تسليم السلطة لإنجاح بوش وليس لأجل العراقيين

 

 

 

بقلم :فهمي هويدي

 

بعد إجراء مراسم تسليم السلطة الى الحكومة العراقية أول من أمس، فإن معاوني الرئيس بوش سوف يسارعون الى اضافة الحدث الى سجل انجازاته، التي يُراد تسليط الضوء عليها في حملته الانتخابية الصعبة ، إذ سيكون بمقدور المسؤولين عن تلك الحملة أن يدللوا بما جرى على أن الرئيس حقق مراده في إسقاط النظام الوحشي، وسلم السيادة الى الشعب العراقي، وفاء بوعده الرسالي بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط .

المخاطب بهذه الرسالة هو الرأي العام الاميركي بالدرجة الأولى، الذي لن يُتاح له أن يعرف حقيقة ما جرى، على الأقل في الأجل القريب، لا الثمن الذي دفع لإسقاط النظام وأدى الى تدمير الدولة العراقية، كما أدى الى مقتل أكثر من 700 اميركي بعد الاعلان الرسمي عن انتهاء الحرب، ولا كيف أعيدت السيادة للعراقيين بحيث اختزلت في خروج الاميركيين من فوق خشبة المسرح المكشوف، وادارتهم للبلاد من وراء ستار .

أدري أن العملية لن تنطلي على أحد في العالم العربي، الذي يعرف كثيرون فيه جيدا ان مسألة تسليم السلطة ليست سوى تمثيلية رديئة الاخراج، وان حكاية استعادة السيادة مجرد عنوان للاستهلاك الاعلامي والسياسي، يكذبه الواقع بألف دليل وقرينة، ببساطة لأن مصير العراق ومستقبله السياسي والاقتصادي، سيظل بيد الاميركيين، سواء عبر دور السفارة الاميركية أو من خلال المستشارين الذين تقرر زرعهم في كل الوزارات العراقية، أو من جراء الالتزامات التي سترتبها الاتفاقات المملاة، التي ستعقد بين الحكومة العراقية وبين الجهات الاميركية المختلفة .

لا أظن ان الرأي العام العربي أو الاسلامي مما يشغل فريق الادارة الاميركية في الوقت الراهن على الأقل ( حتى شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل ) لان الأهم عندهم هو حملة الرئيس الانتخابية ونجاحه المرجو في الفوز برئاسة ثانية . مع ذلك فالثابت ان السياسة الاميركية في العالم العربي والاسلامي فرضت نفسها لأول مرة كعنصر مؤثر في مصير الانتخابات الرئاسية ، إذ المعتاد أن يكون الشأن الداخلي الاقتصادي أولا والاجتماعي ثانيا هو محور التنافس والصراع، ولكن أحداث 11 سبتمبر صدمت الشعب الاميركي وأخرجته من عزلته الثقافية ، إذ بسببها اتجهت أنظار الأغلبية الى الخارج الذي لم يعنو به في أي وقت ( نصف الشعب الاميركي وكذلك نصف أعضاء الكونغرس لا يحملون جوازات سفر، الأمر الذي يدلل على أن الاتصال بالخارج لم يخطر على بالهم )، وحين ارسلت الولايات المتحدة عشرات الآلاف من جنودها الى افغانستان ثم العراق، وخاض هؤلاء معارك هناك قتل فيها مئات وأصيب آلاف، فان اهتمام الاميركيين بالمنطقة تزايد، ومن ثم أصبحت السياسة الخارجية بالتالي ورقة مهمة في الانتخابات الرئاسية .

ومن الثابت ان الادارة الحالية تعول كثيرا على إظهار النجاح في العراق، بعد أن فشلت في استثمار المشهد الافغاني، ذلك ان الترتيب المسبق، الذي تم الاتفاق عليه أثناء زيارة وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد لأفغانستان في شهر سبتمبر (ايلول) الماضي ان تجري الانتخابات الافغانية في شهر يونيو (حزيران) 2004 ، في أعقاب اجتماعات اللويا جيرغا، واصدار الدستور الافغاني الجديد . وكان السيناريو الموضوع آنذاك يقضي باجراء انتخابات افغانستان ـ شريطة ضمان فوز الرئيس الحالي حميد كرزاي (!) ـ في توقيت متزامن مع تسليم السلطة في العراق، والى جانب هذين الحدثين كان متوقعا أن يتم توقيع اتفاق السلام الذي ينهي الحرب في السودان، بحيث ينسب ذلك كله الى الرئيس بوش وانجازات مهمته الرسالية التي يكثر من الحديث عنها .

