّ الصهيونيّ الصليبيّ، حيث تكون الخيانة ويكون الارتداد على الأمّة هما جواز السفر الوحيد، الذي يعبر فيه أمثال هؤلاء المجرمين إلى قلب البيت الأبيض والكونغرس والكنيست وأوكار الصليبية العالمية!..

ليخسأ هؤلاء المارقون، فالأمة شبّت عن الطوق، وأعمالهم الدنيئة لن تصيب إلا نفوسهم المريضة، والله عز وجل سيُتِمُّ أمره في هذه الأرض، شاء أولئك الخونة أم أبوا، وشاء أربابهم المزيّفون أم أبوا، ثم لهم في الآخرة بعد الدنيا، سوء المنقلب، حين لا ينفع فيها مال ولا بنون، ولا بوش ولا بلير ولا شارون ولا كل كلاب الصهيونية والصليبية الحاقدة .. لهم الذل والخزي والعار والشنار في الدنيا، والعذاب الشديد والدرك الأسفل من جهنم في الآخرة، وإنّ هؤلاء المارقين وأمثالهم، لن يستطيعوا أن يفرضوا واقعاً شاذاً علينا وعلى أمّتنا، وسيأتي اليوم القريب -بإذن الله- الذي يُحاطُ فيه بهم وبفضائحهم ونذالتهم، وسيلقون نتائج غيّهم وحقدهم واستكبارهم وتجبّرهم الوهميّ، فالعزّة لا تُجنى من عدوّ الأمة الكافر الفاجر، الذي سيتخلّى عنهم كما فعل مع غيرهم لدى شعوره بالخطر، وسيكونون -في الدنيا- حطبه الذي سيوقد به درب خلاصه من المآزق التي وضع نفسه بها، وحطب جهنّم في الآخرة .. جزاء اقترافهم أفظع الخيانات والأعمال بحق الأمة وأبنائها .. فلينتظر هؤلاء يوماً قريباً بإذن الله، يتسربلون فيه بقذارات خياناتهم وارتدادهم على دينهم وأمّتهم!..

المُرتَدُّون

إنّ اعتناق المسلم لدين الإسلام يعني أنه أعلن تبنّيه للأسس التالية وعاهد الله عز وجل على ذلك:

1- أنّ الله سبحانه وتعالى هو الإله الواحد الذي يتوجّه الإنسان المسلم إليه بالعبادة، والطاعة والخضوع التام.

2- الاعتراف بأنّ عبادة الله عز وجل هي التوجه إليه في كل أمرٍ من أمور الحياة، والخضوع إليه خضوعاً كاملاً، والتذلّل له، مع إرفاق ذلك بمحبته الكاملة سبحانه وتعالى.

3- أن يؤمن بهدف الإسلام العظيم وأصله الأول : (لا إله إلا الله محمد رسول الله).. وهذا الإيمان يقتضي من المسلم -فيما يقتضيه- الالتزام التام الصارم بالأمور الثلاثة التالية :

أولاً : نبذ كل إلهٍ أو ربٍ غير الله عز وجل، فلا يتّخذ المسلم منهجاً للحياة إلا الإسلام، وينبذ مناهج الطغاة والطواغيت وأذنابهم، ومناهج كل الآلهة والأرباب المزيّفين، سواء أكانوا بشراً يشرّعون من عند أنفسهم، أو حجراً، أو هوىً، أو مالاً، أو متاعاً، أو شعاراً معادياً للإسلام، أو فكراً مناقضاً، أو عقيدةً تتناقض مع أصل إيمانه بالله عز وجل .. !..

ثانياً : نبذ كل ما يناقض الحقيقة الإيمانية، التي تعترف بأنّ محمداً صلى الله عليه وسلم هو الذي نقل منهج الله إلى الناس عن طريق الوحي، وفسّره ووضّحه، وأحاله إلى واقعٍ محسوسٍ، وبنى عليه أمة الإسلام ونظّم شؤونها، وربطها ربطاً محكماً كاملاً بالله عز وجل وبما يُرضيه سبحانه وتعالى.

