من الاسلاموفوبيا.. الى النازية والصهيونية!

 

 

 

بقلم : صلاح الدين حافظ

 

بعد اوسع واقوى حملة علاقات عامة، دفاعا عن سياسته الخارجية، المتورطة في اكثر من ازمة، عاد الرئيس الامريكي جورج بوش الابن، الى حاضرة ملكه وعاجة امبراطوريته. ليواجه ازمات اخرى متفجرة في الداخل الامريكي، هي الاكثر تأثيرا على مستقبله الرئاسي..

فقد بقيت امامه اربعة اشهر فحسب، هي مهلته الاخيرة في الربع ساعة الاخير، قبل ان تجرى الانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم، فإما الى تجديد فترته الثانية، وما الى مزرعته في تكساس، الى جوار ابيه الرئيس الاسبق جورج بوش الاب، الذي حرمه الشاب المرشح الديمقراطي بيل كلينتون في انتخابات عام 1993 من تجديد فترته الرئاسية الثانية!

ولا شك ان شبح فشل الوالد، يلقي بهاجسه على محاولة الابن الراهنة، مع الفارق في الظروف، فقد فشل الاب امام كلينتون، بينما كان هو في زهو مجده وعز انتصاره، بعد حرب تحرير الكويت من ازمة غزو العراق لها عامي 1990-،1991 وبعد نجاحه في تنظيم مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط، لكن اسرائيل واللوبي الصهيوني في امريكا، رأى وقتها انه لم يكن متحمسا ولا مساندا لاسرائيل بما فيه الكفاية، فانحاز الى منافسه كلينتون...

الآن.. عاد بوش الابن عن علاقاته العامة في الخارج، ليواجه الحقائق المتغيرة على خريطة الانتخابات التي يخوضها بعد اربعة اشهر في مواجهة منافس شرس وثري وقوي، هو جون كيري المرشح الديمقراطي، الذي استطاع ان يكسب ارضا شعبية واسعة، على حساب الرئيس المأزوم المتورط في اكثر من معركة خارجية...

والمراقب القريب لهذا السيرك الانتخابي المثير، يلاحظ ان كيري قد نجح في ان يحول اوراق وعوامل الانتصار التي يقول بوش انه حققها، الى اوراق ضغط وضعف، ويفقدها بريقها عند الناخب الامريكي العادي، خصوصا من اصحاب »الاصوات الطافية« وغير المحددة الاتجاه، اي غير المرتبطة تنظيميا بحزب او مؤسسة او تنظيم سياسي ديمقراطي.

هكذا فاجأ كيري، الرئىس بوش بتحولات مهمة في توجهات الناخبين، بفضل قوة ادائه وضعف مواقف بوش، كشفت عنها احدث استطلاعات الرأي وهي هنا مهمة وموثوق بنزاهتها الى حد كبير اذ اظهر احدها قبل ايام تفوق كيري بنسبة 57% مقابل 43% لبوش، تدنت النسبة الاخيرة في استطلاع آخر الى 41% فقط، بينما كان بوش يتمتع بأعلى نسبة تأييد في التاريخ الامريكي، تعدت نسبة 90% بعد شنه ما اسماه الحرب العالمية ضد الارهاب، وغزوه افغانستان، بعيد الهجمات الدامية على نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001م.

ولقد لاحظنا من خلال متابعة لصيقة، ان كيري المرشح الديمقراطي، الذي بالمناسبة يزايد على بوش في دعمه المطلق لاسرائيل، وخصوصا ان جذوره العائلية يهودية، يكتسب كل يوم تأييدا جديدا من دوائر ليبرالية واسعة التأثير، ابتداء من جريدة »نيويورك تايمز« وانتهاء بعدد كبير ومحترم من حاملي جائزة نوبل، مرورا بمئات من الاكاديميين والدبلوماسيين والعسكريين السابقين، الذين وجهوا عشرات من عرائض الاتهام لبوش وعرائض التأييد لكيري، الامر الذي اثر ويؤثر لا شك في توجهات الناخبين.

