المحاكمة وتناقضاتها . .

 

 

 

بقلم محسن خليل

 

لا يتيح أي مفهوم قانوني أطلاق وصف المحكمة على تلك المهزلة التي سميت محاكمة الرئيس صدام حسين ، فالقاضي عراقي ولكن مذكرة الاتهام أمريكية ، والمحكمة أقيمت في العراق ولكن الولاية عليها للولايات المتحدة ، والمعلن أن الرئيس صدام حسين قد سلم للحكومة الانتقالية ولكنه بقي في عهدة قوات الاحتلال .والتوقيت الزمني لبدء المحاكمة تقرر أن يكون بعد نقل السيادة بيومين لتأكيد الصفة العراقية للمحكمة ، ولكن قرار تشكيل المحكمة الذي كان بريمر قد أصدره ظل نافذ المفعول وملزم للحكومة الانتقالية..

 

هذه محكمة صعبة التصنيف أو التوصيف فلا هي محكمة دولية لأنها لم تعتمد القانون الدولي ، ولا هي محكمة عراقية لبقاء الولاية الامريكية عليها.وأن صح أن الحكومة الانتقالية أختارت القانون العراقي كما قال قاضي التحقيق ، لتوجب اذن على أقطاب الحكومة العراقية أن يغادروا العراق ويتركوا أمر المحاكمة والمحكمة للشعب العراقي ، ذلك أن الدستور العراقي قد تبنى منذ العهد الملكي مبدأ عدم السماح بأزدواج الجنسية ، وقرر أن من يحصل على جنسية أجنبية يفقد جنسيته العراقية ولا يحق له تسنم مواقع المسؤولية العليا في الدولة . وحيث أن أقطاب الحكم الحالي يحملون الجنسيات الامريكية والبريطانية ، فلا يجوز لهم تسلم أي مسؤولية رسمية طالما أن القانون العراقي هو المعتمد في أدارة شؤون الدولة كما قال قاضي التحقيق وكما يكرر رئيس الوزراء ذلك ،أما رئيس المحكمة سالم الجلبي فهو الآخر يحمل الجنسية الامريكية ويحتفظ أضافة لذلك بعلاقات صداقة وشراكة عمل مع مارك زيل أحد غلاة الصهاينة وذكرت بعض الصحف ان لديه مكتبا في أسرائيل . والمعروف أن العراق من الناحية القانونية ما يزال في حالة حرب مع أسرائيل فكيف تستقيم رئاسة الجلبي للمحكمة؟ في هذه الحالة وطبقا للقانون العراقي يجب أن يخضع سالم الجلبي نفسه للمحاكمة بتهمة التعامل أو التخابرمع دولة عدوة ماتزال في حالة حرب مع العراق..

 

طبعا لايجهل الامريكان التناقضات الموجودة في صيغ تشكيل المحكمة وصفتها وقضاتها واسسها القانونية لكنهم غير معنيون بهذه الامور،لأن الذي يعنيهم هو كيف يحمون الاحتلال من المقاومة وهذا ما جعلهم يستعجلون عقد المحكمة وتقديم الرئيس صدام حسين للمحاكمة ، كجزء من سياسة الهروب التي بدأوا يعدون لها منذ أن قرروا نقل السلطة الى وكلاء لهم من العراقيين في تشرين الثاني 2003 ، فأرادوا بقرار المحاكمة أن يسهلوا مهمة بوش بأقناع قادة دول حلف الاطلسي لارسال قوات الى العراق لذلك حرصوا أن يكون أنتقال السيادة الى الحكومة الانتقالية عشية أنعقاد قمة دول الاطلسي في تركيا وقدموا موعد نقلها يومين وقرنوها بالمحاكمة .

 

ويجب أن لا نتجاهل التحول في الموقف الامريكي أزاء دول أوربا التي عارضت الحرب على العراق ، الامر الذي قد يولد توليفة جديدة لأحتلال متعدد الاطراف أمريكي – أوربي للعراق وليس أحتلالا أمريكيا كما اراد اليمين الامريكي. وكل ذلك يتم للتغطية على حالة أنهيار معنويات القوات الامريكية،ولتقليل نزيف الخسائر بين صفوفها. الادارة الامريكية تدرك الآن أن أحتلالها للعراق شيء وفرض سيطرتها عليه شيء آخر ، وأن هذا الوضع أذا طال أمده سيجعل الجدوى الاقتصادية والاستراتيجية لأحتلال العراق متدنية وقد تتحول الى قيمة سالبة بصورة مطلقة ، لا سيما أذا أرتفعت الخسائر الامريكية من الارقام الفردية الى أرقام مزدوجة وهو ما يتوقع أن تشهده الاشهر القادمة .