مصر ايضا مريضة

 

 

 

بقلم :عبد الباري عطوان

 

عاد الرئيس حسني مبارك الي القاهرة سليما معافي بعد رحلة علاجية في المانيا، ولكن مصر، باجماع الخبراء من ابنائها وغير ابنائها، تعاني من موسوعة من الامراض، وتحتاج الي اكثر من عملية جراحية، اذا اراد القائمون عليها وقف حال الانهيار التي تمر بها حاليا.

ومن المفترض ان يبدأ الرئيس مبارك عملية تغييرات واسعة في طاقمه الحكومي، وهي التغييرات التي تحدثت عنها الصحف القومية وتعطلت بسبب نكسته الصحية الاخيرة. فاحالة السيد صفوت الشريف وزير الاعلام الي مجلس الشوري تظل خطوة تجميلية جاءت متأخرة عشرين عاما، والحديث عن تبديل بعض الحقائب الوزارية، واقالة بعض وزراء الهوامش اذا صح، سيكون بمثابة خيبة امل كبري.

مشكلة مصر الاساسية تنحصر في الفساد المالي والسياسي، وعدم وجود رؤية علمية حقيقية تخرج البلاد من ازماتها الراهنة، وتعيد لها دورها الريادي في السياستين العربية والدولية.

الاقتصاد المصري يئن من القرارات الارتجالية وسيطرة نخبة فاسدة علي مفاتحيه الرئيسية، مما ادي الي انهيار العملة المحلية امام الدولار المنهار اساسا، وارتفاع معدلات البطالة، وفشل المؤسسات التعليمية في تدريب وتأهيل اجيال جديدة من الطبقة العاملة والكوادر الفنية القادرة علي التلاؤم مع تطورات العصر الحديث وادواته.

مصر بحاجة الي اصلاحات حقيقية في معظم المجالات، فنظام الحزب الواحد، والانتخابات المزورة، والتعددية الحزبية المقننة، والحريات الاعلامية المقيدة، وقوانين الطواريء، لم تقد مصر الا الي حال الجمود الراهن. ولا بد من ثورة حقيقية في جميع المجالات قبل حدوث الانهيار الكبير.

حالات العنف الدموي التي تجتاح المنطقة، وتضرب دولا كانت معروفة باستقرارها، وحصانتها الداخلية، مثل المملكة العربية السعودية، يجب ان تكون ناقوس الخطر الذي يوقظ اصحاب القرار في مصر من نومهم العميق، ويحثهم علي التحرك فورا واجراء عمليات جراحية لازالة كل آلام البلاد قبل ان تتفاقم وتستعصي علي العلاج

عندما مارست الحكومة المصرية حملتها الشرسة ضد الجماعات الاسلامية في صعيد مصر، وقتلت المئات في عمليات التطهير، كان الاقتصاد المصري يعيش شهر عسل غير مسبوق بسبب الاموال التي تدفقت علي الخزانة المصرية من جراء المشاركة في حرب تحرير الكويت، والغاء اكثر من ستة وعشرين مليار دولار من ديون مصر الخارجية. مضافا الي ذلك ان العراق لم يكن محتلا، وتنظيم القاعدة كان طفلا يحبو، وابو مصعب الزرقاوي لم يصل الي العراق. والحرب الامريكية علي الارهاب لم تبدأ بعد، والعراق كان حرا سيدا يستورد ما قيمته اربعة مليارات دولار سنويا من البضائع المصرية الاقل جودة من نظيراتها في العالم.

مصر اليوم لم تعد مصر التي نعرفها قبل عشرين عاما، او قبل اربعين عاما، او حتي قبل مئة عام. مصر اليوم فاقدة الدور والتأثير، ونفوذها بات محصورا في محور فيلادلفيا علي حدود رفح، واصبحت تواجه خطر العطش بفعل تحرك اسرائيل في مجالها الاستراتيجي الاخطر، وهو حوض ماء النيل ومنابعه الافريقية، فهناك من يطالب بتغيير حصص المياه ومعاهداتها، حيث تحصل مصر علي ستة وخمسين مليار متر مكعب من مجموع اربعة وثمانين مليار متر مكعب هي كل مياه النهر، واذا نجحت الدول الافريقية في تغيير المعاهدات فان مصر ستكون الخاسر لانها دولة مصب، ولا تملك اي مصادر اخري للمياه غير نهر النيل.

السياسة الخارجية المصرية في حال من الشلل الكامل، ووزير الخارجية المصري الذي كان دائما نارا علي علم في المحافل العربية والدولية، بالكاد يتذكر اسمه ابناء مصر نفسها، ويتحمل الرئيس المصري مسؤولية ذلك، لانه لا يريد وزير خارجية قويا مثل عمرو موسي، ولا يريد سفراء اقوياء مثلما كان عليه الحال في زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حيث كان كل سفير في عواصم مثل موسكو وواشنطن والامم المتحدة ولندن اقوي من كل وزراء الخارجية في العهود اللاحقة.

والسياسة الداخلية ليست افضل حالا، ومثلما لا يعرف معظم المصريين اسماء وزرائهم، لا يعرفون ايضا اسم رئيس الوزراء، لان معظم هؤلاء من الوجوه غير المعروفة، وهم مثل الماء لا لون ولا طعم ولا رائحة لهم.

المؤسسات المصرية شاخت في معظمها، ومعظم اصحاب القرار تجاوزوا سن التقاعد، في السياسة والاقتصاد والاعلام وحتي في احزاب المعارضة. حتي ان المرء بات يعتقد ان مصر لا تنجب الا العواجيز فقط، ولا تعرف معني الشباب.

حتي المؤسسة العسكرية المصرية التي كانت في يوم من الايام مفخرة العالم الثالث، وليس فقط العرب، تعاني ايضا من الهرم، فلا صناعة عسكرية واعدة، ولا برامج تسلح متطورة، ولا هدف وطنيا محددا. حال من الجمود الراسخ المتكلس.

ايران طورت صواريخ يصل مداها الي اكثر من الف وخمسمئة متر، وطورت صناعة عسكرية متقدمة، وبنت مفاعلات نووية طموحة، بينما مصر ما زالت تعتمد علي استيراد السيارات العسكرية، وليس فقط الدبابات والمدفعية من الخارج.

ولا نعرف حقيقة مشاعر قادة المؤسسة العسكرية المصرية وهم يرون التفوق العسكري الاسرائيلي في كل المجالات، ونحن الذين لا نشك ولو لحظة في وطنيتهم، واستشعارهم بالخطر الاسرائيلي الاستراتيجي علي الامن القومي المصري.

نقول لفخامة الرئيس مبارك ان العمود الفقري المصري احوج اليوم من اي وقت مضي الي عملية جراحية حقيقية، علي ايدي اطباء مصريين، وليس المان، تعيد اليه قوته وصلابته، حتي يستطيع مواجهة التحديات الخطيرة، الداخلية منها والخارجية، التي تواجه مصر.

نحن نحب مصر، لان سلامتها سلامة للعرب، وانهيارها انهيار للعرب ايضا، ولهذا نهتم بها ونخشي عليها، مثل ابنائها تماما.