ثالثاً : نبذ كل ظلمٍ وجَورٍ وبغيٍ ينجم عن المناهج البشرية الوضعية الخاطئة .. الظالمة، ورفض كل محاولات أصحابها السيطرة على المسلمين، أو محاولة حرفهم عن دِينهم ومنهجهم.. والاعتراف بأنّ المسلم المؤمن لا يتحرّر تحرراً كاملاً إلا بهدف الإسلام العظيم وأصله الأول.

الارتداد عن الإسلام

هو كل ما يناقض أسس اعتناق المسلم لإسلامه التي ذكرناها آنفاً، ويمكن اختصار معنى الارتداد بأحد أمرين أساسيين هما :

1- ترك المسلم لدِينه الذي ارتضاه الله عز وجل له، واعتناق دِينٍ آخر غير دِين الإسلام.

2- أو إيمانه بعقيدةٍ أو ربٍ أو إلهٍ أو فكرٍ أو شعارٍ آخر مكفِّرٍ، يتنافى مع دِين الإسلام ومنهجه.

الارتداد عن دِين الإسلام، يُهدِر كرامة المسلم ويحطّم شخصيته، ويُعَرّضه لظلم الظالمين والأرباب المزيّفين والطغاة والمتسلّطين، سواء أكانوا أفراداً أو دولاً أو أنظمة حكمٍ أو أحزاباً أو طوائف.. أو غير ذلك!.. لذلك فالإسلام لا يسمح بالارتداد عن دِين الله مهما كانت الظروف والأسباب، ولا يترك للمسلم الحرية في هذا الأمر، لما له من أثرٍ عميقٍ في هدم عقيدة الإسلام، وفقدانٍ للإيمان، واستئصالٍ لكل معالم الهدى والرشاد والقِيَم الإنسانية في نفس الإنسان.

يقول الله عز وجل في محكم التنـزيل:

(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (النحل:36).

إذا تساءلنا الآن : ما مظاهر الارتداد عن الإسلام، أو ما الأمور التي تؤدي إلى الارتداد عن دِين الإسلام.. فتؤدي إلى وقوع المسلم في بؤرة الارتداد، فيصبح من المرتدّين عن دين الله عز وجل، وتنطبق عليه شروط الردّة، وبالتالي يتحوّل هذا الإنسان من عامل بناءٍ لدين الله ولأمة الإسلام، إلى مِعْوَلِ هدمٍ للدِين وللأمّة؟!..

أهم الأمور التي تؤدي إلى الارتداد عن دِين الإسلام العظيم

أولاً : تبنّي الشعارات التي لا تُستَمَدّ من الإسلام ومنهجه، ولا يبتغي المسلم من ورائها رضوان الله عز وجل وإعزاز دِينه: كالاشتراكية والرأسمالية والقومية و.. وكذلك (الوطنية) إن كانت لا تهدف إلى السير في سبيل الله سبحانه وتعالى وطريقه، أو إلى تحقيق مصلحة الوطن الإسلاميّ والحفاظ على أرض الإسلام، أو إلى الدفاع عن الأرض والعِرض والنفس والمال والدِين في سبيل الله عز وجل .. فالمسلم ليس له إلا شعار واحد هو:

(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162 و163).

ثانياً : إعطاء حق الحاكمية والتشريع ووضع الدساتير ومناهج الحياة.. لغير الله عز وجل :

(.. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: من الآية 44).

(.. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: من الآية 45).

(.. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة: من الآية 47).

ثالثاً : الإيمان ببعض مبادئ الإسلام والكفر ببعضها الآخر، أو كراهية بعض منهج الإسلام أو كله، وتفضيل غيره أو مساواة غيره به: كأن يكره المسلم حجاب المرأة المسلمة فيزعم أنه تخلف، أو يكره الإسلام لأنه يحرّم الربا مثلاً، أو كمن يؤمن بالعبادات فحسب، ويرفض أن يكون الإسلام منهج حكمه وحياته، أو ما شابه ذلك من الأمور:

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (محمد:8 و9)..