وليس من شك أن تطبيق السيناريو بهذه الصورة كان يمكن أن يعزز كثيرا من الثقة بسياسة الرئيس بوش الخارجية، ولكن الرياح أتت بما لا يشتهي هو وفريقه، حيث لم يستطع الرئيس كرزاي أن يجري الانتخابات في شهر يونيو الماضي، وقرر تأجيلها الى سبتمبر، وللعلم فان الانتخابات الاميركية التي يُفترض اجراؤها في شهر نوفمبر عادة ما تكون قد حسمت في شهر سبتمبر، غير ان هناك شكا في امكانية اجراء الانتخابات الافغانية حتى في ذلك الموعد، لأن عدم استقرار الوضع الداخلي وهشاشة موقف الرئيس كرزاي، الذي ضعف تحالفه مع الطاجيك بعدما تخلى بعض قادتهم عنه، في حين أن رصيده أضعف ولا شعبية له بين البشتون الذين يفترض ان انتماءه العرقي إليهم، هذا الظرف الذي أدى الى تأجيل انتخابات يونيو لا يتوقع أن يتغير شيء في معطياته أو عناصره قبل سبتمبر،. وفي كل الأحوال فان الاميركيين لم يعودوا واثقين من امكانية استخدام المشهد الافغاني ضمن انجازات الرئيس بوش، ليس فقط بسبب موقف الرئيس كرزاي، ولكن أيضا بسبب تنامي نفوذ حركة طالبان، خصوصا في شرق البلاد وجنوبها .

تحقق الانجاز بصورة نسبية في السودان بتوقيع الاتفاق بين حكومة الخرطوم وقيادة الحركة الانفصالية في الجنوب، وكانت الضغوط الاميركية التي وصلت الى حد التهديد والابتزاز من العناصر التي ساعدت على اتمام عملية التوقيع في أوائل يونيو،. قلت ان الانجاز كان نسبيا في السودان لأن توقيع الاتفاق أنهى الحرب حقا، لكنه لم يأت بالسلام المنشود، لان ملف الجنوب ما إن اغلق ( نسبيا أيضا ) حتى انفتح ملف الغرب، مع تفجر المشكلات في دارفور .

إزاء ذلك، وأمام اهتزاز الصورة في كل من افغانستان والسودان، فإن ورقة العراق أصبحت الأهم، من وجهة نظر مخططي الحملة الانتخابية للرئيس بوش، لكن يبدو أن الرياح المعاكسة ما زالت تلاحق الرئيس الاميركي وفريقه، فالديمقراطيون والمعارضون له استثمروا فضيحة سجن أبوغريب وفتحوا النار على المعسكر الآخر كله، والصحافة شاركت في كشف التفاصيل التي بينت ان التعذيب الذي جرى في السجن لم يكن خطأ أفراد ولكنه كان تنفيذا لتعليمات عليا، طالت وزير الدفاع ورئيس الأركان، ثم أن تلك الأحداث استدعت ملفات أخرى في أفغانستان وغوانتانامو. من ناحية ثانية فقد أثبتت لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر انه ليس هناك أساس للادعاء بأن ثمة علاقة بين نظام صدام حسين وتنظيم «القاعدة»، وجاءت هذه اللطمة لتكذب كلام الرئيس بوش وفريقه الذين تحدثوا عن وجود تلك العلاقة، وإذ حدث ذلك بعد ما ثبت أن حكاية امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل كانت بدورها كذبة مختلفة، فقد أصبح من السهل تجريح سياسة الرئيس بوش واتهامه بالكذب، وهي التهمة التي رددها كثيرون، كان آخرهم نائب الرئيس السابق آل غور، ولم يكن مستغربا بعد ذلك أن تنخفض شعبية الرئيس بوش وتتراجع الثقة بسياسته، حتى كشف استطلاع أجرته في نهاية الاسبوع الماضي صحيفة «يو .اس. اي . توداي» وشبكة «س . ان . ان» ان 54 في المائة من الاميركيين اعتبروا ان ارسال القوات الاميركية للعراق كان خطأ، وكانت هذه النسبة 41 في المائة قبل ثلاثة أسابيع .

أما الموقف في داخل العراق فليس فيه ما يدعو الى الاطمئنان الى استقرار الأوضاع وهدوء الأحوال حتى يحين موعد الانتخابات الاميركية، بل ان العكس تماما هو ما يلوح في الأفق، فقد أصبحت أخبار التفجيرات والموت أبرز ما ترصده تقارير وكالات الأنباء والفضائيات في العراق، ذلك فضلا عن التوترات الحاصلة داخل الصف الشيعي ـ الشيعي، والشيعي ـ السني، والعربي ـ الكردي، وهو ما يدعونا الى القول إن الأرض العراقية مسكونة بكم من الألغام المرشحة للانفجار في أي وقت، الأمر الذي لن ينال من امكانية استقرار الأوضاع في البلاد فحسب، لكنه أيضا سوف يسحب الكثير من امكانية استخدام الورقة العراقية لصالح انتخاب الرئيس بوش، ومن ثم يؤدي الى تراجع حظوظه في الفوز .

من المفارقات اللافتة للنظر في هذا المشهد، ان هناك من يعتقد أن مصير المنطقة أصبح معلقا بالقرار الاميركي (99 في المائة من الأوراق بيد واشنطن)، لكننا لا نستطيع أن نتجاهل في الوقت ذاته أن مصير صانع القرار الاميركي أصبح بدوره معلقا على التفاعلات الحاصلة في المنطقة وتداعياتها، الأمر الذي يثير سؤالا وجيها هو : «من حقا يمسك بخناق من؟ !».