محاكم التفتيش بين تشاؤم العقل وخذلان العزيمة

 

 

 

بقلم :خميس الخياطي

 

بعد قرون من الصمت المشين، أطلق الفاتيكان منذ أسبوعين سراح ملف محاكم التفتيش، تلك التي انتصبت وترعرعت وازدهرت في قلب الهيكل الراعي للديانة المسيحية من القرن الثاني عشر (تحديدا سنة 1198 مع أول محاكمة قام بها دومنغو كوزمان الذي اشتهر في ما بعد بـ القديس سان دومينيك وكون طريقته التي تحمل اسمه) حتي القرن السابع عشر (تحديدا سنة 1610 مع آخر عملية تهجير جماعي) والتي ذهبت ضحيتها آلاف مؤلفة من الرجال والنساء والأطفال الذين اتهموا باعتناقهم اليهودية او الأسلام او البروتستنطية في ما بعد او لأنهن سحرة (في ما يخص النساء) أو كفرة (في ما يخص البعض منهم).

 

أن يفتح هذا الملف في السنين الأولي من القرن الواحد والعشرين، أي بعد مضي ما يقارب الأربعة قرون عن ايقاف عملية التصفية النهائية (كما سميت مع هتلر المجرم) من الكنيسة الرومانية والمدعمة بارهاب الدولة، فذلك ليس عارا علي الفاتيكان وحده ولا علي أوروبا وعلي رأسها اسبانيا التي ابتدعت هذه البشاعة، بل علي الأنسانية جمعاء التي لم تمح هذه المجازر من ذاكرتها بمحاسبة ذاتها، بل فتحت فجوات تسربت منها مجازر أخري لا تشرف الانسان. (راجع في هذه القضية الكتاب المرجع الموريسك وعنصرية الدولة للمؤرخ الاسباني رودريغو دي زاياس ، باللغة الفرنسية 800 صفحة).

 

بمناسبة فتح ملف محاكم التفتيش ، بثت قناة الجزيرة حلقة من برنامج أكثر من رأي من اعداد وتقديم سامي حداد استضاف فيه المحلل الاسلامي المصري فهمي هويدي والقس اللبناني شفيق أبو زيد وأستاذ الحضارة الاسلامية بجامعة مدريد كارلوس اتشيفيريا . وهنا ملاحظة منهجية ومبدئية صغيرة لا تقلل من النوايا الحسنة للقائم علي البرنامج. ان بينت الجزيرة ومعها سامي حداد بهذا البرنامج اهتمامهما بالمواضيع الكبري التي قد لا تهم الديمقراطية في البلاد العربية ولا حقوق الانسان بصفة آلية، كان من المستحسن، اكتسابا للموضوعية، أن يدعوا مختصا يهوديا عربيا (مناهضا للصهيونية طبعا) في مسألة محاكم التفتيش والمجازر حتي تكتمل المنفعة وتغطي جميع نواحي المأساة، ذلك أن الجالية اليهودية ـ العربية في اسبانيا اكتوت هي الأخري مع المسلمين بنار التعصب الكاثوليكي الأوروبي. هي مجرد ملاحظة عابرة لا غير.

 

وعلي عادته كان سامي حداد مشاكسا وان بتطرف في بعض الأحيان في قطع مداخلات ضيوفه حتي أننا لم نستمع بما فيه الكفاية للضيف الاسباني حتي يبين للمشاهد العربي الظروف التاريخية التي أدت الي نشوء هذه المحاكم. وتبيان الظروف لا يعني البتة الصفح عن الاثم، بل يؤدي حاضرا ومستقبلا الي تفادي الشروط التي كانت وراء نشوء تلك المحاكم. وتعرض البرنامج لموقف الفاتيكان وخاصة البابا الحالي الذي اعتذر لليهود وحتي لليونانيين عما اقترف في حقهم ولم يعتذر للمسلمين البتة. اضافة لكون الملك كارلوس، ملك اسبانيا، قام بنفس الاعتذار ولم يفعل ذلك بالنسبة للمسلمين. وكان رد شفيق ابو زيد، وهو محق في ذلك، أن خطأ المسلمين هو أنهم لا يعرفون ربط العلاقات واستعمال قوي الضغط . وهي حقيقة عاشها الموريسك (مسلمو اسبانيا بعد استعادتها من طرف المسيحيين في علاقتهم بملوك اسبانيا والمغرب وكذلك الامبراطورية العثمانية خاصة مع اتساع رقعتها تحت سلطة بايازيد) ونعيشها اليوم في ما يخص القضية الفلسطينية. وأدني برهان ذلك جدار العارالذي يشيده المجرم شارون علي ما تبقي من أرض فلسطين، وهو أبشع من مجزرة، ان وجدت درجات في المجازر.

 

عرضت القدس العربي مرة الي الاستقبال المهين الذي لقيه الرؤساء العرب في اجتماع الثمانية حتي في الجانب البروتوكولي منه. ويوهموننا بعد هذا باسماع صوتنا المكتوم في بلداننا... فما بالك بصداه في التعامل مع الأطراف الأخري لا سيما وهي أطراف فاعلة في قلب المشهد العالمي والصانعة له وما عدنا، عربا ومسلمين، الا علي هامشه؟ ويتساءل سامي حداد وشفيق أبو زيد عن صورة المسلم وصورة العربي في ذهنية الغربي؟ لماذا لم يستبدل أمراؤنا ورجال أعمالنا العرب فيلاتهم وقصورهم التي شيدوها علي الساحل الاسباني (ماربيلا...) وحساباتهم البنكية بوجوب الاعتذار للمسلمين عما حصل لهم مع أيزابيل ومن أتي من بعدها؟ أعترف بانه سؤال ساذج لأن لا أسذج منه الا الأمراء ورجال الأعمال من جنسنا الذين يؤمنون بملذاتهم الآنية و ليذهب الباقي الي الجحيم . ويتبجحون أمام كاميرات التلفزة بحمايتهم الدين الاسلامي وكأن الاسلام قادر كأية عقيدة أن يعيش بدون المسلم البسيط الذي هو في النهاية حامي الدين ما دام حيا.

