جاذبية الإسلام

 

 

 

بقلم: د. محمد الهاشمي الحامدي

 

ليس من المبالغة في شىء أن يقرر الباحث الموضوعي المنصف أن الإسلام هو أكثر الأديان تعرضا للإتهام والتشكيك والثلب والتجريح، ليس فقط منذ سنتين أو ثلاثة، لكن على الأقل منذ قرنين أو ثلاثة.

 

إذا تجاوزنا حروب الفرنجة أو الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي فيما يسميه الأوروبيون بالقرون الوسطى، فإن الحروب الأوروبية الإستعمارية ضد العالم الإسلامي، والتي بدأت بحملة نابليون بونابارت علي مصر في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، وتطورت خلال القرن التاسع عشر الى احتلال مباشر لأكثر الدول الإسلامية، واستمرت في أجزاء كبيرة من القرن العشرين، ومازالت مستمرة في بداية القرن الحادي والعشرين: كل هذه الحروب الإستعمارية كانت في وجه رئيسي من وجوهها حربا على الإسلام. كانت حربا على عقائده وتشريعاته وتراثه وتاريخه وعلى صلاحيته للبقاء، وحربا على نبي الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

 

إن من يدرس تاريخ هذه الحرب يحق له أن يقول أن معجزة الإسلام ليست فقط القرآن الكريم والنجاح الباهر للرسول محمد عليه الصلاة السلام في تبليغ الرسالة للعالمين، وإنما هي أيضا بقاء الإسلام وصموده واحتفاظه بجاذبيته القوية رغم كل الحروب التي استهدفته في القرون الثلاثة الماضية ولم تتوقف لحد هذه المرحلة.

 

المرحلة التي نتحدث عنها اليوم، في الربع الأول من القرن الخامس عشر للهجرة وفي مطلع الألفية الميلادية الثالثة، مرحلة معقدة وحرجة بالنسبة للإسلام وأهله. إذ لا يكاد يمر يوم واحد من دون أن تنشر وسائل الإعلام في شرق المعمورة وغربها خبرا يربط الإسلام بالعنف والإرهاب هنا أو هناك. ولا يكاد يمر يوم من دون أن يتعرض مسلم في الشرق أو الغرب للمضايقة أو للظلم بسبب انتمائه الديني. ولا يكاد يمر شهر أو شهران من دون أن يصدر تشريع ما، في الغرب أو الشرق، يؤدي في النهاية الى التضييق على الحريات الدينية للمسلمين.

 

الحجاب الذي قبلت به المرأة المسلمة توجيها دينيا عن حرية وطواعية أصبح خطرا على الإستقرار في بعض البلدان، بمباركة محزنة من المحكمة الأروبية لحقوق الإنسان. ومناهج التعليم التي تؤمن لأبناء المسلمين المعلومات الضرورية عن دينهم غدت هدفا مشروعا لدول ومنظمات وشخصيات غير مسلمة، ولنزعات متطرفة في خصومتها للمبادئ الإسلامية، نزعات تتصيد أخطاء هذه المناهج في فقرة هنا وفقرة هناك من أجل أن تصادرها جملة وتفصيلا في نهاية المطاف.

 

إن على الباحث المنصف وطالب الحقيقة أينما كان، في مدينة أمريكية أو أروبية أو آسياوية أو أفريقية، ومهما كان دينه ومركزه الإجتماعي، ومن أحزاب السلطة كان أو من أحزاب المعارضة، أن يضع نفسه أو دينه في الموقع الذي يوجد فيه الإسلام اليوم، ليعرف حجم الحملة التي يواجهها هذا الدين ومعتنقوه اليوم ومنذ ثلاثة قرون على الأقل.

 

وعليه أيضا أن يكتشف شراسة الحملة التي يواجهها الإسلام من أقلية متطرفة متشددة من الكتاب والساسة المسلمين في كل الدول العربية والإسلامية. ففي كثير من هذه البلدان لا يسمح أبدا بنقد الحاكم، أما التجريح في الإسلام، والإنتقاد العنيف لتشريعاته ونصوصه التأسيسية في القرآن الكريم وفي الأحاديث الصحيحة لنبيه صلى الله عليه وسلم، فأمر متاح بدون قيود، وبتشجيع معلن ومبطن من السلطات. وغالبا ما يسمح لهؤلاء المتطرفين الذين تخلى أكثرهم عن أداء أركان الإسلام المعروفة، مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج، والذين يقفون في الغالب علنا أو بشكل مبطن مع الديكتاتورية والإستبداد، غالبا ما يسمح لهم بالهيمنة على الساحة الفكرية والثقافية والإعلامية في بلدانهم، مع التضييق الشديد والمتعمد على العلماء المسلمين القادرين على الدفاع عن عقائد الإسلام وتشريعاته.

