تراجع خطير في الجزائر

 

 

 

بقلم :محمد كريشان

 

بلدوزر حقيقي يتقدم في الجزائر لإسكات كل الصحافيين المزعجين ... هكذا وصفت منظمة مراسلون بلا حدود المعنية بحرية الصحافة في العالم الوضع الحالي في الجزائر بعد التدهور الخطير المتمثل في سلسلة من أحكام السجن طالت في الفترة القليلة الماضية مدراء صحف الأخبار و لوماتان و الرأي العام في العاصمة ووهران إلي جانب تهديد بإغلاق ومصادرة مقرات صحف ومضايقة الكثير منها باللجوء إلي سلاح الضرائب المعروف لتركيعها ماليا وحجبها قسريا عن الصدور فضلا عن تعطيل عمل أكثر من مراسل لوسيلة إعلام أجنبية.

 

قد لا يكون هذا البلدوزر يتقدم الآن بسرعته القصوي وهو بالتأكيد لم يسحق بعد كل من يعترضه ولكن مجرد تشغيل محركه وتحركه الحالي يدعوان فعلا إلي القلق في بلد يمكن وصفه ـ بلا مبالغة ـ بأنه من أفضل، إن لم يكن الأفضل فعلا، في كامل بلادنا العربية علي صعيد ما تتمتع به الصحف الخاصة من حرية تسمح لـــها ويوميا تقريبا بكتابة أقوي التعليقات وأقذعها ضد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مع رسوم كاريكاتورية لاذعة في سخريتها منه.

 

ولا شك بأن تناول شخصية رئيس الجمهورية أو الأمير أو الملك بالنقد وحتي الاستهزاء هو المعيار الحقيقي الوحيد الذي يمكن به قياس مدي جرأة أي صحافة عربية لأن بعض الدول قد يوجد بها هامش لا بأس به في نقد الأوضاع السياسية والاقتصادية وغيرها لكن هذه الجرأة سرعان ما تخلع نعليها مباشرة عند الاقتراب من العتبات المقدسة للقصر الجمهوري أو الأميري أو الملكي.

 

حرية الصحافة في الجزائر لم تأت منة من أحد بل افتكها الصحافيون الجزائريون بدمهم بعد أن سقط من بينهم العشرات في عمليات اغتيال غادرة في السنوات الأولي من عقد التسعينات. لقد انتعشت هذه الحرية أول ما انتعشت بعد أحداث 1988 الشهيرة وتوجه الرئيس الشاذلي بن جديد وقتها لإرساء أجواء انفراج وانفتاح توجت بانتخابات 1992 التي انقلب الجيش علي إرادة ناخبيها مما أدخل البلاد في دوامة ما زالت تعاني من ذيولها إلي الآن رغم تراجع حملات التقتيل والتفجير.

 

طوال هذه السنوات تغيرت أشياء كثيرة في الجزائر إلا حرية الصحافة فقد ظلت رقما صعبا وإنجازا راسخا قد يتضايق منه كثيرون ولكن لا أحد يجرأ علي الاقتراب منه أو المساس به رغم أن وراء معظم الصحف مراكز قوي معينة ليست خافية علي أحد ولكن يظل الأمر في النهاية جزءا من لعبة قبل بها الجميع أو بالأحري فرضت نفسها علي الجميع.

 

طوال فترة حكمه الأولي لم يعرف عن الرئيس بوتفليقة، عن مضض أو قناعة، أنه اتخذ إجراءات علنية كبري ضد الصحف المستقلة والخاصة لا سيما تلك الناطقة باللغة الفرنسية وبدا خلال حملته الانتخابية لمدة رئاسية ثانية حريصا علي مواصلة ذات النهج رغم انتقاداته لها من حين إلي آخر نظرا لشراستها ضده ومناهضتها للتجديد له. والخوف الآن أن الرئيس الجزائري وبعد أن ضمن هذا التجديد يهم بالدخول في منطق مؤسف لتصفية الحسابات القديمة مع كل هذه الصحف باللجوء إلي تلفيق قضايا ضدها وتطويع مؤسسة القضاء لمســــايرة جنوح السلطــــة التنفيذيـــــة في عقاب مخالفيها.

 

في بداية الثمانينات كانت الجزائر تعيش أحادية مقيتة في صحافتها علي عكس جارتيها الشرقية والغربية آنذاك إلا أنها طوال عشرية التسعينات وبداية القرن الجديد تفوقت الجزائر بوضوح صارخ عن كل من تونس التي تراجعت كثيرا إلي الوراء وعن المغرب التي ظلت تراوح مكانها مع بعض الانتكاسات ومن المؤسف جدا أن تشرع الجزائر في الرجوع إلي القهقري، حتي وإن كان ذلك عبر حوادث محدودة إلي حد الآن، لكن دلالتها قوية ولا بد من إطلاق صفارة الإنذار من الآن قبل أن تأتي بعد فوات الأوان.