اغتيالات وتصفيات في غزة

 

 

 

بقلم :نضال حمد

 

من جديد تعلو المسرح الفلسطيني في قطاع غزة صورة إرهابية قاتمة، تعبر عن عجز السلطة الفلسطينية حتى عن حماية مستشاري رئيسها، كما تعبر عن خطورة الانفلاش والانفلات والفوضى الأمنية في غزة. فقطعان الارهابيين من عصابات الصراع على مراكز القوة والقرار تواصل ارسال رسائل الترهيب الهمجية والدموية، وهذه العملية البشعة تعتبر رسالة سوداء جديدة مفادها ان الرصاص والاغتيال والعدوان على الصحافة ووسائل الاعلام وشطب رموزهم هو الخيار الجديد لقطعان "الهمج" في القطاع المحاصر.

 

تأتي عملية اغتيال الزميل الصحفي خليل الزبن رئيس تحرير مجلة النشرة الشهرية لتؤكد خطورة ما يحدث في القطاع. فقد تعرض الرجل يوم امس ليلا للاغتيال بالرصاص ، إذ فتح مسلحون النار عليه فأصابوه بعدة طلقات نارية أدت ألى استشهاده فور وصوله الى مشفى الشفاء في القطاع. يبلغ الزبن من العمر 59 عاما ويعمل مستشارا للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لشئون حقوق الانسان والمنظمات الأهلية، مما يعني ان اغتياله يعد بمثابة رسالة مباشرة للرئيس الفلسطيني وتحدي خطير وجدي لهيبته ومكانته.

 

 

لقد كان خليل الزبن من المعروفين بولائهم المطلق للرئيس الفلسطيني واختصت مجلته الشهرية النشرة بموضوع حقوق السجناء الفلسطينيين في سجون الاحتلال الاسرائيلي وكذلك في بعض السجون العربية، ولم تكن النشرة سوى مجلة تعكس ما تريد قوله السلطة الفلسطينية ورئيسها دون الإفصاح عنه رسميا. وقد لعبت في أوقات سابقة دورا كبيرا في تعتيم صورة بعض فصائل المعارضة الفلسطينية، وكان للمرحوم مواقف من المعارضة الفلسطينية ترجمها بكتابات قاسية ضدها على صفحات نشرته. لكن هذا لا يعني ان نغض الطرف عن جريمة الاغتيال ونهج القتل والشطب.. لا لهذه الممارسات وتلك اللغة الإرهابية المرفوضة بتاتا.

 

 

ان اغتيال الزميل خليل الزبن يثير تساؤلات كثيرة حول حرية الصحافة وحقوق الاعلاميين في قطاع غزة، فمنذ فترة طويلة تتعرض المكاتب الاعلامية والصحافية ومراسلوها لاعتداءات همجية ، لكن هذه المرة وصلت الأمور حدّ التصفيات الجسدية والاغتيال، مما يعني ان الوضع الأمني الغزاوي يسير نحو الكارثة ويتجه نحو بيرتة قاتمة ( من- بيروت – زمن الحرب الأهلية ) و جنونية قد تجعل أحلام الغزاويين كوابيس مرعبة.

 

 

عملية اغتيال خليل الزبن التي تأتي بعد كل الاعتداءات السابقة على وسائل الاعلام وآخرها العدوان على مكاتب التلفزيون الفلسطيني في القطاع، تجعلنا نسأل دونما توقف : هل لهذه الاعمال علاقة بما يطرح عن احتمال انسحاب اسرائيلي من القطاع و امكانية ايجاد دور مصري في غزة؟، خاصة ان السلطة الفلسطينية تعاني من انهيار تام في مؤسساتها واجهزتها ،كما أنه لا يخفى على احد ان السبب المباشر للانهيارات في السلطة هو الاحتلال والعدوان والسبب الغير مباشر هو الفساد والشللية والمحسوبيات والمناطقية والفئوية وطبيعة تلك الأجهزة وخاصة الأمنية منها، حيث انها لم تولد كي تكون لحماية شعب فلسطين بل للضغط عليه وقمعه.

 

حادثة اغتيال خليل الزبن تعيد للأذهان زمن الاغتيالات التي استهدفت الكوادر الفلسطينية التي كانت تقود الاجنحة العسكرية لحماس والجهاد وغيرها. مما يدل على ان هناك خطة مبرمجة لقمع الاصوات وتكميم الأفواه، خاصة اننا على ابواب مرحلة خطيرة في الساحة الفلسطينية، فالمعارضة الفلسطينية تقف بلا برنامج خلاص وطني، وفتح تشهد انقسامات حادة ولا برنامج سياسي او تفاوضي او ميداني لتلك الحركة التي تقود السلطة وتعتبر اكبر تنظيم فلسطيني على الأرض. كما أن هناك تطورات قد تحدث في اية لحظة عبر انسحاب اسرائيلي مفاجئ من بعض الاماكن في القطاع. هنا يكمن الخوف من حدوث فوضى كبيرة قد تتسبب في تكرار مثل حادثة الأمس بشكل جماعي أي عدوان شامل على الصحافة ووسائل الاعلام، يترافق مع عمليات تصفية حساب بين الأجنحة السلطوية في الأجهزة الأمنية وبين فئات في فتح نفسها أو حتى مع بعض القوى المعارضة، خاصة ان تصريحات الرجوب لازالت ساخنة وتطن في الآذان، ولم نسمع أي ادانة او نفي لها من قبل المسئولين عنه.

 

اغتيال الزميل الصحفي خليل الزبن ليس سوى عملية همجية وحشية تظهر الوجه القبيح لأعداء السلم والأمن في المجتمع الفلسطيني، التواق بدوره للراحة والهدوء والأمن والسلم المفقودين منذ زمن طويل. وهي بالتأكيد عملية جبانة وارهابية سوف تترك آثارها وبصماتها على الوضع في القطاع. وأن دلت على شيء انما تدل على إفلاس الذين ينحون هذا المنحى في تصفية حساباتهم.