 

هذه كلها وجوه لما يصح أن نسميه بحملة شرسة ضد الإسلام. إنها حملة دينية وسياسية وقانونية وثقافية وتعليمية وإعلامية. وقد يسميها البعض حربا لا حملة، لكن العبرة بالمضمون لا بالتسميات.

 

صحيح أن ما فعلته قلة من المجرمين أو الإرهابيين المسلمين في السنوات الماضية وفر غطاء ومبررا لتجدد الحملة على الإسلام في أنحاء كثيرة من العالم، علما بأن هذه الحملة قديمة جدا كما ذكرنا وليس صحيحا أبدا أنها بدأت بعد الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001 .

 

ورغم أن الأغلبية الساحقة والمطلقة من أبناء الإسلام وعلمائه وساسته وكتابه وشعرائه وأدبائه أدانوا الأعمال الإرهابية التي ارتكبها تنظيم القاعدة، أو التي تبنتها جماعات أخرى تنسب نفسها للإسلام، رغم ذلك، فإن التيار الغالب في السياسة والإعلام، في الغرب خاصة وفي أنحاء أخرى كثيرة من العالم، يميل الى تجاهل هذه الإدانة ويميل الى تجريم الإسلام نفسه واتهام عقائده وتشريعاته.

 

والغريب أن الإسلام وحده يعامل بمثل هذه المعاملة. فالتفجيرات الإرهابية لنمور التاميل لا تنسب لدينهم أو ثقافتهم. وتفجيرات الجيش الجمهوري الإيرلندي لم تنسب للكاثوليكية. والأعمال الإرهابية التي لم يرتكبها مسلمون ووقعت في الولايات المتحدة ودول أخرى لم تنسب لثقافة مسيحية أو رأسمالية أو غيرها.

 

وحده الإسلام مطالب بأن يدخل قفص الإتهام قهرا بسبب جرائم مجموعة قليلة جدا من المنتسبين له، مجموعة متشددة متعصبة سعت الى خطف الإسلام وفرض نفسها في صفة المتحدث باسمه، فتصدت لها الأمة الإسلامية ونبذتها، وتصدى لها علماء الإسلام وأدانوها دون تردد وتبرؤوا منها ومن أفعالها المنكرة الخسيسة.

 

ومما يزيد من حزن المسلم واستيائه واستغرابه من هذه المعاملة، الحقائق الناصعة الأخرى التي توجب على متزعمي الحملة على الإسلام اليوم أن يكونوا أكثر تواضعا وإنصافا.

 

فالإسلام المتهم بالتعصب والتشدد وتشجيع النزعات الإرهابية لم يكن وراء أي كارثة من كوارث العصر الكبرى في القرن العشرين على سبيل المثال. لم يكن الإسلام سببا في إشعال الحرب العالمية الأولى أو الحرب العالمية الثانية، وهما حربان قتل فيهما عشرات الملاين من الناس. ولم يكن للإسلام صلة بجريمة القرن الماضي المروعة، جريمة الهولوكوست التي قتل فيها ملايين البشر بسبب اعتناقهم للديانة اليهودية. ولم يدعم الإسلام من قريب أو من بعيد نظم التمييز العنصري التي قامت في أفريقيا وشرعت للتمييز بين البشر على أساس اللون. كما لم يكن للإسلام علاقة بأي من الكوارث النووية الهائلة التي شهدها القرن الماضي.

 

مع كل هذا فإن الإسلام وحده يهاجم اليوم بشراسة وعنف كأنه هو المسؤول عن هذه الأعمال الشنيعة في تاريخ البشرية وفي تاريخ أصحابها. وممن يهاجم الإسلام في أغلب الأحيان؟ من أولئك الذين لا يحبون أن يسألوا أبدا عن جرائم القرن الماضي المروعة أو يطلب منهم تحديد هوية المسؤولين عنها.

 

غير أن هذه السطور التي ينوي كاتبها أن تكون مقدمة كتاب موضوعي مفيد ينشر باللغات العربية والانجليزية والفرنسية، ليس من أهدافها أن تتوقف عند رثاء أوضاع الإسلام والمسلمين بسبب الحملة التي يتعرض لها الطرفان منذ مدة طويلة.

 

على العكس من ذلك تماما، تهتم هذه الأطروحة بالبحث في أسباب صمود الإسلام الأسطوري في وجه الحملات العاتية التي استهدفته وما زالت تستهدفه، وتسعى للكشف عن سر احتفاظ الإسلام بجاذبيته الآسرة لمئات الملايين من معتنقيه، ولعشرات الألوف من الوافدين الجدد الى خيمته.