 

دعاة حرق الكتب؟

 

وهنا ينزلق سامي حداد ويطلب، مصطنعا السذاجة، لماذا لم تحرق الكتب التي تعطي صورة مشينة عن المسلمين ويعطي مثال الكوميديا الالهية لدانتي و عطيل شكسبير؟ ولو كان له أن يعدد كل الآثار الأدبية التي أعطت عن المسلمين وديانتهم ونبيهم صورا غير لائقة، لما تمت الجردة. ويا ليته ما سأل.

 

أن يفعل دانتي (1321/1265) في رائعة الكوميديا الالهية (1307) ما فعله من قبله ابو العلاء المعري في رسالة الغفران او الشاعر البريطاني ميلتون في الفردوس المفقود من تصور للعالم من زاوية المفاهيم السائدة، كل في فترته التاريخية، فذلك يعتبر تماشيا مع النهج الشعبي الرائج في القرن الرابع عشر والمنظور الذاتي لها. الأمر ينسحب علي شكسبير (1564/1616) سواء في عطيل (1604) او في غيرها من المسرحيات حتي تلك التي انتقد فيها الملوك الأنكليز. ويمكن أن نضيف فولتير في كتابه مهومي الدجال وغيره. تلك الصور الهجينة عنا والماسة من عقيدتنا طبعا ولا جدال في ذلك، لم تمنعه من أن يكون شاعرا كما قال الأعرابي عن شاعر هجا قبيلته فطرحها أرضا.

 

أن نطرح اليوم مسألة حرق الكتب المناهضة لنا قد يقود الي ضرر كبير ذقنا نتائجه السلبية علي الأقل في ما حدث حول سلمان رشدي و آياته الشيطانية وكل منا يتذكر الصور التي بثت وأعطيت عن المسلمين والعرب وكأنهم أهل قطع الرؤوس ظناً بأن العروق ستتلاشي وتضمحل. والحقيقة التي لم نهضمها نحن العرب حتي هذه الساعة هي أن الافكار لا تحارب الا بالأفكار ولا بالفأس والأنفجار.

 

يوم نتفطن الي الدواعي الموضوعية التي أدت بدانتي وشكسبير وميلتون وفولتير في السابق والي كل من يكتب ضد الاسلام والمسلمين اليوم وندرسها وننظر الي مكان العيب لنتفاداه، وقد يكون العيب فينا كوننا لم نعرف كيفية الأتصال وايصال رسالتنا وصورتنا الي الآخر، سنكون تقدمنا أشواطا كبيرة في عملية المصالحة مع محيطنا القريب ومحيطنا العام. حينها لن نسأل كما فعل سامي حداد متوجها الي القس شفيق أبو زيد لو كان لك أن تفتخر، بمن تفتخر، بخالد بن الوليد ام بـ شارلوماني ؟ . سؤال عبيط لأن القس أجاب بذكاء : خالد بن الوليد والجواب متوقع. ألئن القس يمثل أقلية دينية في عالمنا العربي؟ لماذا لم يوجه سؤالا مماثلا لفهمي هويدي الذي عوم الجواب حول الأقليات في العالم العربي ومنزلة المصريين الأقباط في مصر قائلا بجرة قلم : ليست هناك مشكلة في العالم العربي مضيفا، وهو علي حق بأن مسألة المشاركة والتهميش هي مسألة ديمقراطية .

 

ما نخرج به من هذا البرنامج هو أن ذاكرة المسلمين والعرب لا تعدو أن تكون الا قطعة سكر تذوب حالما تمس الماء. وتلك نتيجة حتمية لسلطات عربية ـ بلا استثناء ـ همها الأساسي منذ الحصول علي الاستقلال هو غرس الأمة في شعوبها حتي لا تعبد الا اياها. وها نحن بدون ذاكرة.

 

فلمن سيعتذر الغرب عن أفعاله اذا؟ لسلطات غير شرعية أتت الي الحكم علي ظهر دبابة او خلفا لمن أتي علي ظهر الدبابة ورسخت وطأتها بـ99.99 % من الأصوات المزورة؟ أم لشعوب تبحث بعناء عن الخبز قبل الحرية حامدة المولي علي الصبر؟ أم لمثقفين لا وزن لهم الا ثقل الصمت؟ هو تشاؤم العقل وخذلان العزيمة معا. لنقم علي سبيل التجربة باستفتاء في الشارع العربي من شرقه الي غربه حول ما حدث للمسلمين منذ آلاف السنين في أسبانيا وأوروبا وتحت ثقل الشيوعية وحاليا في الصين او في أي مكان آخر، سنكتشف الهوة الواسعة كفوهة بركان متربص بن الواقع والذاكرة. ويوم يثور البركان ـ وما نراه منه ونسمع عنه اليوم - ليس الا الشرارات الأولي لغضب عارم قد يذهب بالرضيع مع ماء الغسيل.