بينما لا يزال بوش متمترسا في مصيدة الدائرة الضيقة من حلفائه ومستشاريه الاقربين، جماعة المحافظين الجدد »المتصهينين« امثال ديك تشيني نائبه، ورامسفيلد وزير الدفاع، وولفوفيتز نائبه، وريتشارد بيرل، ودوجلاس فايث، وايليوت ابرامز، وجون بولتون، وديفيد وورمرز، فضلا عن محطة فوكس التلفزيونية الناطقة باسمهم، وجميعهم ينطقون باسم اقصى يمين الليكود الصهيوني في اسرائيل وخارجها!

***

ورغم ان السياسة الداخلية، وخصوصا الاوضاع الاقتصادية والضرائب والعجز والبطالة والتأمين الاجتماعي والصحة، وهي جوهر اهتمام الناخب الامريكي، هي التي ستقرر الرئيس الامريكي القادم، اذ سيطرت على الرؤساء السابقين، إلا أن ازمات بوش العالمية، وعودة سياسته الخارجية في اكثر من ازمة سياسية في افغانستان والعراق فضلا عن ازمته الاخيرة في السودان، قد اضعفت وضعه الانتخابي الى حد الانهيار، في فشل واضح في اكثر من اتجاه...

لقد تسرع في ظل دراماتيكية هجمات سبتمبر الدامية، في توسيع دائرة عداواته، فلم يكتف بملاحقة مرتكبي هذه الهجمات فقط، ولكنه اشعل حربا ضد الاسلام، فجرت براكين الغضب والكراهية على الناحيتين، فازدادت فوبيا العداء الامريكي لكل ما هو اسلامي وعربي، فالاسلام هو العدو الجديد المقصود تدميرة بالقوة العسكرية الساحقة الماحقة، وصارت »الاسلاموفوبيا« هي الركيزة، بينما على الناحية الأخرى فجرت حروب بوش من افغانستان الى العراق، والهجوم الكاسح لشارون وسياسته الابادية العنصرية، موجات متلاحقة من الكراهية لأمريكا في العالمين العربي والاسلامي، وفي كل الاحوال لم يكسب بوش المعركة!!

وفي حين جاء بوش وفاخر بأنه بسياسة القوة الساحقة، اصبحت امريكا آمنة، واصبح العالم اكثر امنا من الارهاب، بعد الاطاحة بطالبان في افغانستان وصدام حسين في العراق، فإن الواقع يقول ان العمليات الارهابية ازدادت عنتاً وعدداً ونوعية وامتدت الى مناطق اخرى، لم تكن تعرفها، كما هو الحال في السعودية ودول الخليج، بل وبمدريد العاصمة الاسبانية في قلب اوروبا..

وبينما جاهر بوش وفاخر، بأنه يقوم وادارته وفق سياسة المحافظين الجدد انصار الليكود الاسرائيلي واعضاء اللوبي الصهيوني النافذ، بحرب شريفة عادلة تمثل انتصار الخير على الشر، والايمان على الكفر، والاخلاق والقيم السماوية على العنف والتطرف، جاءته الضربة القاضية بتفجر فضائح تعذيب جنوده للاسرى والمعتقلين العرب والمسلمين، من سجون »جوانتنامو« الى سجون »ابو غريب«، لتبطل وتفاقم حقيقة الرسالة السماوية والحرب الصليبية والالهام الالهي، الذي زعمه هو ومستشاروه ومورطوه، فإذا الجميع عرايا من كل القيم!

وبينما كان من اهم اسرار »القوة الامريكية الغلابة« منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، هو المتحالف القوي عبر الاطلنطي على اوروبا القديمة، تعرضت هذه لهجمات سياسية واعلامية من مناصريه ومعاونيه، من نوع لقد انتهت اوروبا القديمة، واوروبا العجوز، من يكون شيراك او شرودر، لا لشيء سوى ان اوروبا هذه لم تلهث معه في طريق الحروب غير المبررة، وغير المشروعة وغير العادلة، الخارجة على الشرعية الدولية، بعد ان سقطت المبررات الامريكية، من اسلحة التدمير الشامل، الى علاقة صدام ببن لادن وقاعدته!