(.. أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة: من الآية 85).

رابعاً : الاستهزاء بشيءٍ من القرآن الكريم، أو بأي شعيرةٍ من شعائر الإسلام.. أو الانتقاص من قيمتها أو اختلاق ما يشوّهها: كالقيام بمحاولات تحريف القرآن الكريم، أو الاعتقاد بأنه محرَّف أو أنّ أحداً استطاع تحريفه، أو أنه بُدِّلَ فأصابه النقصان أو الزيادة .. أو الاعتقاد بصحة كتابٍ آخر يختلف عن القرآن الكريم زيادةً أو نقصاناً، كمن يعتقد بما يسمى: مصحف السيدة فاطمة رضي الله عنها، الذي يزعم مَن يؤمن به أنه يحتوي على ثلاثة أمثال ما جاء في القرآن الكريم، وأنه ليس فيه من قرآن الله عز وجل حرف واحد!.. فهذا كله كفر بواح وارتداد صريح عن الإسلام، لأنّ الله سبحانه وتعالى أخبرنا بأنه أنزل علينا القرآن الكريم منهجاً للحياة، وأنه تعهّد بحفظه وصيانته من أي تحريفٍ أو تبديلٍ أو زيادةٍ أو نقصان، فمن يعتقد بغير ذلك فهو ينتقص من الذات الإلهية ويكذّب الله عز وجل، والعياذ بالله:

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9).

وقد توعّد الله عز وجل هؤلاء الذين يفعلون ذلك بالعذاب الشديد، وحكم عليهم بالكفر:

(لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) (التوبة:66).

خامساً : إنكار السنة المطهّرة، أو الاستهزاء بشيءٍ منها، أو الانتقاص من قيمتها أو اختلاق ما يشوّهها، أو رفض الصحيح منها: كالافتراء على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم وضعوا أحاديث شريفةً من عندهم، كأبي بكرٍ وعمرٍ رضي الله عنهما، أو كمن يرفض كل ما رواه أبو هريرة أو سمرة بن جندب أو عمرو بن العاص.. -رضي الله عنهم- من أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!.. فمن يفعل ذلك أو بعضه، فإنه مرتدّ عن الإسلام يتوجب إقامة الحدّ عليه.

(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (النساء:80).

(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65).

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(.. وإنّ ما حرّم رسول الله "صلى الله عليه وسلم" هو مثل ما حرّمه الله) (أبو داوود والترمذي وابن ماجه).

سادساً : انتقاص رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالطعن في أزواجه أو أصحابه، أو اتهامه بأنه لم يحقق الإنصاف الإلهيّ، على الرغم من أن الله عز وجل قال لرسول الله في محكم التنـزيل:

(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً) (النساء:105).

فكيف يزعم هؤلاء -قاتلهم الله- بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحقق الإنصاف الإلهيّ، والله عز وجل يخبرنا بصريح العبارة، بأنه صلى الله عليه وسلم، حكم بنور الله وهديه وشرعه وإنصافه؟!..

سابعاً : مخالفة إجماع المسلمين في أمرٍ أو أكثر من الأمور: كمخالفة إجماع المسلمين في الصلوات والصوم والحج وغير ذلك من شعائر المسلمين، أو رفض الإجماع من أساسه، برفض الحكم إلا وفق مذهبٍ واحدٍ إلى الأبد، وسنّ القوانين الباطلة لذلك، وجعلها قوانين غير قابلةٍ للبحث أو التعديل!..

كيف يفعل هؤلاء ذلك والله عز وجل يقول في محكم التنـزيل:

(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:115).

