إصلاح الذات أولاً..

 

 

 

بقلم :د.نورة السعد

nora_23@anet.net.sa 

 

"في النظام الإسلامي تتوحد عناصر الدين والتنظيم السياسي والاجتماعي جميعاً".

هذه عبارات من تحليل السيد علي عزت بيغوفيتش الرئيس السابق لجمهورية البوسنة وهو الذي ألف العديد من الكتب التي تتحدث عن أثر الإسلام في تقدم الفرد والمجتمع وما هي عوائق النهضة الإسلامية..

يربط في مقالة له عن (التربية طريق التغير الحضاري) بين الثبات الأخلاقي ودوره في النهوض الحضاري وعلى العكس (الانهيار الأخلاقي) ودوره في الهزيمة على المستوى الإنساني ثم الحضاري.

يتحدث عن الواقع الذي يعيشه المسلمون اليوم والحالة المعنوية للعالم الإسلامي.. هذا الواقع الذي ينتشر فيه الانحراف وسيطرة الفساد والخرافة والكسل والنفاق وسيادة التقاليد والعادات غير الإسلامية، وترسخ المادية، والغياب المذهل للحماسة والأمل..

ويتساءل إذا كان بالإمكان البدء بأي نوع من الإصلاح الاجتماعي أو السياسي مباشرة في مثل هذه الظروف؟ حيث إنه على كل أمة - قبل دعوتها لأداء دورها في التاريخ - أن تحيا فترة من التطهير "الجوّاني" والتسليم العملي بمبادئ أخلاقية أساسية معينة.

"إن كل قوة في العالم تبدأ بثبات أخلاقي، وكل هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقي" وهذه الحقيقة تثبتها دراسات كل من ألف مجلدات في الدورة الحضارية ابتداء من ابن خلدون ومروراً بشبنجلر وبتيريم سوروكن.. فالعلاقة بين المبدأ الأخلاقي وبناء الحضارة وكيف تسيطر على مجريات الحياة وكيف ترتقي بالمجتمعات إلى المستوى الحضاري.. ثم كيف في انهيارهما تنهار الحضارة في جانبها المعنوي وتبقى في جانبها المادي الذي لا يقوى على الصمود!!

يقول علي عزت بيغوفيتش: (كل ما يراد تحقيقه لابد أن نبدأ بتحقيقه أولاً في أنفس الناس.. فعندما تذكر الصحوة الدينية كمطلب أساسي للنظام الإسلامي.. فذاك لأن الصحوة الدينية هي وعي واضح بالغاية الحقيقية للحياة لمَ نحيا؟ ولأجل أي هدف نحيا؟ وهل هذا الهدف شخصي أم هدف مشترك؟ هل يتعلق الهدف بعظمة العنصر (الذي أنتمى إليه)؟ أم بمجد الأمة؟ أم هو تأكيد شخصيتي الفردية؟ أم هو هيمنة شريعة الله على الأرض؟

ثم يشرح ماذا تعني الصحوة الدينية وفق الواقع الذي تعيشه الأمة الآن.. إنها تعني من الناحية العملية "أسلمة" الناس الذين يدّعون أنهم مسلمون، أو أولئك الناس الذين يدعوهم الآخرون بهذا الاسم.. فنقطة الانطلاق في هذه (الأسلمة) هي الإيمان الراسخ بالله من جانب المسلمين، والالتزام الدقيق بقيم الإسلام الدينية والأخلاقية.

ثم يوضح أن العنصر الثاني لهذه الصحوة الدينية يتمثل في الاستعداد للقيام بالواجبات التي يفرضها الوعي بالهدف.. فالصحوة الدينية لذلك هي نوع من الالتزام الأخلاقي وتحمل خاصية جديدة للإيمان والإرادة تتلاشى فيها قيمة المعايير اليومية المألوفة للممكن ويرتفع فيها الفرد والجماعة معاً إلى درجة أعلى من التضحية في سبيل تحقيق مثلهم الأعلى وهي المرحلة التي جاهد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم في سبيل إقامة أول نظام إسلامي.. ويدل على هذا أن القرآن طوال السنوات الثلاث عشرة الأولى من الدعوة الإسلامية اقتصر على قضايا الإيمان وتأكيد المسؤولية ولم يتطرق في تلك الفترة لأية مشكلة اجتماعية أو سياسية..

هذه المرحلة الأولى من الصحوة الدينية تتطلب تربية الناس والأهم (تربية الذات) فالبدء بالذات يرتبط بحياة الإنسان نفسه.. قبل أن ينطلق للآخر..

ووضح علي عزت بيغوفيتش الفرق بين الحركة الإسلامية وبين الحزب السياسي، فالحزب السياسي قد تتمثل فيه وحدة الأفكار والمصالح ولكنه لا يتضمن معايير أخلاقية ولا يشغل الناس بنشاط أخلاقي..

وأكد أن الصحوة الدينية وحدها التي يمكن أن توفر وسائل تطبيق أحكام القرآن ولاسيما الأحكام المتعلقة بالأمراض الاجتماعية في المجتمعات.. وأن أي مجتمع استيقظ فيه الوعي الديني أو في غالبيته سوف يفقه هذه الأحكام ويرحب بها طاعة لأمر الله وتحقيقاً للعدل..

وأكد على ضرورة مزامنة (التربية والتصنيع).. وذلك لأن التنمية المادية المتسارعة تكون عادة مصحوبة بأعراض مرضية خطيرة تتمثل في الاستبداد والفساد وتحطيم الأسرة وانتهاب الثروات وبروز الانتهازيين ومعدومي الضمير، والتوسع في المدن على حساب الريف وانتشار الكحول والمخدرات وتفشي الدعارة.. ولا يوجد (سدّ) يحول دون الفيضان الكاسح بهذا المستوى المضاد للثقافة والأخلاق.. إلا ذلك السد الذي يبنى من (الإيمان القوي) الخالص بالله والالتزام بتعاليم الدين من قبل جميع فئات الشعب.. فالدين وحده هو الذي يضمن لنا ألا تقوض الحضارة أركان الثقافة.

أما التقدم المادي والتقني المجرد - كما هو في كثير من الحالات - فإنه قد يتحول إلى (بربرية)!!

هذه وقفات تربوية حضارية.. مستمدة من واقع العالم الإسلامي، وواقع العالم (المتمدن)!! وما يمارسه رؤساؤه من (بربرية) في العراق وفلسطين وأفغانستان..!!

وهي أيضاً مرآة تعكس واقعنا في المجتمعات الإسلامية (المتخلفة)!!

وسيلة التغيير إلى الأفضل تبدأ من (الذات) ..

وصدق القائل جل وعلا {إن الله لا يغيرما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.