 

جاذبية الإسلام التي تجعله بوابة السعادة والأمن والإستقرار النفسي والعائلي والحرية لأكثر من مليار إنسان، هي موضوع هذه الأطروحة، وأملي أن أتوصل الى فك الغازها من خلال بحث علمي نزيه، ثم عرضها بلغة جميلة وسهلة في آن واحد.

 

أما الجمهور الذي تتوجه اليه هذه الأطروحة فإنه أبعد من الأكاديميين وطلاب الجامعات، وإن كان الأمل قويا بأن ينتهي هذا الجهد الى تقديم مرجع أساسي لكل الباحثين الأكاديميين في الشأن الإسلامي.

 

هذا الكتاب موجه أيضا الى مئات الملايين من النساء والرجال الطيبين الباحثين عن الحقيقة في العواصم الكبرى وفي المدن والأرياف في الغرب والشرق، في الشمال والجنوب، والذين لا يريدون أن تكون وسائل الإعلام الشعبية مصدرهم الوحيد لمعرفة الإسلام وأهله.

 

والكتاب موجه لعموم المسلمين طبعا في كل مكان، وخاصة للشباب منهم، مهما كانت جنسياتهم ولغاتهم وبلدانهم، لأنه يبحث في سر الجاذبية التي تبني أساسا قويا راسخا لرابطة نبيلة لا تنقطع بين فلاح في السينغال ومهندس في أندونيسيا، وبين طبيبة في جنوب أفريقيا وربة منزل في أوزبكستان.

 

كما أنه كتاب موجه لصناع القرار في الأحزاب والحكومات في كل أنحاء العالم، لأن فهم الإسلام على حقيقته ومعرفة أسرار جاذبيته، لم يعد ترفا فكريا لا مبرر له أو شأنا ثانويا يضيق به وقت الملوك والرؤساء والوزراء. لقدا غدا هذا الأمر اليوم شأنا يتصل مباشرة بالسلام العالمي، وبالجهود المبذولة لتجنيب العالم خطر الدخول في حروب دامية باسم الدين أو باسم صراع الحضارات.

 

الإسلام في اللغة الغربية مصطلح متصل بالسلام. وتحية الإسلام التي يلقيها المسلم على كل إنسان ويقرأها في صلاته خمس مرات في اليوم هي السلام.

 

والسلام هو ما يحتاجه عالمنا، من أجل أن يعيش اليهودي والمسيحي والمسلم والبوذي والهندوسي وغيرهم من أتباع الديانات والعقائد الأخرى في وئام وسلام، يتعاونون على بناء الحضارة وإسعاد أنفسهم وأبنائهم، ويتنافسون في خدمة الله الواحد الأحد، الذي خاطبهم جميعا في القرآن الكريم بقوله: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله علمي خبير". (الحجرات: 13).

 

إن هذه الأطروحة تطمح الى أن تصب في هدف التعارف الذي حث القرآن الكريم عليه بني البشر. ومنذ عدة سنوات، أتاحت لي أجواء مدينتي الجميلة، لندن، أن أبذل جهودا متنوعة في هذا الإطار. لذلك أسست مجلة "الديبلوماسي" للحوار بين الثقافات والحضارات باللغتين العربية والانجليزية عام 1996، وعقدت ندوة كبرى لهذا الغرض في نفس العام. وفي يناير 1997 نظمت أول ندوة من نوعها للحوار بين المسلمين واليهود. ثم نقلت هذه الحوارات الى الملايين من مشاهدي قناة المستقلة الفضائية التي تبث برامجها في العالم العربي وأروبا وأجزاء من أفريقيا وآسيا، فأدرت حوارات عديدة بين الكتاب والساسة العرب والأمريكيين، واستضفت أول ندوة تلفزيونية من أجل الحوار والتفاهم بين اليهود والمسلمين، ورسخت هذا كله عام 2004 من خلال برنامجي التلفزيوني الجديد "آل إبراهيم"، الذي يدور فيه الحوار بشكل شهري بين علماء اليهودية والإسلام والمسيحية، لبيان الأرضية المشتركة بينهم، وبحث سبل توسيع هذه الأرضية، والتعرف على المنهج الأفضل للتعامل مع الخلافات من دون عنف أو حروب.

 

جاذبية الإسلام تبدو لي في بدايات هذا البحث رديفة لجاذبية السلام والمودة والأخوة بين بني البشر. وآمل أن أثبت هذا بالأدلة المقنعة والحجج القوية عندما أكتب السطر الأخير من هذه الأطروحة. (يتبع)