ثامناً : الغلوّ في بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في أي إنسانٍ أو بشرٍ، برفعه إلى مرتبة ربّ العالمين أو إلى مرتبة الأنبياء والرسل، أو يمنح لأحدٍ من البشر العصمة من السهو والنسيان والخطأ!.. كمن يعتقد بعصمة الإمام، وأن الإمامة أعلى مرتبةً من النبوّة، وأن الأئمة لهم حرية الاختيار في التحليل والتحريم!.. وكمن يقول: (إنّ لأئمّتنا مقاماً لا يبلغه مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌ مُرسَل)!.. أو يقول: (إنّ تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها، وإنه لا يُتَصوّر فيهم السهو والغفلة)!.. أو كمن يغلو في السيدة فاطمة رضي الله عنها، ويزعم بأنّ الوحي قد تنـزّل عليها، أو يرفع مقامها رضي الله عنها إلى أعلى من مقام الأنبياء والرسل!.. وقد جاء في محكم التنـزيل قوله عز وجل:

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة:77).

تاسعاً : تحليل ما حرّم الله سبحانه وتعالى، أو تحريم ما حلّل: فقد جاء في محكم التنـزيل قوله عز وجل:

(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة:31)، فقد دخل عديّ بن حاتم الطائي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ هذه الآية، فقال : [إنهم لم يعبدوهم يا رسول الله، فقال: بلى!.. إنهم حرّموا عليهم الحلال، وأحلّوا لهم الحرام .. فاتّبعوهم (أي أطاعوهم)، فذلك عبادتهم إياهم]!.. (تفسير ابن كثير-ج2-ص348-طبعة دار إحياء الكتب العربية).

لأنّ مَن يفعل ذلك، فإنه ينازع الله عز وجل في حاكميته وتشريعه، بل يعطي لنفسه حق التشريع والحاكمية وسنّ القوانين المخالفة للإسلام، وهذا كفر وضلال وارتداد صريح عن الإسلام!.. ومثل ذلك مَن يحلّل نكاح المتعة، على الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّمه بعد أن كان مباحاً، وكذلك حرّمه علي رضي الله عنه، وهو نكاح محرّم بإجماع المسلمين.. لأنه يهدم بنيان الأسرة المسلمة، ويضيّع الأنساب والأعراض!..

يقول الله عز وجل في كتابه العظيم:

(وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (النحل:116).

عاشراً : موالاة الكافرين والمنافقين والملحدين، وابتغاء العزّة عندهم، وبُغض المسلمين، أو محاربتهم، أو التآمر عليهم وعلى أوطانهم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51).

(إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة:9).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (التوبة:23).

(الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (النساء:139).

حادي عشر : الزعم بأن للقرآن الكريم باطناً يخالف ظاهره، أو ظاهراً يخالف باطنه: لأنّ هذا الزعم بل الفرية، تعطيل للشريعة الإسلامية، بتعطيل أنظمتها، وتأويل نصوصها وفق الهوى البشريّ!..

(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف:2).

(وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ) (الرعد:37).

(قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الزمر:28).

ثاني عشر : وصف الله عز وجل بما لا يليق به جل جلاله: كمن يزعم بأنّ لله جسماً كأجسامنا، أو كمن يزعم بأنّ الله عز وجل هو ثالث ثلاثة، أو أنه سبحانه وتعالى فقير، أو أنه سبحانه يَحُلّ في الأجسام، وما إلى ذلك من الضلال والكفر:

(.. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية 11).

فحذارِ أخي المسلم المؤمن، من الوقوع في الضلال وخطر الارتداد بالقول أو بالفعل، وبادر إلى التمسك بالإسلام والقيام بصالح الأعمال، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(بادروا إلى الأعمال الصالحة، فإنه ستكون فتن كقطع الليل المظلم، يُمسي الرجل مؤمناً ويُصبح كافراً، ويُصبح مؤمناً ويُمسي كافراً، يبيع دِينه بِعَرَضٍ من الدنيا قليل) (رواه مسلم وأحمد).

نسأل الله عز وجل الثبات بالقول الثابت، وأن يجنّبنا الزلل، ويحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويلهمنا العمل بمنهجه القويم المستمدّ من قرآنه الكريم وسنّة نبيه المطهّرة صلى الله عليه وسلم.

وإلى الحلقة القادمة بإذن الله، للتفصيل في عقوبة المرتدين عن دين الإسلام .

8 من تموز 2004م