***

هنا بدأ سوس الخلاف والاختلاف ينخر في جسد التحالف عبر الاطلسي، ومن ثم بدأت دول أخرى مثل الصين وروسيا، تلعب في الساحة، لتستعيد دورا غائباً او لتؤكد دورا قادما، بينما وقعت الخسارة الفادحة بامريكا، من جانب أقرب الحلفاء، اضافة الى الخسارة الأخرى التي جاءت من رفض دول عربية اساسية مثل مصر والسعودية وسوريا، للسياسات الامريكية الشرسة، سواء: تعميم الحرب ضد الاسلام باسم مكافحة الارهاب، او بغزو العراق ومن قبله افغانستان، او باعطاء شارون تعهدات مكتوبة تحولت في الاسبوع الماضي الى قانون من الكونجرس - تسقط الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، التي كفلتها قرارات الأمم المتحدة، مثل القرارات ،181 ،194 ،242 338 وغيرها، ناهيك بالطبع عن الرفض الرسمي العربي لخطة واشنطن بفرض الاصلاح، عن طريق تغيير النظم الحاكمة والسياسات السائدة، مما أعاد التذكير بمواقف امريكا السابقة، من شاه ايران وماركوس الفلبين وغيرهما!!

وفي ضوء كل ذلك الاضطهاد الجاد، داخل المزاج الامريكي، وسط لهيب معركة الانتخابات الرئاسية الوشيكة، التي تلعب فيها اسرائيل ومنظمات اللوبي الصهيوني دورا مؤثرا، في ظل غياب عربي فعال، كان طبيعيا، ان تطل النازية الهتلرية بوجهها القبيح من جديد في الساحة العراكية الامريكية الداخلية..

فقد تبادل خبراء ومواقع الحملات الانتخابية، لكل من بوش والمرشح الديموقراطي المنافس جون كيري الاتهامات بالنازية، وصدرت شرائط وزع الملايين منها، تمثل بوش بهتلر، وأخرى مناقضة تمثل كيري بالزعيم النازي، وهو الذي تعرضت اسرته النمساوية الاصل للهولوكست النازي إبان الحرب العالمية الثانية.

وبين سياسات بوش ومغامراته العسكرية الخارجية، التي قتلت آلاف الضحايا واستنزفت مئات البلايين من دولارات الشعب الامريكي بالحروب النازية وتشبيه دعايات كيري وادعاءات مناصريه بالدعايات النازية ذاتها، لعبت آلة الدعاية الصهيونية لعبتها القبيحة في ايقاع الطرفين والشعب الامريكي كله في مأزق سياسي واخلاقي تاريخي جديد، سوف تستمر آثاره لفترات قادمة، حتى فيما بعد الانتخابات، بينما تستثمره هي في استجلاب مزيد من الدعم لاسرائيل الباغية او مزيد من العداء للعرب الفاضلين...

الآن.. اقتربت الساعة، وعاد الرئيس بوش من حملة علاقاته الخارجية، بعد تنظيمه وجنوده ثلاث قمم خلال ثلاثة اسابيع، هي قمة الدول الصناعية الثماني التي استضافها في ولاية جورجيا، ثم قمة التحالف الاوروبي الامريكي في ايرلندا، وأخيراً قمة حلف الاطلنطي في اسطنبول التركية، وقد حاول فيها لملمة التحالف الامريكي الغربي من جديد، بعد ان كاد ينفرط فكيف سترضى اوروبا الغاضبة، وحاول استجداء دور فاعل للحلف الاطلنطي في العراق، ليخفف الغضب الامريكي من الاعباء المتزايدة والضحايا المتكاثرة، واجتهد في تخفيف الهواجس العربية والاسلامية، ترويضا وتخفيفا لموجات كراهية امريكا، الممتدة من السودان الى افغانستان..

لكن ذلك كله لن ينفعه وحده، فمن ازمته الداخلية، التي تدهورت فيها الحالة الاقتصادية، ينفعه بعدما درّت ازدهاراً اقتصادياً معروفاً من سلفة الديموقراطي الرئيس كلينتون.. معركته الحقيقية التي قد تبقيه في البيت الابيض لسنوات اربع قادمة، او قد تلقيه وتبعده الى مزرعته الى جوار ابيه في تكساس، هي تركه الداخل وازماته...

وهذا هو المغزى لكل من يقرأ ويستوعب ويفهم، مغامرات الخارج ومناوراته، لا تحل ولا تغطي على ازمات الداخل، حتى بالنسبة لأكبر قوة عظمى عرفها التاريخ، فما بالكم بأصغر القوى واقل الدول!!

***

خير الكلام، قالوا:

لو دامت لغيرك ما وصلت اليك!